NEWROZ

نوروز


6 /10 /2007

من محاكمات التكفير واغتيال الكتابة في مصر

منير مغنية

السفير الثقافي 5/10/2007

من بين آليات التكفير واغتيال الكتابة اللذين يجتاحان بعنف الديار العربيّة، تبدو دعاوى الحسبة، بعد إباحة الدم بحكم شرعيّ، لقول كفر، أو لفعل كفر، أو حتى لاعتقاد كفر، أخطر حيل القمع والاضطهاد والتفتيش. وكان آخر أشكالها الخفيّة في دولة الإمارات العربية منع حوالى العشرين كاتباً وشاعراً من النشر، والعلنية في مصر الادعاء على الشاعرين حلمي سلام وعبد المنعم رياض بسبب أبيات من قصائد لهما اعتبرت ماسّة بالذات الإلهيّة، فتصدى لهما الداعية الشيخ يوسف البدري مدعياً عليهما بالكفر، وطالت دعاواه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي رئيس تحرير مجلة »إبداع« التي نشرت القصائد، وفي الأخبار أن أثاث منزل الشاعر سيباع في المزاد العلني استيفاء لتعويض قضي به عليه للداعية المذكور.

وقضاء الحسبة في الأنظمة التي تطبّق الشريعة الإسلاميّة، يعني أن من حق المسلم، أمراً منه بالمعروف ونهياً عن المنكر، أن يطالب القضاء الجزائيّ، عن طريق دعوى شخصيّة يقيمها، أو بلاغ يقدمه إلى النيابة العامة، بتطبيق أحكام الشريعة الإسلاميّة على من يرى أنه ارتكب جرماً ما في حق من حقوق الله، بالكفر أو الردة، أو بالاهمال في تأدية الفرائض والعبادات أو بالمجاهرة بالمعصية.

وأمام استفحال أمر التكفير بحيث لم يعد أحباره يكتفون بإنزال الإعدام بالكافر بتكليف شرعيّ، بإطلاق النار عليه من على دراجة ناريّة، أو بضربة موسى تنزل بهمجيّة على العنق الثمانيني النحيل الذي لم يشفع لصاحبه أنه حاصل على جائزة نوبل، بل أصبحت جماعات التكفير تكفر الواحدة منها الأخرى، ثم تستبيح دمها. وأكثر من هذا وذاك ذهب بعض دهاقنة التكفير الى تكفير المجتمع برمته، بكل مكوّناته: أطفالاً وشباناً وشيباً، رجالاً ونساءً، بذريعة أنه قد رجع إلى الجاهليّة، ولا بد من إعادته الى الإسلام بالقوّة أي بوضع السيف والمدى والرصاص في الرقاب والصدور كل الرقاب والصدور. وفي فتوى لابن تيميّة أنه لوليّ الأمر أن يقتل ثلث الأمة في سبيل إصلاح الثلثين الباقيين!! أمام ذلك وأمام ما آل إليه قضاء الحسبة من عسف ما جرّه في الحياة الفكريّة والثقافية، ولم تجد بعض الدول الإسلاميّة بداً من إلغاء قضاء الحسبة للأفراد، وحصره في يد النيابات العامة وحدها؛ إلا أن مقولاته وأسسه النظريّة ظلّت تطبق في إطاريّ الفكر والعقيدة، بالظلاميّة القديمة ذاتها كما شرّعها إمامها وقاضيها الماوردي في العصر العباسيّ ومن بعده ابن القيم وابن تيميّة.

ولقد كان الربع الأول من القرن العشرين، بتأثير مباشر من ثورة عرابي عام 1919 منطلقاً في مصر، ومنها في العالمين العربيّ والإسلاميّ، ليقظة فكريّة إسلاميّة، تجلّت بطَرْق أبواب، في الموضوع وفي المنهج، كانت موصدة في صدأ التقديس، وغارقة في غبار التحجّر والتقوقع خارج إطار الزمن المتغيّر، لا يجرؤ أحد على مسّها بقراءة جديدة، أو تأويل جديد أو مقاربة حديثة وإلا وقع في الكفر. ثم تنامت هذه اليقظة النهضة مثيرة أمامها جواً شرساً عدوانياً من فقه التكفير وآليّاته ومحاكماته ومصادراته الكتب والأعمال الفنيّة. ثم تردى الأمر الى اغتيالات طالت بعض الكتّاب والمفكرين والفنانين. وأصبحت سيفاً مصلتاً على رأس الثقافة والإبداع والحداثة والتغيير.

