جديد الموقع

خطر إرهاب وتجـاوزات إدارة …. افتتاحية الوحـدة*

 

إن مسألة اختيار حلقة البداية في سلسلة الأولويات وترتيبها مهمة شائكة على ما يبدو في عالم الأحزاب والسياسة, وتوسيع الجبهات من خلال استفزاز جميع المنافسين والخصوم دفعة واحدة وبنفس التوقيت هو استنزاف غير مبرر وربما انتحار حتى وإن سماه البعض جرأة, وتحوير النقد البناء بغاية الإصلاح والتطوير إلى تشهير وتجريح ومزاودات لا يندرج إلا تحت بند تسجيل أهداف في ملاعب التبعيات والمصالح والنفوذ .

عندما نركز على مخاطر تنظيم الدولة الإسلامية, وندعو إلى إفشال مشروعها الجاهلي في المنطقة, فإننا نعتقد جازمين أن موضوع الإرهاب هو الآن بمثابة الحلقة المتشابكة مباشرة  مع حلقة النظام, و يشكلان معاً الخطر الأكبر على السوريين, وهي القضية الأساسية في البلاد, وهذا ما تتوافق عليه الدول الكبرى أيضاً, وكل ما عدا ذلك من مواضيع وحلقات تخص المكونات والأفكار, من الممكن تناولها عبر جلسات  حوار بروح من المسؤولية  ورعاية أممية في أسوأ الأحوال .

سياسة النأي بالنفس لم تحصن المناطق الكردية ضد زحف داعش وفظائعها, فكان لا بد من قوة دفاع عسكرية  تردعها, تمثلت على الأرض في وحدات حماية الشعب والمرأة, التي لا بد أن نشيد بدورها واستبسالها ونقدر تضحياتها, كما لا بد أن ندعو إلى حماية وتطوير الإدارة القائمة ووحدة الصف وتضافر جهود جميع المكونات, وهذا لا يعني أبداً القفز من فوق الحلقات الأخرى أو الهروب من الواقع أو التستر على العيوب أو مجاملة المسيئين, نحن كحزب سياسي لم نطرح بديلاً أفضل عن الإدارة القائمة ,ولا نعتقد أن الآخرين قد فعلوا ذلك, بل ثمة توافق كردي علني على حماية وتطوير ما هو قائم  بحسب اتفاقية دهوك, وبالتالي فإن أحزاب الحركة الكردية ليست بصدد إسقاط هذه الإدارة وإعلان إدارة بديلة, بل على الجميع وبموجب التوافق أن يتعامل مع الإدارة ويحترم قوانينها الناظمة, اعتباراً من قوانين السير، مروراً بالخدمات، وانتهاءً بالدفاع الذاتي، وكل ذلك تحت سقف النقد البناء ووجهاً لوجه بغاية الإصلاح والتطوير وليس بسلبية وندية من خلال الرصد والتنظير والنكش، ومن ثم التضخيم عبر الدعاية والإعلام وإطلاق توصيفات من قبيل أنها إدارة غير شرعية, تتبع جهة غير كردية, مفروضة بحكم الأمر الواقع, تتعامل مع النظام وايران…. وما شابه ذلك من نعوت تحاكي عاطفة تثير عواطف الناس ولا تمت للمسؤولية  بشيء, من شانها خلخلة الصف  الداخلي وإضعاف العامل الذاتي الذي يعول التحالف الدولي المناهض للإرهاب على متانته وفاعليته .

 تَنبهنا لأهمية العامل الذاتي، فبذلنا ولا زلنا الجهود والمساعي من أجل توحيد الصف الكردي, كما من أجل تأطير الجهد الوطني المعارض للنظام والساعي نحو سوريا جديدة لكل أبنائها دون أحقاد ودون دماء, فطرحنا رؤيتنا لحل سياسي سلمي في شقيه الكردي الخاص والوطني السوري العام من خلال مشروع الرؤية, واستطراداً في جزئيته الكردية، فإننا نعتقد أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو حزب شقيق بغض النظر عن تبعيته الإيديولوجيه ورمزه ورايته، مثله مثل بقية أحزاب الحركة الكردية الأخرى في سوريا,  كما ننظر إلى  TEV-DEM كإطار سياسي إداري يضم تشكيلات مختلفة سياسية وعسكرية ومهنية…,  وحزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني – العراق PDK، نقيّمهما كمنظومات كردستانية متفرعة تضم أحزاباً ومنظمات وقوات دفاع ولها علاقات إقليمية ودولية تلتقي وتختلف فيما بينها، وتتداخل المنظومتان مع الحركة الكردية في سوريا منذ عقود خلت، ومن الممكن أن تتنافسا في مسألة النفوذ وصناعة التبعيات، كما من الممكن أن تساهما معاً في تحقيق مطالب الكرد السوريين، مع  تأكيدنا على علاقات الأخوة والاحترام المتبادل مع بقية الأحزاب الكردستانية .

