جديد الموقع

موقع السلاح الكيميائي في معركتي الموصل والرقة… صلاح علمداري

 

تقييم حالة استراتيجية(3)

موقع السلاح الكيميائي في معركتي الموصل والرقة

صلاح علمداري

مركز رووداو للدراسات

23/11/2016

————————

الاستثمار التركي في  السلفية الجهادية:

باب العراق والباب السورية

ثمة شبهات كثيرة رافقت تأسيس تنظيم القاعدة و تفرعاته في العراق , المغرب , سوريا و اليمن  …لكن خروج أبو بكر البغدادي على الولاء للظواهري و رفض أوامره في البقاء ضمن العراق والتوجه إلى سوريا, و محاولات ضم فرع القاعدة السوري المعروف (جبهة النصرة) إلى تنظيمه العراقي (دولة العراق و الشام ) و الإعلان رسمياً عن التسمية الجديدة دولة الإسلام في العراق و الشام ” داعش”  و تنصيب نفسه خليفة للمسلمين و بروباغندا الرعب التي صنعها له الإعلام العربي , التركي, التي رافقت الفترة الزمنية و ساهمت في سرعة تمدده على الأرض و سلاسة استيلائه على الرقة والموصل… يثير أسئلة أخرى : – لماذا في العراق و الشام ؟ و ليس في كل المنطقة المعروفة بالإسلامية ؟ طالما أنها صحوة إسلامية ؟ – لماذا ركز التنظيم الجديد على  الموصل و الرقة تحديداً وليس على مدن ومناطق أخرى ؟ – ما سر بدعة ” دابق ” في ثقافة داعش تحديداً؟

باب العراق – الموصل : من المدن المأهولة  القديمة جداً في المنطقة, سكنها الآشوريون, الميديون , الكلدان , الساسانيون  , العرب… و لا زالت تشكل حتى اليوم نموذجاً لتعدد الهويات و الانتماءات  الدينية والاثنية , سميت  نينوى – آثور _ مبسيلا _  الموصل و وُصِفت بالفيحاء و الحدباء و … و قيل عنها و فيها الكثير أهمها: الواصلة بين خراسان و الشام  , بين الجبل و السهل أو بين دجلة والفرات, و لعل وصف ياقوت الحموي لها بـ باب العراق و مفتاح خراسان هو أبلغ تعبير عن موقعها  لأنها توصل العراق بكردستان من أسهل ممر بري يفضي إلى الشمال حيث تركيا و البحر الأسود و روسيا و أوربا و بنفس الأهمية تشكل بوابة الشمال نحو الجنوب و محطة حَضَرية توصل  بين المنطقة الجبلية الممتدة من هضبة إيران  نحو الشمال الغربي و البادية التي تمتد حتى الحجاز و شبه الجزيرة العربية. للتفاصيل (ويكيبديا)

باب السورية – منطقة الشهباء: مركزها مدينة الباب تبعد 38 كيلومتراً عن مدينة حلب , كامل اسمها باب بزاعة يعيش فيها العرب و الكرد و الأشوريين و التركمان ….تقع على سفوح تل بطنة  الأثري , يعود تاريخ البلدة إلى العهد الروماني وتحوي على آثار حثية و آرامية تقع  في منتصف المسافة  بين جبال ليلون الصخرية من الغرب و نهر الفرات شرقاً و تشكل السهول المحيطة بالمدينة على الجغرافيا السورية عتبة طبيعية أو ممراً أو باباً يفضي إلى البادية السورية ,و هو نفسه الباب الذي فتح أبواب سوريا و كل الجنوب العربي , مصر , المغرب أمام الجيش العثماني والسلطان سليم الأول بعد انتصارهم على قانصوة الغوري و انكسار المماليك في معركة  مرج دابق الشهيرة  و القريبة من مدينة الباب قبل خمسة قرون!