محاكمة علي عبد الرازق

كان الشيخ الأزهريّ، والقاضي الشرعيّ، علي عبد الرازق أول «سارقي النار» قارعاً بعنف من بين تلك الأبواب الموصدة، باب «الخلافة ومشروعيّة الدولة الدينيّة الإسلاميّة»، وذلك في كتاب أصدره في عام 1925 بعنوان «الإسلام وأصول الحكم»، وكان مدار مقولته فيه: «إن نظام الخلافة والإمامة غريب عن الإسلام، ولا أساس له في المصادر والأصول المعتمدة للدين عند المسلمين من كتاب أو سنة أو إجماع».

وقد أثار الكتاب عاصفة تلتها معركة شرسة فكريّة دينيّة سياسيّة شارك فيها الأزهر وعلماؤه، والقصر الملكيّ، الذي كان يخطّط لتحقيق حلمه بتسنم الخلافة الإسلاميّة بعد أن كان أتاتورك ألغاها كما شارك فيها الأحزاب والمفكرون والأدباء، ونشر العقاد مقالاً في صحيفة «البلاغ» قال فيه: «نخشى أن تكون الروح الاستبداديّة قد سرت الى بعض جوانب الرأي العام فنسينا ما يجب لحريّة الفكر من الحرمة وما ينبغي للباحثين من الحقوق».

وتقدم فريق كبير من علماء الدين وطلاب الأزهر بعرائض الى مجلس الوزراء مطالبين بمصادرة الكتاب ومحاكمة صاحبه، وأجرت على الأثر هيئة كبار العلماء في الأزهر برئاسة شيخه وحضور أربعة وعشرين من أعضائها محاكمة للشيخ عبد الرازق بالتهم التالية:

1) جعله الشريعة الإسلاميّة شريعة روحيّة محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا.

2) قوله إن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي كان في سبيل الملك، لا في سبيل الدين، ولا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين.

3) قوله إن نظام الحكم في عهد النبي كان موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقض، وموجباً للحيرة.

4) قوله ان مهمة النبي كانت بلاغاً للشريعة مجرداً عن الحكم والتنفيذ.

5) إنكاره إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام، وعلى أنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا.

6) إنكاره أن القضاء وظيفة شرعيّة.

7) قوله إن حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعده كانت لا دينيّة.

وعندما دخل الشيخ عبد الرازق قاعة المحاكمة وألقى على أعضاء الهيئة السلام لم يجبه أحد منهم، وكان هذا بمثابة حكم مسبق باعتباره كافراً لا تردّ عليه تحيّة الإسلام بمثلها أو بأحسن منها. وسارت إجراءات المحاكمة، ثم أصدرت الهيئة حكمها وخلصت فيه إلى القول: «حكمنا نحن شيخ الجامع الأزهر بإجماع أربعة وعشرين عالماً معنا من هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ علي عبد الرازق أحد علماء الجامع الأزهر والقاضي الشرعيّ من زمرة العلماء». ثم أحيل الشيخ إلى مجلس تأديب قضاة المحاكم الشرعيّة لتنفيذ حكم هيئة كبار العلماء فيه، وعزله من منصبه كقاضٍ، إلا أن الوزير عبد العزيز فهمي باشا لم يوافق على ذلك، فأقاله القصر وأسند وزارته إلى الوزير علي ماهر باشا الذي أحال الشيخ على مجلس التأديب الذي سرعان ما أصدر قراراً بالإجماع بإثبات فصل الشيخ من وظيفته كقاضٍ.

محاكمة طه حسين

وكانت العاصفة التي أثارها كتاب «الاسلام وأصول الحكم»، ما تزال متّقدة عندما أصدر طه حسين، الأزهريّ المتمرّد على القيم الاستتيكية المتوارثة، كتابه الحدث «في الشعر الجاهلي» في عام 1925 مزعزعاً به باباً آخر من تلك الأبواب الموصدة. يتكلم فيه عن علاقة الشعر الجاهلي بحياة الأمة العربية فيقول: «إن الشعر المسمى بالجاهلي لا يمثل حياة الأمة قبل البعثة المحمدية.. ونحن نرى كما رأى النقاد الاقدمون أن هذا الشعر الذي بين أيدينا أكثره مختلق وضعه الوضاعون». وبناء على ذلك يرى طه حسين: «ان القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية وأصح تمثيلاً لها من الشعر المسمى بالجاهلي».

