جديد الموقع

سورية بعد الضربة الأمريكية: ما الذي ينبغي أن يحدث تالياً … مجموعة الأزمات الدولية

 

STATEMENT / MIDDLE EAST & NORTH AFRICA 11 APRIL 2017

لقد رفع استخدام الغاز السام والرد بالصواريخ من حدة التوترات حول الصراع في سورية. على واشنطن وموسكو أن تستجيبا إلى المخاطر الجديدة بالسعي لتحقيق مصالحهما المشتركة، أي تخفيض تصعيد العنف المرتبط بهذه الحرب بما يكفي لتأسيس مسار سياسي ذو معنى يفضي إلى تسوية.

سواء صدّق المرء أن الضربات الصاروخية الأمريكية التي حدثت في 7 نيسان/أبريل كانت رداً متأخراً على وحشية النظام السوري، أو أنها حدث منفرد لن يؤثر في مسار الصراع، أو خطوة تنطوي على مخاطرة من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد عسكري، أو كل ما ورد أعلاه، فإن الضربة الأمريكية على قاعدة الشعيرات الجوية السورية التي جاءت رداً على ما يُدَّعى من استخدام النظام للأسلحة الكيميائية ينبغي اغتنامها كفرصة لإعادة إطلاق الجهود الدبلوماسية. لقد رفعت الضربات من حدة التوتر بين موسكو وواشنطن. إلا أن هذا التقلب الإضافي والمخاطر المرتبطة به يمكن وينبغي أن يدفع إلى سعي أكثر جدية من قبل البلدين لتحقيق مصالحهما المشتركة المعلنة المتمثلة في تخفيف حدة العنف بما يكفي لتأسيس مسار سياسي ذو معنى. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك تتمثل في تعميق التعاون الأمريكي الروسي بدلاً من وقفه.

صورت إدارة ترامب ضرباتها، التي شملت إطلاق 59 صاروخ توماهوك من مدمرتين تابعتين للأسطول الأمريكي في الشرق الأوسط، بوصفها رداً متناسباً على ما استنتجت الولايات المتحدة ومراقبين مستقلين على الأرض مثل مجموعة أطباء بلا حدود أنه هجوم بغاز السارين قرب بلدة خان شيخون التي تسيطر عليها المعارضة على الطريق السريع بين دمشق وحلب في 4 نيسان/أبريل. وحددت هدفاً لهذه الضربات هو القاعدة الجوية التي قالت إن الطائرات التي نفذت الهجوم كانت قد انطلقت منها. كما أبرزت الجهود التي بذلت لتحذير موسكو مسبقاً وتجنب وقوع ضحايا بين الطواقم الروسية والسورية على حد سواء. وذكرت أنه في حين أن القرار بمعاقبة النظام عسكرياً لاستخدامه الهجمات الكيميائية كان جديداً، فإن سياستها الأوسع المتمثلة بإعطاء الأولوية للحرب ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وربط الرحيل المأمول للرئيس السوري بشار الأسد بنتائج عملية سياسية تبقى كما هي. بعبارة أخرى، بدا أنه كان من المتعمد جعل العمل العسكري ضيقاً في نطاقه، وأن يكون محاولة للحد من المخاطر وبالنتيجة أن يحدث فوائد متواضعة نسبياً تتمثل في ردع المزيد من الهجمات الكيميائية.

في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك في العديد من دول الشرق الأوسط، أحدث قرار إدارة ترامب ارتياحاً لدى أولئك الذين كانوا يشتكون من إحجام الرئيس أوباما عن إصدار أمر بالقيام بعمل عسكري أمريكي أكثر قوة لحماية المدنيين السوريين من فظاعات النظام، وبالنسبة للبعض، الإطاحة بالنظام. آخرون اعتبروه مقامرة تنطوي على مخاطر، وأنه أتى نتيجة اندفاعة عاطفية وخارج إطار استراتيجية استشرافية، ولن يغير المسار الأساسي للحرب ويمكن أن يؤدي دون قصد إلى التصعيد، إن لم يكن إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا أو إيران. والبعض رأى فيه شيئاً من الأمرين: رداً مرحباً به، منطقياً ويتجنب التبعات غير المقصودة إذا أتى مصحوباً فوراً بجهود لإعادة وقف إطلاق النار المنهار في سورية والمحادثات السياسية المترنحة إلى مسارها الصحيح.

المخاطر كبيرة فعلاً. على سبيل المثال، إذا استمرت هجمات النظام بالأسلحة الكيميائية (ربما باستخدام غاز الكلور بدلاً من غاز الأعصاب الأكثر فتكاً، السارين)، فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مجبرة على شن هجمات إضافية، وأكثر قوة والقبول بالمخاطر المتزايدة، أو خسارة أي أثر رادع وأي تعزيز لمصداقيتها كانت تأمل بتحقيقهما. كما أن هجمات النظام التي تؤدي إلى وقوع عدد كبير من الضحايا باستخدام أسلحة أخرى، مثل البراميل المتفجرة، يمكن أن تولد أيضاً ضغوطاً على واشنطن لاتخاذ قرار فيما إذا كانت ستوسع ردعها أو ينظر إليها على أنها تبعث بإشارة إلى أنه يمكن التسامح حيال الفظاعات التي لا تنطوي على استخدام الغاز السام. كما أن هناك التحدي المرتبط بهذا والمتمثل بإدارة حلفاء الولايات المتحدة في سورية والمنطقة بشكل عام، الذين قد ترتفع توقعاتهم الآن بشكل غير متناسب حول ما يمكن للبيت الأبيض أن يكون مستعداً لفعله دعماً لهم.