من دارة عزة الى الرقة  : وصلت قيادات غير عراقية من تنظيم دولة العراق الاسلامية إلى سوريا أواخر 2011 عبر الحدود السورية مع تركيا , أعلنت في المنطقة الواقعة بين حلب و إدلب عن تأسيس جبهة نصرة أهل الشام بداية 2012 , سرعان ما استولت على الفوج 111 للجيش السوري بعملية مباغتة بداية 2013 و اجتاحت كامل  المنطقة العسكرية و المستودعات التابعة له و حولت المنطقة إلى مقر و منطلق لعملياتها, في دلالة واضحة على دراية قادة التنظيم الجديد بأهمية المنطقة و مكنونها من الأسلحة السرية , الذخائر و المواد , المنطقة هي عبارة عن مغاير طبيعية و ملاجئ بيتونية و أنفاق محكمة تحت الأرض تمتد من سفوح ليلون الشرقية على مقربة من حلب مرورا بمحيط بلدة دارة عزة إلى جبل الشيخ بركات أعلى قمة في جبل ليلون, تطل على حارم وإدلب نفسها , كان النظام قد فرض عليها طوقاً من السرية التامة قبل حوالي عقد ونصف و أبقاها خارج الإعلام و التداول   و أخفى أسرارها حتى عن سكان القرى المحيطة . لا زالت النصرة تتمركز حول هذه المنطقة و يتجنب طيران النظام  بدوره قصفها بشكل مباشر إلى اليوم , روايات غير موثقة لسكان القرى المجاورة و بعض العسكريين المنشقين تفيد بان شحنات كبيرة من عتاد عسكري قدمت من العراق قبل الغزو الأمريكي لها 2003و خبأها النظام هنا أو دفنها بسرية تامة ,يعتقد البعض أنها مواد و أسلحة كيماوية من بقايا الترسانة العراقية و آخرون يفترضون أنها مواد بيولوجية و كيماوية سورية خبأها النظام في هذه المنطقة النائية البعيدة  , ما يثير الشكوك و التكهنات هو تتضارب الأرقام و عدم دقة المعلومات المتوفرة عن مصير الترسانتين الكيماويتين العراقية و السورية….

*(تقرير مفصل عن الكيماوي السوري في www.huffpostarabi.com/2016/09/01)
العقيد السابق في الجيش العراقي حجي بكر كان وراء فكرة تمدد فرع القاعدة في العراق نحو سوريا وهو الذي رشح أبو بكر البغدادي للخلافة , رافق البغدادي إلى مناطق إدلب عبر تركيا للقاء الجولاني بهدف توحيد التنظيمين ( تنظيم دولة العراق التي أسسها الزرقاوي و جبهة نصرة أهل الشام التي هي بنت تلك الدولة نفسها ) و هو الذي نظم عملية الاستيلاء على مستودعات الأسلحة و هو نفسه مهندس الانشقاق عن النصرة و القاعدة و إعلان داعش .