وما ان صدر الكتاب حتى قامت القيامة ولعلها لم تقعد حتى اليوم. وهُدِّد طه حسين بالقتل وقامت تظاهرات ضده وانتقل الغضب من الشارع إلى المحافل السياسيّة. ففي مجلس النواب المصريّ في جلسته الخامسة والخمسين لعام 1926 وقف النائب عبد الخالق عطية ليطالب برجم طه حسين.

وبتاريخ 3/5/1926 تقدم الشيخ خليل حسنين الطالب في القسم العالي بالأزهر من النيابة العامة ببلاغ اتهم فيه طه حسين بأنه ألف كتاباً طعن فيه بالقرآن ناسباً إليه الخرافة والكذب.

وبتاريخ 5/6/1926 أرسل شيخ الأزهر الى النائب العام خطاباً أبلغه فيه تقريراً رفعه إليه علماء الأزهر حول الكتاب، وأن الكاتب «كذّب القرآن صراحة، وطعن فيه على النبيّ (ص) وعلى نسبه الشريف، وأهاج بذلك ثاثرة المصريين والجامعة».

وبتاريخ 11/9/1926 تقدم عضو مجلس النواب المصريّ عبد الحميد البنان ببلاغ ثالث الى النيابة العامة.

وعلى الرغم من البلاغات الثلاثة المذكورة فإن النيابة لم تتحرك إلا بعد أربعة أشهر ولم يبدأ التحقيق مع طه حسين إلا بتاريخ 19/10/1926 لدى عودته من سفره إلى الخارج، وبعد أن كان الكتاب قد وُزّع وبيعت منه مئات النسخ وأصبح على كل شفة ولسان.

وفي مجريات التحقيق الذي أجراه النائب العام محمد نور، والذي استمر عدة أشهر، نجد هذا الأخير يخاطب طه حسين بقوله «حضرتكم»، ودائماً بصيغة الجمع وعندما ينسب إليه قولاً يُسبقه بقوله: «الأستاذ المؤلف يقول». وقد تم التحقيق في مركز النيابة العامة في القاهرة التي اكتظّت ردهاتها وممراتها يوم البدء فيه بطلاب الأزهر والمشايخ وحشود من الناس الغاضبين. دار الاتهام حول مسائل أربع. 1) إن المؤلف قد عمد الى تكذيب القرآن الكريم في إخباره عن ابراهيم واسماعيل ونفيه لبناء الكعبة. 2) إن المؤلف زعم أن القراءات السبع، المجمع عليها، والثابتة لدى المسلمين، زعم عدم إنزالها من عند الله، وقرّر أن هذه القراءات هي نتيجة الاختلاف في اللجهات إذ قرأتها العرب بحسب ما استطاعت. 3) إن المؤلف قد طعن في حقيقة نسب الرسول الكريم. 4) إن المؤلف ينكر أن للإسلام أوليّة في بلاد العرب كما ينكر أنه دين ابراهيم.

بتاريخ 30/3/1927 أصدر النائب العام، في ضوء التحقيق وأقوال طه حسين فيه، وبعد مناقشة مستفيضة غنيّة فكريّة وفقهية وقانونيّة وتاريخيّة لكل مزاعم وأسانيد مقدمي البلاغات، أصدر قراراً قضى بردّ الدعاوى وحفظ الأوراق منتهياً إلى القول حرفياً: «وحيث أنه مما تقدم يتّضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواقع من كتابه إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي ومع اعتقاده أنه بحثه يقتضيها. وحيث أنه بناء على ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر فلذلك تحفظ الأوراق ادارياً».

ورغم وقوف النيابة العامة في قرارها إلى جانبه، إلا أن طه حسين بكبريائه المعروفة قدم استقالته من الجامعة احتجاجاً على بعض الألفاظ التي وردت في قرار النيابة، والتي اعتبرها ماسة بكرامته العلميّة. كما أن الكتاب لم يصادر فعلاً وإنما اكتفت الجامعة بأن اشترت من السوق النسخ التي كانت معروضة.

