جديد الموقع

بن لادن الجهادي و أردوغان السياسي … افتتاحية الوحـدة*

وصل إلى الحكم بعد سنة واحدة فقط من تأسيس حزبه العدالة والتنمية, المنشق عن حزب الفضيلة الإسلامي, ومعلمه نجم الدين أربكان, كإسلامي معتدل, بعد تجربة في بلدية استنبول, منحته لقب اليد النظيفة, لامس في خطاباته جوهر المشاكل التي تعاني منها تركيا في ذلك الوقت, من عزلة إقليمية ودولية, وتدهور اقتصادي, ومشاكل إثنية وطائفية مزمنة في الداخل, واستئثار العسكر بالفوق السياسي, متكئاً على صديقيه المعلم فتح الله كولن صاحب مؤسسات مالية ونفوذ دولي, والخوجة أحمد داوود أوغلو, صاحب نظرية العمق الاستراتيجي ومقولة صفر مشاكل مع الجيران, في لحظة تاريخية كان تنظيم القاعدة قد تأسس وانتعش في أفغانستان, ومدّ أذرعه إلى دول العالم, ليشكل حينها تهديداً حقيقياً على الأمن والسلام فيها, مما حدا بالمجتمع الدولي إلى تشكيل تحالف مناهض لإرهاب القاعدة, وتطويق الفكر الجهادي, ووضع حدٍ لتعاطف غالبية المسلمين عبر العالم مع أفكار بن لادن, فكان البديل هو إظهار وجه آخر للإسلام والترويج له وهو الإسلام السياسي (المسمى بالمعتدل), حيث صادفت هذه اللحظة التاريخية مع بريق نجم رجب طيب أردوغان, فتبوء الرجل لهذه المهمة بتشجيع من مراكز القرار الدولية, إلا أنه كأي مواطن شرقي تشرّب من ثقافة الراعي والرعية, تغريه السلطة والجاه, ويتوه على الحدود الفاصلة بين المهمة المكلفة بها من الشعب والملك, وفي قفزٍ فوق الفواصل الزمنية, وفوق إرادة الطوائف والأعراق والأفكار التي يكتظ بها المجتمع التركي, وتجاوزٍ لروح العصر المتمثل في التغيير والتعددية, لم يستطع الرجل كتمان أطماعه بخاتم الملك في عباءة عثمانية وعمامة سنية.
بعد مرور أربعة عشر عاماً على تأسيس حزب العدالة والتنمية الذي مرّت ذكراه السنوية قبل أسابيع, ثلاثة عشر عاماً منها في السلطة, تعود تركيا إلى المربع الأول, وقد تنزلق إلى الأسوأ, حيث بدأت مشاكلها القديمة نفسها تتفاقم مرّة أخرى, وتسقط نظرية صفر مشاكل والعمق الاستراتيجي, على عتبات قصر السلطان الجديد وأطماعه في توسيع حدود السلطنة, متجاوزاً الحدود الرسمية لدول المنطقة, بالتدخل في شؤونها الداخلية وصناعة تبعيات وطوابير موالية لها, كما كان الحال قبل بضع سنوات في جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز التي تشترك معها في الثقافة واللغة والأصل, ثم افتضاح دورها المريب في الملف الأوكراني ونفس الحال اليوم في سوريا والعراق اللتين تشتركان معها بالحدود الجغرافية, وفي ليبيا وفي مصر, وقد تمتد حدود الأطماع أيضاً إلى دول الخليج والسعودية ناهيك عن قضية قبرص المزمنة, أما الخط البياني للاقتصاد ولقيمة الليرة التركية أمام العملات الأخرى, فهو في انحدارٍ مستمر, حيث يعادل الدولار الواحد ما يقارب الثلاث ليرات, بعد إلغاء ستة أصفار في عهد العدالة والتنمية, وملفات الفساد تتعدد وتتراكم وسط تراجع ملحوظ لاستقلالية القضاء, كما أن العلاقات مع القوى الكبرى في أسوأ حالاتها, ومشروع الانضمام إلى الاتحاد الأوربي بات أبعد من أي وقت مضى عن التحقيق, وعلاقة تركيا مع حلفائها في الناتو ليست أحسن حالا, ولا سيما بعد سحب بعض الدول الأعضاء مؤخراً لبطاريات صواريخها “باتريوت” الإستراتيجية من الأراضي التركية, أما الحريات والحقوق والتعددية وتداول السلطة, فتنحسر رقعتها يوماً بعد آخر بقرارات وقوانين التفافية سنّتها أغلبية العدالة والتنمية في البرلمان والمؤسسات, بإيعاز من حاكم البلاد بابا طيب آردوغان.