*( تغريدات ويكيليكس التي جمعها نجيب عبد القادر – اسرار دولة البغدادي). 
بعد الانشقاق عن النصرة و حيازة أموال و عتاد و مواد ممنوعة كان لا بد لداعش من البحث عن مكان آمن , أبنية و مستودعات محاطة بالسكان المدنيين للحماية من القصف و التدمير , الرقة …هو الموقع المطلوب حيث خرج منها النظام و أمست في قبضة مجموعات محلية يمكن انتزاعها منهم بسهولة و المهم أنها مأهولة بالسكان .
الإنشقاق : بطلب من جماعة الإخوان المسلمين والسعودية وقطر رشحت تركيا  للغرب و أمريكا جبهة النصرة كقوة وحيدة قادرة على إسقاط نظام الحكم في سوريا في مخطط محكم يتولى فيه آردوغان شخصية الفاتح الجديد , بغية التحكم بمسار العمليات العسكرية على الأرض عملت الاستخبارات التركية على إجهاض كل التجمعات المسلحة الأخرى بما فيها تجمعات الضباط السوريون المنشقين عن النظام, فخيرتهم إما بالانضمام إلى النصرة أو محاربتهم و تصفيتهم ( تجمع الضباط الأحرار و المقدم هرموش مثالاً ) , الإعلان من داخل النصرة عن دولة الإسلام في العراق و الشام “داعش ” نيسان 2013 و الانشقاق فيما بعد بين أبو بكرالبغدادي و أبو محمد الجولاني لم يكن ضمن حسابات تركيا و من وراءها , مع ذلك استطاعت الدولة التركية أن تستمر في حلفها مع النصرة و تفتح قناة  موازية مع داعش و استطاعت أن تستثمر في الجانبين كل في موقعه و أحياناً تمكنت من توزيع الأدوار بينهما , جبهة النصرة تظل تتمركز بين إدلب و حلب و تقاتل النظام و تدعو الفصائل الأخرى للانضمام إلى الجهادية, و داعش تنفذ مهمات أخرى وفق معادلة مفادها استمرار الدعم اللوجستي مقابل طلبات تركية تحدد في زمانها و مكانها … الموصل  (باب العراق)  كان بمثابة الاختبار الأول للتحالف التركي الداعشي و الهدف المشترك  لهما حيث لداعش المال و المغانم و لتركيا موقع في سهل نينوى و تدشين موطئ قدم لها بالقرب من حلمها التاريخي …!  تمت العملية بنجاح و استولى التنظيم بصورة تراجيدية مثيرة على مدينة الموصل في  منتصف حزيران 2014,  شنكال كانت الوليمة التي قُدمت لمرتزقة داعش أوائل آب 2014 للتمتع بنسائها مكافأة على نصرهم في معركة الموصل المظفرة!.

من دابق الى كوباني   :
انتزعت الاستخبارات التركية من بعض شورى المجاهدين و روجت بشكل كبير فتوى , حديث , بدعة “دابق ” كموقعة تاريخية حتمية بين المسلمين والنصارى أو المشركين ينطلق منها المسلمون لحكم الأرض على أن يجتمع مسلمون من ثمانين دولة و تجتمع 80 راية مختلفة تحت راية التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) , هذه البدعة شكلت أكبر إغراء للجهاديين ( المهاجرين) من أنحاء العالم و دفعت بهم  نحو مناطق الشهباء, شمال حلب حيث تقع دابق و تمركزا فيها , لكن داعش بعد الانشقاق عن النصرة توجه إلى الرقة للإحتماء بأهلها و التستر على حمولتها من السلاح و المال و هو ما أبعدها عن المسعى التركي في تشكيل منطقة عمليات عسكرية تتمركز فيها مجموعات تابعة لها. سوقت تركيا لهذه الفكرة سياسياً أيضاً تحت مسميات مختلفة ( منطقة حظر جوي, منطقة آمنة , منطقة أقل خطورة …) تمتد من جرابلس على حدودها نحو العمق السني في سوريا. استمر التحشيد و الترويج لبدعة داعش حتى غيرت تركيا من خطتها و قررت التدخل المباشر في سوريا ليتم  بعدها مباشرة  تسريب تسجيل للبغدادي في أكتوبر 2016 يقلل من أهمية دابق , معركة دابق المرتقبة بين المسلمين والكفار لن تتم !…. و لم تكن إلا بدعة لزرع داعش في مناطق الشهباء !.
كبديل لممر دابق مع تركيا الذي استعصى تدشينه و واجه فيها مقاومة من قبل الكرد كما من قبل الجماعات المسلحة المحلية, فضل داعش التوجه نحو كوباني الملاصقة لخط الحدود التركية و القريبة من قاعدتها في الرقة, حيث كوباني كان الهدف المشترك الأول من البوابة السورية سبتمبر 2014, إيصال الرقة بتركيا مصلحة تركية داعشية على أي حال ! رغم أن تركيا رتبت غير ذلك ! أما  إرادة اللاعب الدولي فقد غيرت الموازين في اللحظات الأخيرة و تدخل طيران التحالف لمصلحة قوات ال YPG المدافعة عن كوباني أدى إلى هزيمة داعش بداية 2015. إثر تلك الواقعة قرر التنظيم الانتقام من دول التحالف التي ساهمت في انكساره على أبواب كوباني  فصعّد منفرداً من هجماته الانتحارية في مدن أوربية عدة مما جعلها اليوم  هدفاً للغرب الذي يقود حرباً لإنهاء دولته المزعومة .

