جديد الموقع

وباء الاستعلاء القومي…. زاوية نقاط على حروف*

بقيت قضية الكرد العادلة في سوريا لدى الآخرين طي التجاهل والتناسي مدة قرن كامل, تجنبها معظم دعاة الحقوق والحريات والديمقراطية, وغالبية الساسة والمثقفين, وحتى منظومة المصالح الدولية غيبّت الكُـرد كمكون أساسي في منطقة الشرق الأوسط. إن هذا التجني التاريخي على الإرادة الكردية كان أحد أسباب عدم الاستقرار في المنطقة لعدة عقود, وهو الآن احد مبررات ثورات شعوبها.

رغم كل ما حدث ويحدث من ثورات دموية وانقلابات على الأنظمة الحاكمة وسياساتها, وما سيتبعها من تغييرات, لا يزال معظم النخب السياسية والثقافية تعاني من عقدة الكُـرد- فوبيا التي أوجدها حكام المنطقة, ولا زال الكثيرون ممن يقفون في صف المعارضة, يتعاملون مع الكُـرد وقضيتهم مواقف أكثر شوفينية من السلطات نفسها, تُقلقهم إرادة الكُـرد في التمسك بخصوصيتهم, وتؤرقهم مجرد طرح تصورات حول شكل الحكم في سوريا المستقبل, سيما وأن التوجه الدولي بات يقارب الرغبة الكردية في إدارة ذاتية أو نظام إتحادي (فيدرالي) يضمن حماية وحـدة البلاد وتطورها الحضاري. إن مجرد تناول الملف الكردي وإبداء الرأي فيه بات يستفزّهم ويدفع بالكثير من أبواقهم لشن حملات الطعن والتخوين ضد الكُـرد عامةً, ناكرين حقوق العشرة والجيرة ومتجاوزين في كثيرٍ من الأحيان حتى لمعايير الأخلاق.

الكُـرد من جهتهم مستعدون لتجاوز عقدة الأخ الأكبر ومظالمه, ولم ينجرّوا إلى درك الثأر والرد بالمثل في أكثر من موقع وبشهادة العالم, كما أبدوا درجةً كبيرة من الانفتاح, والاستعداد لمعاودة التعايش رغم الشروخ التي أحدثتها مصائب السنوات الخمس الماضية بين المكونات, ورغم خلافاتهم الحزبية، يجمعون على البقاء ضمن سوريا لامركزية, أما نخبة الأكثرية العربية التي من المفترض بها أخذ زمام المبادرة وتهيئة المناخات الإيجابية في وطن يتسع لجميع أبنائه, فلا زال وباء الاستعلاء القومي مستفحلاً في أوساطها, ولا زالت بعيدة عن الموضوعية في تناول الملف الكردي.

كل النخب السورية تتحمل في هذه المرحلة التاريخية مسؤولية كبيرة تجاه الوطن ومستقبل أبنائه, والكل في سوريا مطالب بصناعة وإشاعة ثقافة التسامح والتعايش بين المكونات، أما من يعتقد أن سوريا ستعود إلى ما كانت عليها قبل خمس سنوات فهو واهم, ومن يعتقد أن المفارز الأمنية قد تعود لتتحكم بمصير الكُـرد في مدنهم, فهو واهم أيضاً، … أفضل الأوطان هي تلك التي يختارها الناس بإرادتهم ويصنعون مجده بأيديهم.

* جريدة الوحـدة – العدد / 271 / – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)

Elwehde-271-16