المخاطرة الأكبر والمتمثلة في التصعيد مع داعمي النظام الرئيسيين روسيا وإيران، من المتوقع أن تزداد في حال حدوث ضربات أمريكية أخرى. لدى شبكة إيران من الميليشيات القدرة على الانتقام من المصالح الأمريكية في سائر أنحاء المنطقة. كما تشكل موسكو مخاوف أكبر وأكثر مباشرة؛ حيث تتشاطر الطائرات الأمريكية والروسية السماء السورية، وباتت الطواقم والمعدات الروسية مكونات مندمجة في أنظمة الدفاع الجوي للنظام. وهذا يعني ليس فقط أن بوسع موسكو أن تحد بشدة من قدرة واشنطن على القيام بضربات جوية حيوية للجهود التي تبذلها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في شرق سورية، بل يعني أيضاً أن حادثاً أو خطأً في التواصل ذو علاقة بالطائرات أو الطواقم الأرضية من شأنه أن يطلق أحداثاً تصاعدية خطيرة جداً. ما يؤكد هذه المخاوف هو حقيقة أن موسكو قد أعلنت أصلاً اعتزامها تعليق المشاركة في قناة منع التصادم التي تستخدمها قواتها والقوات الأمريكية وكذلك تعزيز الدفاعات الجوية للنظام. كما أنها أرسلت فرقاطة تحمل صواريخ كروز إلى شرق المتوسط.

الآن وقد قام الطرفان بتحركاتهما الرمزية إلى حد بعيد، فقد آن الأوان للعودة إلى الدبلوماسية وتخفيف حدة التوترات، خشية إضاعة الفرصة وخروج الوضع عن نطاق السيطرة. رغم العرض القصير للعضلات العسكرية الأمريكية، فإن روسيا لا تزال تحتل موقع القيادة في الصراع السوري، بالنظر إلى أصولها الموجودة على الأرض وفي الجو، إضافة إلى تحالفها مع النظام، وإيران، وحزب الله والميليشيات المرتبطة بهم. في حين أن بوسع واشنطن أن تأمل بالتأثير في سلوك موسكو، فإن روسيا ستقود بلا شك صياغة مسار الأحداث.

خلال زيارة إلى موسكو تزامنت مع هجوم خان شيخون والضربة الصاروخية الأمريكية، رأت مجموعة الأزمات إحباطاً عميقاً حيال ما يفترض أنه انعدام التقدير الأمريكي لما تعتبره موسكو جهودها البناءة لإنهاء الحرب ومنع تفكك البلاد. رغم الضجيج العلني، من الواضح أن روسيا قلقة من حدوث مزيد من التصعيد ومن التداعي الكامل لجهودها الدبلوماسية الرامية إلى وقف إطلاق النار وإعادة إطلاق المحادثات السياسية، كما أن لديها مخاوف حيال صلابة وضع حليفها السوري. كما عبر بعض المحللين الروس عن قلقهم من الضرر الذي قد يصيب سمعة روسيا مما يعتبرونه انتهاك النظام الفاضح والصارخ لاتفاق حول ترسانة النظام الكيميائية واستخدام الأسلحة الكيميائية وضعتها موسكو نفسها. (الإشارة هنا إلى الاتفاق الأمريكي الروسي عام 2013 على تفكيك برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، وقرار مجلس الأمن رقم 2118 لإقرار هذا الاتفاق.)

مهما كانت الحكمة التي قد يراها المرء في أحدث التبادلات بين الولايات المتحدة وروسيا، فإنها تنطوي على إمكانية لتحقيق التقدم على مسار أفضل إلى الأمام. بدلاً من مجرد استعادة الوضع الذي كان قائماً قبل عام 2013 فيما يتعلق بعدم استخدام الأسلحة الكيميائية، على الولايات المتحدة وروسيا اتخاذ خطوات مشتركة لمنع حدوث مواجهة مباشرة والسعي لتحقيق ما قرر كلاهما أنه مصلحة مشتركة تتمثل في تخفيف حدة العنف بين النظام وخصومه في المعارضة غير الجهادية. وهذا أمر جوهري ليس فقط لإنقاذ حياة الناس بل من شأنه أيضاً أن يحوّل الموارد نحو الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية؛ وإعاقة جهود تحرير الشام (وهو تحالف جهادي تقوده منظمة كانت مرتبطة سابقاً بالقاعدة تعرف بجبهة النصرة) لفرض هيمنتها على الفصائل غير الجهادية في المعارضة؛ وبمرور الوقت، تمهيد الطريق لعملية سياسية ذات مصداقية.