حصان الرهان   :  بعد انكسار داعش في كوباني على يد الكرد , بمساعدة دولية بداية 2015,و تدخل روسيا عبر سلاح الجو في نهاية أيلول من نفس العام و تحولها من مستخدم فيتو إلى لاعب رئيسي بجانب النظام الذي قدّم نفسه الضمان الأقوى لبقاء القواعد و المصالح الروسية على البحر المتوسط , الغارات الروسية عززت موقف النظام السوري فاحتدم الصراع الدموي بعد صيف بارد ليغرق البلاد في بحر من الدم و تتحول مدن كبيرة مثل حلب إلى أطلال و خرائب و تتشرد ملاين أخرى من السوريين .
تركيا أكبر مستثمر في الدم السوري دقّقت حساباتها المرحلية فأعادت  النظر في حصان رهانها بعد أن اتضح لها فشل الخيار العسكري و عجز المجموعات المسلحة عن إسقاط النظام , في استدارة قاسية نقلت بعض بيضها إلى السلة الروسية بعد قطيعة دامت ثمانية أشهر فقط. مع إبقاء البعض الآخر حتى الآن في سلة الإسلام السياسي المدعوم على الأرض بالإسلام الجهادي , إلا أنها بهذه الاستدارة  سجلت نهاية حلم آردوغان في انتزاع صفة “ظاهرة” و تزعم إسلام السلطة في المنطقة المعروفة بالإسلامية كما نهاية حلم المعارضة السورية المتمركزة في تركيا في القضاء على الحكم العلوي . أكثر من ثلاث سنوات و تركيا تَعِد حلفاءها في المعارضة المسلحة بانتزاع موافقة الدول العظمى لتسليحها بتجهيزات نوعية  و صواريخ مضادة للطائرات , هذا السلاح الذي لو توفر لسقط النظام فعلاً , لكن علاقات تركيا المشبوهة مع السلفية الجهادية منذ نشأتها و تورط الجهاديين في عمليات إرهابية استهدفت مدناً أوربية… حال دون تجرؤ الدول الغربية على تسليح المعارضة بالصواريخ خوفاً من انتقالها إلى التنظيمات الإرهابية …وهو ما تسبب في تصدع العلاقات بين تركيا و الناتو و أوربا من جهة و فتور في العلاقات بين تركيا و المعارضة السورية المسلحة التي تحاول تركيا هذه المرة إقناعها  بضرورة القبول بالأمر الواقع والدخول مع النظام في حكومة انتقالية مشتركة على هدى  الطرح الروسي – الحليف الجديد لتركيا.

المشاريع الإقليمية:  تتعامل الدول الكبرى و الدول الإقليمية مع الملف السوري من منطلق مصالحها فقط (أمريكا, أوربا , إسرائيل , تركيا , إيران و روسيا) و مع زيادة وتيرة الحرب الدولية على الإرهاب و إعلان معركتي الرقة و الموصل, اتضحت أكثر معالم أبرز مشروعين إقليميين هما: -المشروع الشيعي الإيراني.
– المشروع السني الذي تقوده تركيا, مع كامل قناعتنا بأن جوهر المشاريع ومحركها هي المصالح الاقتصادية و المال, سواء كان اللبوس المستخدم ديناً أو طائفة و إيران كما تركيا تستثمران اقتصادياً  في الدين و الطائفة .