محاكمة لويس عوض

يعتبر لويس عوض رائداً من رواد النهضة الثقافية والفكريّة في النصف الثاني من القرن العشرين، وله العديد من المؤلفات والدراسات والترجمات وأهمها، أو لنقلْ، أكثرها صخباً كتابه: «مقدمة في فقه اللغة العربية» الذي صدر عن الهيئة العامة للكتاب في مصر عام 1980 عندما كانت بإدارة الشاعر صلاح عبد الصبور. وقد أحدث هذا الكتاب هو الآخر جلجلة وهزة كبيرة في عالم الدراسات اللغوية التاريخيّة وهو يعد فريداً في تعمقه في موضوع الأصول اللغويّة والتاريخيّة والانتربولوجيّة للشعوب العربيّة وما جاورها. والذي أثار الدنيا على لويس عوض هو أنه: «لا يعتبر اللغة العربية رمزاً مقدساً بل كائناً حياً متطوراً نافياً عنها فكرة القدم معتبراً ان القول بقدمها يرتبط بنظريّة اللوجوس المسيحيّة التي تقول بقدم الكلمة». وقد وجد الأزهر أن الكتاب بمحاولته إقامة رابط ما بين مجموعة اللغات الأندوأوروبيّة وبين اللغة العربيّة إنما يمس بالقرآن الكريم. واعتبر الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلاميّة في الأزهر أن ما ذهب إليه لويس عوض هو مفتريات ضد إعجاز القرآن ولغته ومجرد أباطيل «اختلقها هذا الصليبي المستغرب». وتأسيساً على ذلك تقدم بشكوى حسبة أمام محكمة جنوب القاهرة ضد الكاتب والكتاب طالب فيها بمحاكمة الأول بتهمة تهجمه ونيله من الإسلام، وبمصادرة الثاني حفاظاً على مشاعر المسلمين. إلا أن المحكمة لم تستجب الى كل ما طالب به المدعي وقرّرت بتاريخ 30/6/1983 بالحفظ على الكتاب ومصادرته فقط وقد صودر منه فعلاً /2400/نسخة من أصل /3290/ مما طبعته الهيئة المصريّة للكتاب. ويقال إن وراء المحاكمة كان تدخل الرئيس أنور السادات شخصياً بتحريض من مستشاره رشاد رشدي.

محاكمة نصر حامد أبو زيد

قضيّة نصر حامد أبو زيد فريدة في نوعها وتشكل خطّة حقيقيّة لإعدام مثقف مصري إن لم تستطع قتله فقد استطاعت أن تشرّدْ عائلته وأن تضعه في جوّ رهيب من التهديد المستمر بالقتل.

بتاريخ 17/5/93 تقدم المحامي محمد حميده عبد الصمد ومعه خمسة آخرون بدعوى حسبة أمام محكمة الجيزة الابتدائية للأحوال الشخصيّة للولاية على النفس ضد نصر حامد أبو زيد والسيّدة زوجته ابتهال يونس بنوها على ما يلي:

«إن المدّعى عليه وُلد في أسرة مسلمة ويشغل وظيفة أستاذ مساعد الدراسات الإسلامية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، وهو متزوج من المدّعى عليها الثانية، وأنه قام بنشر عدة كتب وأبحاث ومقالات تضمنت طبقاً لما رآه علماء عدول كفراً يخرجه عن الإسلام، الأمر الذي يعتبر معه مرتداً ويحتم أن تطبق في شأنه أحكامه. ومن ذلك:

1) إن نصر حامد أبو زيد نشر كتاباً بعنوان «الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطيّة» احتوى على أمرين: الأول: العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة والدعوة التي رفضها وتجاهل ما أتت به، والثاني: الجهالات المتراكبة بموضوع الكتاب الفقهيّ والأصوليّ. 2) إن نصر حامد أبو زيد طبع كتاباً عنوانه: «مفهوم النّص ودراسة في علوم القرآن» ويقوم بتدريسه وإن هذا الكتاب قد انطوى على كثير مما رآه العلماء كفراً يخرج صاحبه عن الإسلام. 3) أن المدعى عليه قد ارتد عن الإسلام ومن آثار الردة المجمع عليها فقهاء وقضاء الفرقة بين الزوجين ومن أحكامها أنه ليس لمرتد أن يتزوج أصلاً لا بمسلم ولا بغير مسلم، إذ ان الردة في معنى الموت ومنزلته وأن المدعى عليه وقد ارتد عن الاسلام فإن زواجه المدعى عليها الثانية يكون قد فسخ ويتعين التفريق بينهما في أسرع وقت... 4) إن هذه الدعوى من دعاوى الحسبة، بحسبان أنها طلب تفريق بين زوجين والأمر بكفهما عن معاشرة لا تحل لهما فهي دعوى تدافع عن حقوق الله تعالى».

