جديد الموقع

منطق التشكيك والاتهام … ضارٌ ومريب … افتتاحية الوحـدة *

لم يمرّ يومٌ من حياة الكُـرد في سوريا، وخاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، إلا وكانت تعترضهم سياسات الاضطهاد والانكار والتمييز، وتلاحقهم عبارات التشكيك والاساءة، من تقزيمٍ لوجودهم التاريخي وتقليلٍ من شأنهم الاجتماعي والثقافي واستخفافٍ بقدراتهم وملاكاتهم العقلية والتعامل معهم باستعلاء وفوقية، انطلاقاً من مواقف وذهنيات ايدولوجية وعنصرية وفتاوى دينية، رغم كل ما بذله الشعب الكردي من وفاءٍ للوطن والدفاع عنه والمساهمة في بنائه، وسعيه الدائم لتعزيز أواصر الأخوة وحسن الجيرة وأسس العيش المشترك، وتبنيه لخيارات سياسية سلمية ديمقراطية، ومشاركته الفعّالة في الحراك المناهض للاستبداد والارهاب، بعيداً عن منطق رد الفعل والثأر والانتقام.

وبعد أن حقق الكُـرد في سوريا نجاحات ميدانية وحافظوا إلى حدٍ ما على تماسكهم المجتمعي والسلم والأمان النسبي في مناطقهم التي تشهد حراكاً سياسياً وجماهيرياً مقبولاً وبإدارة ذاتية قائمة – وإن كانت تشوبها سلبيات ونواقص – وباتت قضيتهم العادلة تحظى باهتمام اعلامي وسياسي واسع، ناهيك عن الصورة الإيجابية والسمعة الطيبة التي تشكلت عنهم لدى الرأي العام العالمي, لما للمجتمع الكردي من خصائص مدنية منفتحة ومنافية للفكر السلفي الجهادي التكفيري المتطرف أو النزوع القومي المتزمت، …. بدأت الرؤوس الحامية من النخب السياسية والثقافية العربية السورية لدى النظام والمعارضة بالكشف عن حقيقة ذهنيتها الشوفينية وزيف ادعاءات تمسكها بمبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان والشعوب وحرصها على بناء بلدٍ لجميع أبنائه، بمنطقٍ فج من التشكيك والاتهام، وصلت إلى حد إطلاق تعابير نابية وإنفلات لفظي مسيء، لم نكن نتوقع أن تُصدر من أناس معينين.

وقد كانت ذروة الفلتان المناهض للكُـرد وحقوقهم وتطلعاتهم ولاتزال، فور الإعلان عن مشروع ” النظام الاتحادي الفيدرالي الديمقراطي لـ روﮊ آفا – شمال سوريا ” في مؤتمر ديريك 16 – 17/ 3 / 2016، الذي قوبل بحملة إعلامية شعواء ومواقف وتصريحات وتحركات مريبة، تناغمت مع سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية – تركيا المعادية للكُـرد عموماً، رغم أنه ثبت بما لايقبل الجدل بأن الدولة المركزية أو مركزية الدولة – على الأقل في عالمنا الشرق الأوسطي – تولد الاستبداد والفساد وتُعيد انتاجهما بصيغ وأشكال شتى، إذ تجلب الخراب للعقول والعمار، كما هو الحال في بلدنا سوريا منذ عقود.

إن مشروع الفيدرالية المعلن عنه والذي هو قيد التأسيس لا ينطلق من منطلقات ودعاوى عنصريةَ نقاءٍ قومي أو صفاءٍ عرقي، بقدر ما هو حماية وخط دفاع عن وجودٍ تاريخي وحقوقٍ مشروعة مهضومة, لمكون مجتمعي تاريخي أصيل في الشمال السوري، ألا وهم الكُـرد المتجاورين مع غيرهم من أبناء المكونات الأخرى من عرب وسريان كلدو آشور وتركمان وشركس وأرمن وشيشان، لتسود بينهم جميعاً قيم وأسس عيشٍ مشترك وفق قوانين عصرية، وليعطي نموذجاً حضارياً لسوريا جديدة لا مكان فيها للعسف والاقصاء أو مرتعٍ للإرهاب والتكفير وإقحام الدين في قضايا الدولة والسياسة.

نحن في حزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا ومنذ أكثر من عقدين ندعو إلى الإدارة الذاتية كصيغة من صيغ اللامركزية واللاتهميش، وهذا لايتعارض مع خيار مشروع اللامركزية الاتحادي – الفيدرالي المعلن عنه والذي نحن جزء منه في إطار وحـدة البلاد وتطورها الحضاري، وإن توجهنا هذا ليس وليد حالةٍ طارئة وأوضاعٍ مستجدة.

من المؤسف جداً والمُحزن أن يكون من أبسط الأمور وأسهلها لدى صناع القرار والعديد من النخب السياسية والثقافية على اختلاف مواقعها في سوريا وغيرها، هو ابقاء الكُـرد عموماً ضمن دائرة الشك وتوجيه التهم إليهم، ولكن ما يثلج صدورنا هو التفهم الذي أبداه بعض الإخوة الأفاضل من كتّاب ومثقفين وساسة من خلال آراءٍ ومواقف تستحق التقدير والاحترام .

* جريدة الوحـدة – العدد / 272 /- الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)

Elwehde-272-1