المشروع الشيعي بدأ منذ ثورة الخميني 1979 و رفع  شعار تصدير الثورة ,الذي مهد لما سمي بمشروع الهلال الشيعي الهادف إلى تأمين تواصل بري بينها وبين الجيوب الشيعية في العراق و الخليج وسوريا و لبنان ,و الاستفادة من هذه الجغرافيا في تجارتها , سيما ضخ البترول إلى البحر المتوسط , ولكن  بعد صعود الغاز إلى قمة الاهتمام الدولي و التنافس على إنتاجه وضخه إلى أسواق استهلاكه الغربية تسبب حتى الآن  في حرب بين  روسية و أوكرانيا و احتمالية نشوب نزاعات و حروب أخرى على الغاز و خطوط ضخه و بيعه.*……إيران تسابق الزمن في السير بمشروعه القديم المتجدد في تأمين جغرافيا برية  يوصلها إلى البحر المتوسط و لديها محوران تعمل وفقهما – إيران- جنوب العراق  – جنوب شرق سوريا ( محافظة حمص) إلى البحر المتوسط ,  أو عن طريق كردستان العراق إلى نينوى و منها إلى  منطقة الجزيرة السورية  ذات الحكم المحلي الصديق (المرتقب)  و من ثم البحر .

*يشار في سياق التنافس على الغاز و خطوطه ضخه إلى دراسة الدكتور آزاد علي بعنوان “موقع داعش في حرب الغاز و مسارات أنابيبه ” المنشورة في روداو –نت 30 \11 \2014.

المشروع السني : عرض مجلس التعاون الخليجي عام 2009  على نظام الأسد مشروعاً متكاملاً لمد أنابيب الغاز من قطر عبر السعودية والأردن إلى سوريا و أرفقته بإغراءات كثيرة لكن النظام رفض المشروع ليوافق بعد عام على مشروع إيراني لنفس الغاية . استنجد الخليجيون بتركيا و عزفوا على وتر الطائفية و ضرورة تكاتف الدول السنية, فراهنوا على علاقات تركيا الدولية و كاريزما آردوغان و علاقاته الشخصية و العائلية مع الأسد  حينها و الذي لم يألوا جهداً من جهته في ترطيب الأجواء بين الأسد وجماعة الإخوان المسلمين تمهيداً لإشراكهم في السلطة في صفقة لم تكلل بنجاح (*الحوار المتمدن 30\9\2011) فاستثمر الخليجيون والأتراك في ثورة السوريين السلمية ليحولوها بعد ستة أشهر إلى مواجهات مسلحة مع النظام انقلبت على أثرها صداقة آردوغان والأسد إلى عداوة استمرت حتى دخول الروس على الخط بشكل مباشر أيلول 2015 لتنقلب الموازين  بعدها و تعود بعض الحرارة إلى خط دمشق – أنقرة مرة أخرى .
تركيا ومعها قطر والسعودية لم تهمهم يوماً قضايا الديمقراطية و الحريات في سوريا بقدر ما يهمهم تأمين ممر بري بين تركيا و الجنوب السني للإسراع في  مشروع تمديد خط الغاز وضخه إلى أوربا  قبل إيران و قد يقبلون حتى باستمرار الأسد في السلطة بعد كل ما حدث للسوريين خلال السنوات الماضية بمجرد موافقة النظام على مشروعهم  (الموافقة التي لن تتم) و إلا فالبديل هو دعم الفيدرالية الكردية في الشمال -وهذا غير ممكن أيضاً بسبب حساسية تركيا و العداء الذي تكنه للكرد و لأي كيان خاص بهم –  الحل بنظر حكومة آردوغان يكمن في إحداث اختراقات جغرافية بين تركيا و الخليج و المنطقتان المرشحتان للاختراق هما الموصل التي تفضي إلى بادية  الأنبار و السعودية و كل الجنوب السني و منطقة الباب التي تفضي إلى البادية السورية و الأردن و السعودية, قد تقبل تركيا مفاوضة الغرب على أحدد الممرين و لكن الرقة تحديداً ليست هي المطلوب تركياً و لن تشترك في معركة تحريرها على الأغلب و الطموح التركي لا يتجاوز منطقة الباب وقد جاء ذلك على لسان آردوغان علناً في اجتماع مع المخاتير عقد في 26\10\2016في أنقرة حيث جاء فيها ” تركيا اليوم ليست تركيا القديمة … هناك من يريد منعنا من دخول الباب ..لكننا مستمرون. . .” *( بحسب موقع يني شفق).