سارت المحاكمة في الدعوى وقدمت فيها، دفاعاً عن نصر حامد أبو زيد وزوجته من فريق كبير من المحامين على رأسهم خليل عبد الكريم، مذكرات ناقشوا فيها الدّعوى ومستنداتها وأسبابها وفندوها، ناقضين دعاوى التكفير والردة. وبتاريخ 27/1/1994 أصدرت المحكمة قرارها في الدعوى قضت فيه بعدم قبولها لعدم توفر الصفة دون أن تناقش أية نقطة في الأساس معتبرة أن الدعوى وإن تكن رفعت بحسبانها دعوى تستند إلى أحكام الشريعة الإسلاميّة إلا أن رافعيها لم يدعوا أن لهم في رفعها مصلحة مباشرة وقائمة يقرّها القانون ويشترط توفرها.

وقد استأنف المدعون الحكم البدائي المذكور أمام محكمة استئناف القاهرة التي نظرتها في درجتها الثانية وأصدرت فيها قراراً قضى: بإلغاء الحكم البدائي والحكم بالتفريق ما بين المستأنف ضده (نصر حامد أبو زيد) والمستأنف ضدها (ابتهال يونس).

اغتيال محمود محمد طه بمحاكمته

لعل محاكمة وإعدام المهندس محمود محمد طه المفكر الإسلاميّ السودانيّ ومؤسس حزب «الاخوان الجمهوريون» مع أربعة من كبار رفاقه، بإعلان كفره وردته بسبب آرائه وكتاباته الدينيّة والسياسيّة أول حالة يحاكم ويعدم فيها مفكر بسبب أفكاره بدعوى حسبة تحت مظلة التكفير.

في عام 1983 وأثناء حكم جعفر النميري وعلى أثر إصدار الحكومة بضعة قوانين تبنت فيها تطبيق الشريعة الإسلاميّة وحددت مواقف غير إنسانيّة من قضيّة الجنوب، أصدر حزب «الاخوان الجمهوريون» بياناً انتقد فيه تلك القوانين معتبراً أنها مشوّهة للإسلام ومخالفة للشريعة ومذلة للشعب ومهددة لوحدته وطالب بإلغائها وبحقن الدماء في الجنوب باتباع الحل السلميّ «وبإتاحة كل فرص التوعية والتربية للشعب حتى ينبعث منه الإسلام في مستوى السنة، أي أصول القرآن، لأن الوقت هو وقت السنة لا وقت الشريعة مؤكدين أن التفكير الديني المعاصر هوس وتخلف لا يورثان إلا الفتنة».

واعتبر بعض المتزمتين المتشددين وعلى رأسهم حسن الترابي مستشار الحكم الدينيّ والقانونيّ آنذاك ومن ورائه الحكم القائم أن في البيان المذكور وبصورة خاصة في آراء ومقولات محمود محمد طه التي نشرها في كتبه، ردة وكفراً ودعوة لإبطال أحكام الشرع. ومن ثم أقيمت عليه وعلى بعض رفاقه دعوى حسبة بتهمة الكفر والردة، وقد أدانتهم المحكمة البدائيّة وحكمت عليهم بالإعدام شنقاً حتى الموت، على أن يكون لهم الحق في التوبة والرجوع عن دعاويهم قبل تنفيذ الحكم ثم استؤنف القرار البدائيّ أمام محكمة الاستئناف الجزائية التي قررت: 1) تأييد الإدانة والعقوبة بالإعدام شنقاً حتى الموت حدا وتعزيراً على المحكوم عليه محمود محمد طه، على ألا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. تكون أمواله فيئا للمسلمين بعد قضاء ما عليه من حقوق. 2) تأييد الإدانة والعقوبة على المحكوم عليهم الأربعة الآخرين بالاعدام شنقاً حتى الموت، على أن يمهلوا مدة شهر كامل بفرض التوبة والرجوع إلى سيرة الإسلام اقتداء بما قضى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وينتدب لهم طائفة من علماء المسلمين لمراجعتهم. 3) اعتبار جماعة الجمهوريين فئة كافرة ومرتدة وتعامل معاملة طوائف الكفر في كافة المعاملات. 4) مصادرة كل كتب ومطبوعات محمود محمد طه وكتب الجمهوريين من جميع المكتبات بغرض إبادتها مع منع تناولها وطبعها في كافة المكتبات والمطابع. 5) حظر نشاط وتجمعات الجمهوريين في كافة أنحاء البلاد». وقد اعتبرت المحكمة أن محمود محمد طه ورفاقه قد كفروا وخرجوا عن ملة الإسلام بسبب القول إن الشريعة التي طبقها الرسول في زمانه لم تعد تمتلك اليوم ذات الحلول للمشاكل المطروحة وبسبب آراء أخرى لهم في أصول الدين وفروعه لا تأتلف مع الموروث.