ينبغي أن تكون الخطوة الأولى تحديد شروط وقف إطلاق نار قابل للحياة بين النظام والمعارضة غير الجهادية. يمكن لعناصر الهدنات التي جرت محاولة التوصل إليها في العام 2016 ومطلع عام 2017 أن توفر نقاط البداية. تستحق مبادلة تنسيق الولايات المتحدة مع موسكو في محاربة الإرهاب مقابل وضع حد للضربات الجوية التي يشنها النظام خارج المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية تجديد النقاش بشأنها. سيكون إشراك تركيا، وإيران والأردن كأطراف ضامنة مشاركة إضافة إلى موسكو وواشنطن ضرورياً للوصول إلى كتلة حرجة من النفوذ والتأثير على الأطراف السورية المتحاربة. إن الاعتراف بمجالات نفوذ يحتفظ بها اللاعبون العديدون في الصراع ليس فكرة أحد عن سلام مثالي، لكنه يوفر حالياً المسار الأكثر واقعية نحو تخفيف مستدام لحدة التصعيد من شأنه أن يوفر المجال لعملية سياسية تعالج مسألة الحكم في سورية والمآزق الجيوسياسية.

لكن، ولكي ينجح وقف إطلاق نار جديد حيث فشل غيره، سيترتب على روسيا، والولايات المتحدة وشركاؤهما الإقليميين أن يكونوا أكثر واقعية في معالجة التحديات التي تشكلها “تحرير الشام”، التي تهيمن على جزء كبير من الشمال الغربي الذي تسيطر عليه المعارضة وتسيطر على مناطق قريبة من القوات غير الجهادية. لقد عزز إقصاؤها عن الهدنات السابقة من دوافعها للعمل كمفسد لتلك الاتفاقيات ووفر ثغرة استمر النظام وحلفاؤه من خلالها بقصف المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة (مستخدمين وجودها، الحقيقي أو المزعوم ذريعة لذلك). كي يكون أمام وقف إطلاق النار هذا أي فرصة للنجاح فإنه ينبغي أن يشمل – على الأقل لفترة محددة من الزمن – المناطق التي توجد فيها “تحرير الشام” لكن لا تفرض فيها سيطرة أحادية. يمكن أن يوفر ذلك الوقت، والمجال ورأس المال السياسي كي تتمكن الولايات المتحدة وتركيا من العمل مع حلفائهما في المعارضة لمعالجة مشكلة “تحرير الشام” قبل أن تقوم الأخيرة بخنقهم.

رغم أن واشنطن وموسكو تدعمان طرفين متحاربين فإنهما تبدوان أكثر واقعية حيال الحاجة للتوصل إلى تسوية نهائية من حلفائهما السوريين والإقليميين. روسيا عالقة بين حليف لا يمكن الركون إليه هو نظام الأسد، ورغم كل وحشيته غير قادر على الانتصار في الحرب؛ وحليف قوي يتمثل في إيران، القادرة على الدفاع عن مصالحها في سورية حتى عندما تختلف عن مصالح موسكو؛ ولها خصم يتمثل في تركيا، رغم التقارب الشكلي، التي ليس لديها دوافع حالياً لتقديم أي خدمات لموسكو. وهناك قوة عسكرية كبيرة عبر الجولان المحتل في إسرائيل، تتشكك في نوايا روسيا وقدرتها على كبح جماح حزب الله وتعمل ضده حتى بالقرب من القوات الروسية؛ وتواجه خصماً لا يمكن التنبؤ بأفعاله يتمثل في إدارة ترامب التي، رغم كل رغبتها المعلنة بتجنب الانخراط في اشتباكات خارجية، فإنها قد تجد في إثارة لهيب الأزمة منفعة سياسية لها. لقد تمكنت روسيا في معظم الأحيان من تحقيق التوازن بين هذه القوى المتنافسة، لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك إلى الأبد. يشكل الهجوم بالأسلحة الكيميائية والرد الأمريكي عليه أمثلة على أحداث مزعزعة للاستقرار لابد وأن تتزايد لتصل عند نقطة معينة إلى الخروج عن سيطرة موسكو.

في النهاية سيكون هناك حاجة للواقعية الأمريكية والروسية للشروع بجدية في عملية من شأنها أن تؤدي إلى إنهاء الصراع. ما حدث في خان شيخون يشير إلى الرعب الكامن في المستقبل وإلى التداعيات الخطيرة إقليمياً وربما دولياً إذا ترك الوضع دون معالجة. سواء كانت الضربة الأمريكية في 7 نيسان/أبريل حكيمة أو متهورة، فهذا ليس مهماً. المهم الآن هو تحويلها إلى فرصة للشروع في خطوات تقلص حدة العنف في سورية، بحيث تتوقف المعاناة المرعبة للمدنيين وتتاح الفرصة أخيراً لعملية سياسية.

https://www.crisisgroup.org/ar/middle-east-north-africa/eastern-mediterranean/syria/syria-after-us-strike-what-should-come-next