تقاطع المشاريع: المشروع الإيراني الشيعي يتجه من الشرق نحو الغرب وفق محوري إيران – السليمانية – الموصل – الجزيرة السورية ( روز-آفا) وخط جنوبي موازي إيران – جنوب العراق –محافظة حمص السورية – شواطئ المتوسط،  المشروع التركي السني يتجه من الجنوب إلى الشمال وفق محورين أيضاً هما الخليج – السعودية – الأردن   البادية السورية – الباب – تركيا  أو الخليج – السعودية – الأنبار – الموصل – تركيا , تتقاطع هذه المشاريع فيما بينها كما مع جغرافية كردستان في منطقتي الموصل ( البوابة العراقية ) و منطقة الباب ( البوابة السورية).

المشروع الكردي: في الحقيقة لا يوجد مشروع كردي متكامل و لا توجد استراتيجية  قومية كردية موحدة واضحة المعالم بسبب واقع التقسيم المفروض منذ حوالي مائة عام و ظهور خصوصيات محلية في كل جزء و غياب سقف كردستاني و مرجعية فوق حزبية ( مجلس أو مؤتمر كردستاني) , إقليم كردستان العراق هو منجز قومي لكنه يظل مقيداً بخصوصيته العراقية , بالرغم من مضي ربع قرن على التجربة الكردية في الإقليم و اعتراف رسمي وعلاقات دولية إلا أن التجربة لم تتطور بما يكفي و لم تخرج من عباءة الحزب إلى المؤسسات و الاسترتيجية القومية , تجربة الإدارة الذاتية القائمة و مشروع الإقليم الفيدرالي المزمع إعلانه في الشمال السوري هو أيضاً إنجاز للكرد حتى و إن كان غير واضح المعالم و الهوية حتى الآن و غير معترف به ,الإقليمان متجاوران جغرافياً و معاً يصلان بين جبال زاغروس و هضبة إيران في الشرق و البحر المتوسط غرباً . ثمة محاولات حثيثة جارية  من قبل جهات إقليمية لدق الأسافين بين الإدارتين و الإقليمين و إلحاق كل منهما بأحد المشاريع الطائفية ( السني, الشيعي) من خلال الترغيب و الترهيب و إسقاط الخلاف بين الإدارتين الحاليتين على كامل مساحة كردستان و تقسيم جميع الكرد بين هذين الطرفين  دون أن تتبلور حتى الآن  سياسات قومية جامعة  فوق حزبية.