وبعد الحكم استناب رئيس المحكمة المحكومين فأعلن رفاق محمود محمد طه الأربعة توبتهم ورجوعهم عن أفكارهم وآرائهم وما تعلموه منه واصفينه، كما طلب إليهم ذلك في نص مكتوب معدٍ سلفاً: بالكافر المرتد الذي ضللهم بفكره وأخرجهم عن ملة الإسلام. أما محمود محمد طه فلم يعلن توبته معتبراً أن آراءه وأفكاره الدينية والسياسيّة لا تستدعي ذلك فنفذ به الحكم شنقاً.

وتصف الإعلاميّة المصرية عطيات الابنودي إعدامه على النحو التالي: «الساحة مكتظة برجال الأمن والشرطة وجنود الجيش المدججين بالسلاح، جماهير محتشدة على مرمى البصر من أسوار سجن كوبر وكوبري بحري المطل على السجن وحتى جامعة الخرطوم. المسافة ما بين السجن والكوبري والجامعة، لمن يعرفون مدينة الخرطوم، لا تقل عن اثنين من الكيلومترات. الأمن والشرطة وجنود الجيش بالسلاح يحيطون بالجماهير. تفتح زنازين المتهمين الأربعة: عبد اللطيف عمر، تاج الدين عبد الرازق، خالد بابكر حمزة ومحمد سالم بعشر، ويساقون الى الساحة. أجلسوهم خلف منصة الاعدام. بعد قليل يدخل كبار رجال الدولة على رأسهم حسن الترابي مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية والقانونية في ذلك الوقت، وأعضاء محكمة الموضوع ومحكمة الاستئناف ووزراء الشؤون الدينية والجنائية وجمع غفير من الموظفين والعاملين بالسجن ورجال الجيش والأمن. الجميع يجلسون قبالة منصة الإعدام».

«بعد برهة يدخل الأستاذ محمود محمد طه (73 سنة) بملابس السجن مغطى الرأس بغطاء الاعدام الأسود، مربط بالجنازير، اليدان مربوطتان بالجنازير للخلف وتصل الجنازير للأقدام ملتفة حول الوسط ثم الساقين والأرجل. يسير الرجل بخطى وئيدة نظراً لوهن جسده حتى يصل الى منصة الإعدام. يبدأ في صعود السلالم المعدودة بصعوبة حتى يقف على نهايتها محاطاً بالجنود، يتقدم منفذ الاعدام ويدير الأستاذ ليواجه الجالسين في الساحة ويخلع عن رأسه الغطاء الأسود.

الأستاذ محمود محمد طه، بهدوء شديد وبابتسامة راضية، ألقى نظرة على كل المكان من اليمين الى اليسار، وبالتأكيد التقت عيونه بعيون قاتليه الحاضرين أمام المنصة. منفذ الاعدام يأخذه الى الخلف حيث حبل المشنقة، الأستاذ محمود في هدوء أشد ينفض قدمه فردة المركوب (حذاء سوداني) ويقف بقدمه العارية عليها وهكذا في القدم الأخرى ناظراً للحشود التي أمامه».

«منفذ الاعدام يضع الغطاء الأسود على رأس الاستاذ ويضع الحبل حول رقبته ويأمر بالتنفيذ».

«بعد مرور حوالى ثلاثة أرباع الساعة ترى الجماهير طائرة هليكوبتر تصعد من ساحة سجن كوبر حاملة الجثة الى مكان مجهول».

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]