لا يجوز بأي شكل من الأشكال تحميل المدافعين على الأرض (بيشمركة، YPG) وزر أخطاء السياسيين ومواقفهم الحزبية وسلبيات المسيئين في الإدارة، سواء في  PDK أو TEV-DEM ، وإذا كان للبشمركة وزارة ومؤسسات في حكومة الاقليم، فإن الحكمة تقتضي تبني وحدات الحماية من قبل الكرد السوريين واحتضانها وتمكينها من تجاوز عتبة ميليشيات (كما يُروج ) أو مجرد جناح عسكري تابع لحزب وايديولوجيا محددة إلى وحدات دفاع وطنية تحمي كل المكونات من موقعها وتتحول لاحقاً إلى رافد لجيش دفاع وطني، سيما بعد أن نجحت هذه الوحدات في تحرير مناطق ذات تنوع ديني واثني من سيطرة داعش وفي تكذيب كل ما أشيع عنها من اتهامات بالتصفية العرقية .

في معمعان الهلع الشعبي الذي يرافق هجمات داعش المتكررة وفظائعها بحق أهلنا في شنكال وكوباني ترتفع بعض الأصوات قائلةً: لماذا نبالغ  نحن في حزب الوحـدة في مدح وحدات حماية الشعب والمرأة ونتغاضى عن رصد سلبياتهم ونسكت عن  ذمهم؟، في خلط متعمد بين مهام الأطر السياسية (TEV-DEM  , PYD ) ومهمات الإدارة القائمة ووحدات حماية الشعب والمرأة التي تنحصر مهمتها الأساسية في الحماية والدفاع, وكأننا عاجزون كحزب عن وضع النقاط على الحروف أو أننا منحازون للعمال الكردستاني والآبوجية ( كما يقال)، في الوقت الذي لم نتوانى يوماً عن الإشادة بدور البيشمركة الأبطال أيضاً في الذود عن حمى كردستان عبر تاريخهم الحافل, ولكن ككرد سوريين, من البديهي أن نتعاطف أكثر مع بناتنا وأبنائنا في وحدات حماية الشعب والمرأة, الذين تربطنا بالكثير منهم وشائج القربى والمعرفة, والذين سطروا ملاحم البطولة في أكثر من موقع دفاعاً عن مدننا وقرانا, من الإجحاف أصلاً ألا نشيد بدورهم, ومن غير المنطق أن ننصرف عن مساعدتهم ومساندتهم لنتصيد سلبيات الداخل الكردي والإدارة القائمة, وهل يعقل أن نقارن بين وحشية داعش وسلبيات إدارة ؟!

عدا عن مسؤولي منظمات الخارج, فإن جميع أعضاء الهيئة القيادية  للحزب بمن فيهم السكرتير ونائبه موجودون في داخل سوريا, ويعيشون مع الناس في هموم يومياتهم والمخاطر المحدقة بهم, وما يصفها البعض بقرارات خاطئة للإدارة وممارسات سلبية لبعض مسؤوليها, نحن نعيشها على الأرض ونلامسها عن قرب, وقد لا نختلف على وجودها وتوصيفها وضرورة نقدها  وتصويبها, ولكن ليس بطريقة الآخرين وبأسلوبهم الاستفزازي عبر الإعلام وفي مواقع غير محايدة, نحن نعبر عنها في أدبياتنا وفي ندواتنا ومناسباتنا التي نقيمها علناً في ساحات القرى والبلدات وفي لقاءاتنا مع أصحاب الشأن أنفسهم قبل أن ننتقل إلى الإعلام وإلى المنابر الإقليمية والدولية للاتهام والتخوين ولتقديم الشكوى والاستنجاد, وهو نفسه المعيار المعتمد لدينا حتى مع الأطراف التي تجنّت على حزبنا ولا تزال مستمرة  في استهدافه، لأن غايتنا المرجوة هي الإصلاح والتطوير وقناعتنا الراسخة هي أن لا مستقبل  أفضل بدون عمل جماعي ومؤسسات يشترك فيها الجميع . يذكر وأثناء كتابة هذه السطور ثمة رفاق من حزبنا موقوفون لدى آسايش  الإدارة الذاتية في الجزيرة .

بغض النظر عن كل الحسابات وعن كل القيل والقال من الداخل الكردي والسوري المرافق لتجربة المناطق الكردية,  حظيت التجربة على اهتمام الكثير من دول العالم ومنظماته المدنية, حيث تبقى  إدارة أمور الناس والدفاع عن حياتهم ركنين أساسيين  للاستقرار والاستمرارية, وتحقيق أي قدر من هذا الاستقرار في المناطق الكردية  يساهم في  توازن المركب الكردي ونجاته في البحر السوري المتلاطم, بالمقابل فإن أي نزاع أو صراع أو منازلة داخل هذا المركب هو بمثابة مغامرة تهدد التوازن و تزيد من احتمالات الغرق .

* جريدة الوحـدة – العدد /264 / – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)