بداية تنسيق:   يدرك النظام السوري نوايا جاره التركي تماماً و لا يستبعد تصعيداً أو توغلاً تركياً نحو الباب في الفترة الزمنية التي تستغرقها مراسيم التسليم والاستلام في البيت الأبيض الأمريكي , يدفع  النظام بقسم من جيشه مدعوماً بميليشيات شيعية و تغطية روسية جوية نحو الباب أيضاً في تحركات تشي بأن النظام لن يتخلى عن الباب لتركيا مهما كانت التفاهمات و التوافقات حول حلب , تأتي تحضيرات جيش النظام السوري حول الباب في الوقت الذي تبتعد فيه قوات سوريا الديمقراطية عنها لتنتشر في ريف الرقة متباهياً بتفرده في المعركة ضد داعش , منتشياً بإبعاد تركيا عنها رغم أن أهمية الباب كردياً ليست أقل من أهميتها إيرانياً و هي أضعاف أضعاف أهمية الرقة. فهل سيصطدم جيش النظام مع تركيا في الباب؟ و هل ستغيب أمريكا و قوات سوريا الديمقراطية عن معركة الباب كما تغيب روسيا و جيش النظام عن معركة الرقة؟  هل هي بداية تنسيق بين قوات سوريا الديمقراطية و جيش النظام مستنداً على تفاهمات أمريكية روسية ؟ أعتقد ذلك سيما بعد دخول الروس على خط الوساطة وترتيب اللقاء الذي تم في قاعدة حميميم الروسية في 18\9\ 2016 بين وفد من النظام ووفد من الإدارة الذاتية  وتردد قواد عسكريين روس إلى مناطق الإدارة الكردية (الجزيرة , كوباني , عفرين) و محاولات بعض رموز منصة موسكو في الفترة الأخيرة لعقد مؤتمر لمعارضة الداخل (الوطنية حسب تعبير النظام و روسيا) في دمشق و التي من المتوقع أن يشترك فيه وفد الإدارة الكردية.

الحصاد التركي : اختلط الحب بالزيوان في البيدر التركي و أمسى من الصعب فصلهما , ففي عهد العدالة و التنمية و إن كانت تركيا  قد حققت تقدماً نسبياً في مجال الاقتصاد إلا أنها تحولت من دولة علمانية وعضو في الناتو إلى دولة تديرها حكومات ذات توجه ديني و صبغة طائفية , متهمة برعاية أخطر التنظيمات الإرهابية و من دولة مؤسسات ودستور تتجه في الفترة الأخيرة نحو درك التفرد و الاستبداد ومن نظرية العمق الاستراتيجي و مقولة صفر مشاكل مع الجوار تعود تركيا لتتدخل عسكرياً في العراق و في سوريا … تَوسّع جبهاتها الخارجية مضافاً إلى انفكاك تحالف حزب العدالة و التنمية مع تيار الداعية غولن داخلياً وإعادة فتح جبهة ساخنة على الكرد…. سيفقدها مكانتها الدولية و يحملها أعباء اقتصادية و سياسية ربما تفوق طاقتها على التحمل, لاسيما و أن الصراع في المنطقة لا زال مفتوحاً على كل الاحتمالات و غير محدد بنهاية زمنية …. هذا إذا لم ينتقل الصراع إلى داخلها.