ملف القضية الكردية أيضاً لا زال طي التجاهل والاستخفاف, فالكرد في تركيا ما زالوا أتراكاً حسب الدستور, واللغة الكردية لا زالت ممنوعة, ومشروع السلام مع الجانب الكردي لا زال قيد وقف التنفيذ, رغم التغيير الجوهري في الموقف الكردي وتحوله من صراع عسكري إلى صراع سياسي تحت قبة البرلمان, والذي لاقى ارتياحاً في الشارع الشعبي والأوساط اليسارية التركية كما على صعيد العالم, على العكس من الوسط الحاكم الذي قابل هذا التطور بمزيد من التصعيد والتهديدات ومحاولات رفع الحصانة عن نواب حزب الشعوب الديمقراطي, وتحريك الجيش والجندرمة والتضييق على الحالة السياسية واعتقال النشطاء, تزامناً مع عمليات عسكرية ضد مواقع حزب العمال الكردستاني … باختصار يمكننا القول إن أجراس الحرب الداخلية بدأت تُقرع مرة أخرى, وشبح مرحلة الثمانينيات والتسعينيات يعود مجدداً إلى حياة الناس في جمهورية تركيا .
إذا كان أردوغان يعوّل على فطنته وعلى خبرته في خلط الأوراق للظفر بالورقة المطلوبة, وهي هنا تأليب الرأي العام ضد الكرد, وإعادة لصقة الإرهاب إلى الملف الكردي للفوز في الانتخابات المبكرة التي قررها منذ اليوم الأول لفوزه الخجول, حتى قبل التشاور مع الكتل الفائزة, فإنه لم يتعظ كغيره من المستبدين بأن المناورة السياسية لا يجب أن تكون مقرونة بالدم وبأن الاستقرار في تركيا لن يتحقق من خلال الحروب, وأنه يجهل أو يتجاهل انعطافات السياسات الدولية في المنطقة, والتقاء مصالح دول كبرى مع الكرد, كمكون منفتح على التمدن والعصرنة, وقوة معتدلة يمكن الاعتماد عليها في مواجهة الإرهاب, كما لا يقرأ جيداً – على ما يبدو – التطور الحاصل في الجانب الكردي بعد الانفتاح الدولي عليه, والتعاطف المتزايد مع عدالة قضية الكُـرد, والنبض الدافئ في أوساط الجيل المعاصر كعامل ذاتي قد يودي إلى انفجار مجتمعي في تركيا كما حصل في دول الجوار .
نعتقد أن الجهات الدولية التي روجت لتجربة الإسلام الجهادي وأوجدت أسامة بن لادن لتحقيق غاية ما في لحطة ما من التاريخ هي نفسها التي ساهمت في تجربة الإسلام السياسي مع الحكم وأوصلت رجب طيب آردوغان إلى السلطة كضرورة تكتيكية لمرحلة هي في نهايتها الآن، وعليه فإن تجربة العدالة والتنمية لن تعمرّ طويلاً, ولن تتحول إلى نموذجٍ يُحتذى به في المحيط الإقليمي والإسلامي كما ظن البعض لوهلة, طالما أنها مقرونة بإيديولوجيا الدين والطائفة, ولا تستطيع استيعاب الآخر, ولا تقبل التشارك أو التعددية, ولا تؤمن بتداول السلطة, وتعتبر الحكم مُلكاً, والحاكم سلطاناً, والشعب رعية.
* جريدة الوحـدة – العدد /265 / – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)