جديد الموقع

بَلَم… وهذه هويتي… لمّ الشمل. …. زاوية نقاط على حروف*

ازدياد وتيرة الهجرة من المناطق الكردية أصبح ملفتاً خلال السنوات الأخيرة بحججٍ وذرائعَ مختلفة، منها ما هو مقنع ومنها ما هو غير ذلك.
مناطقنا بحاجة ماسة إلى جميع أبنائها في هذه الظروف, إلا أنه لا يمكن إجبار الناس على تحمل قسوة الحياة والظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد، والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن وواجب البقاء فيه من المفترض أن يكون نابعاً من الذات، و قرار الهجرة يبقى من خصوصية كل شخص و كل عائلة…
أغلب المهاجرين يعتبرون – مع الأسف- مجرد خروجهم من البلد هو نصر مبين، وحصولهم على إقامة لاجئ في أوربا يعتبرونها ميزة ووسام, لا يكتمون مشاعر الفرحة بهذا النصر وميزة اللاجئ حتى عن صفحات التواصل الاجتماعية !، بل ويتبادلون من خلالها رسائل التهنئة والتبريك, فينبري أحدهم ليعلن الفرحة مع صور البَلَم والخرائط بوصول أحبابه إلى اليونان, وثانٍ بتحديد موعد المحكمة, وثالث بحصوله على الإقامة مع صورة الجواز الخاص باللجوء, ورابع بلمّ الشمل مع صور جماعية للعائلة… ثم يكتبون في اليوم الثاني رسائل وبوستات الكُـردايتي والحنين إلى الوطن وملاعب الطفولة والأهل، ويعدونهم بالعودة حين تسنح الظروف, دون أن يدرك الكثيرون منهم مردود إعلاناتهم هذه وتبعاتها…
عموماً فإن سلسلة المصاعب والمخاطر التي تُتوّج بالإعلان عن صورة الإقامة والجواز في صفحات التواصل يذكر المتابعين بظاهرة انشقاقات الضباط عن الجيش السوري في بداية الثورة عبر قنوات التلفزة, حيث كان على المنشق ذكر اسمه وطريقة انشقاقه… وإبراز هويته العسكرية مرفقة بعبارة ” وهذه هويتي ” بمثابة قطع لأي شك أو التباس حول انضمامه إلى الثورة, أما رسائل وبوستات الشوق والحنين إلى الوطن فتذكرنا بإذاعة صوت العرب التي كانت تُبثّ من القاهرة في الستينيات, والتي كانت تخصّص الفواصل الزمنية بين برامجها للنازحين الفلسطينيين لإرسال رسائلهم وتحياتهم، في جمل مقتضبة مسجلة لذويهم الذين ظلوا في الداخل: (…أنا أبو عبد الله من يافا أهدي سلامي إلى أمي وجميع إخوتي وأخواتي… وإننا لعائدون, أنا أم حسان من الكرمل أقبل يديك يا أمي وأهدي سلامي إلى الجميع…. وإننا لعائدون … )، أما الحلقات التالية من مسلسل الهجرة فلا نتمناها أن تكون الضياع والانصهار … واللاعودة .
المهاجرون في النهاية هم أبناؤنا وبناتنا, لا نزاود عليهم بقدر ما نتمنى لطالبي العلم منهم النجاح والمراتب العليا, وللمرضى منهم الصحة والعافية, وللجميع التوفيق والنجاح في تجربتهم وحياتهم الجديدة, وكلنا أمل بأنهم سيستمرون في التواصل مع الداخل, حيث ترك فيه بعض الأبناء أبوين عجوزين يجترعون كأس الحسرة في انتظار – ولو – مكالمة هاتفية من حين إلى حين, وترك فيه بعض الآباء أطفالاً مع أمهم بانتظار لم الشمل الذي طال أو استحال, لكن الجميع – طبعاً – تركوا خلفهم وطناً جريحاُ وواجبات تجاهه لم يؤدوها…. وأكواماً من الذكريات.
* جريدة الوحـدة – العدد / 268 / – تشرين ثاني 2015 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)