ملخص :
1- معركتي الموصل و الرقة لن تُحسمان عسكرياً في وقت قصير , جميع الأطراف ستستميت في الدفاع عن أجنداتها , و بالنسبة لداعش ومشروعها الخيالي في خلافة إسلامية  فالمعركتان هما قضية وجود أو فناء , أما داعش كفكر و ثقافة فهي موجود كبذرة في الثقافة الدينية و الاجتماعية لشعوب المنطقة يمكنها أن تنتعش حين تتلاءم الظروف في أي موقع آخر و تحت أي مسمى آخر. و الحرب الحقيقية على العنف و الإرهاب يجب أن تبدأ بتهذيب النصوص الدينية و محاربة فوضى الفتاوى و إعادة النظر بأسلوب و مناهج التربية و التعليم للأجيال القادمة.
2–الاتهامات المتكررة بين الفصائل العسكرية و جيش النظام السوري باستخدام أسلحة الكيماوية و تسجيل حالات غامضة لضحايا المعارك (الغوطة , الشيخ مقصود …)  تفصح عن احتمالية احتفاظ النظام السوري ببعض مخزونها من المواد الكيماوية لا يصعب – بالتالي-  انتقالها من طرف إلى آخر نتيجة معارك الكر والفر، الاستيلاء والصفقات بين الأطراف المتحاربة
*(أن بعثة الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية استطاعتا تحديد مرتكبي 3 هجمات من أصل 9 حوادث يتم النظر فيها، وتم الإقرار بأن السلطات السورية الحكومية مسؤولة عن حادثين، وتنظيم “داعش” عن الحادث الثالث. موقع روسيا اليوم 29\8\2016) … ناهيك عن فرضية امتلاك جبهة النصرة وداعش لمواد كيماوية من مخلفات الترسانة العراقية المدفونة في سوريا، كل هذا يجعل خطر استخدام هذه المواد من قبل داعش قائماً في لحظة مصيرية كما لا تستبعد احتمالية لجوء طرف آخر إلى استخدام أسلحة أو مواد ممنوعة ضمن رقعة هذه المعارك ليتهم كل طرف بها خصمه على غرار قصف حلبجة وتبادل الاتهامات بين إيران والعراق.
3- ليست مجرد صدفة تمركز داعش في هاتين المنطقتين اللتين تقعان ضمن دولتين مختلفتين وتبعدان عن بعضهما أكثر من أربعمائة كيلومتر و ليس بريئاً الاهتمام الإقليمي و الدولي بالموصل (نينوى) و الباب ( الشهباء), فإضافة إلى أهمية عامل الجغرافية تتشابه المنطقتان إلى حد ما في التنوع العرقي والديني والطائفي، و هما مرشحتان لنزاعات محلية بين المكونات قد تتفاقم في ظل الأوضاع و التجاذبات الحالية  .. يبقى الحل الأكثر واقعية هو تشكيل إدارة توافقية سواء في الباب (منطقة الشهباء) أو في الموصل (محافظة نينوى)  يشترك فيها جميع المكونات الموجودة و تحدد بنفسها مصيرها المشترك.
4- إصرار الحكومة العراقية و من ورائها إيران أجهضت كل محاولات تركيا – حتى الآن –  للاشتراك في حملة تحرير الموصل في مسعى نسف مبرر التواجد التركي العسكري في الموصل و المناطق المجاورة, هذا التواجد الذي كان الهدف منه تثبيت حضور تركي في إدارة الموصل بعد التحرير بحجة حماية التركمان، ليبقى رهان تركيا البديل هو على إعلان نينوى إقليماً فيدرالياً يديره حلفاؤه السنة ومحاولة إشراك الكرد في التحالف السني.  أما منطقة الباب السورية فستحاول تركيا استغلال مراسيم الاستلام والتسليم في البيت الأبيض الأمريكي بين الرئيسين الجديد و المنتهية ولا يته  بتصعيد عسكري و الزحف جنوباً للوصول إلى الباب بأي ثمن.
5- أي اتفاق يفضي إلى تثبيت نفوذ أو تواجد طرف إقليمي في الموصل من شأنه فصل إقليم كردستان (كردستان الجنوبية) عن الإقليم الكردي المرتقب ولادته من مخاضات الحالة السورية (إقليم روز-آفا أو شمال سوريا ) وأي إجراء مماثل في الباب أو مناطق الشهباء من شأنه عزل عفرين عن كوباني وبالتالي تقزيم الإقليم الكردي في الشمال السوري وحصره في شرق الفرات ومحاصرة عفرين  وقطع الطرق على الحلم الكردي نحو البحر المتوسط.
6- اللاعب الدولي هو الذي سيحسم الموقف في الموقعين كحل مرحلي وفضٍ للنزاع الإقليمي، فاستبعاد تركيا من معركة تحرير الموصل قد يقابله استبعاد لإيران والميليشيات الشيعية في تحرير الباب … الغارة الأمريكية (الخطأ) على الجيش السوري في دير الزور في 17أيلول المنصرم كانت بمثابة رسالة أمريكية واضحة للنظام وإيران، وتتضمن بأن المنطقة تحت مراقبتنا ولم نقرر بعد لمن ستكون. قد يقابلها موقف أمريكي أو حتى غارة (بالخطأ) على الجيش التركي بمثابة رسالة لها أيضاً.  القوى العظمى هي التي ستمتلك مفاتيح الموقعين (البابين) نينوى والباب تغلقهما أو تفتحهما لمن تشاء.