NEWROZ

نوروز


9/11/2005

... ومتى تفكيك المستوطنات العربية بين الأكراد ؟!

دافع البعثيين في البلدين العربيين فقد كان العمل على محو الهوية القومية الكردية وتشتيت الأكراد وزرع المستوطنين العرب في وسطهم لإضفاء الطابع العربي على المنطقة.

نزار آغري

"النهار" - الاثنين 7 تشرين الثاني 2005

عمد رئيس الوزراء الإسرائيلي، آرييل شارون، إلى إزالة المستوطنات الإسرائيلية من قطاع غزة قبل سحب الجيش الإسرائيلي منه.

وقد اعتبرت المستوطنات على الدوام، ومن جانب مختلف الأطراف، عملاً تعسفياً، عنصرياً، ينشأ من  جلب جماعات غريبة وإقحامها قهراً وسط جماعة أخرى. وكما هو واضح فإن الأمر يتعلق بممارسة شاذة  تتم رغماً  عن السكان الأصليين الذين يعيشون على أرضهم منذ قرون. فضلاً عن ذلك، ونتيجة الظلم الكبير الذي يلحق بهؤلاء الناس، إذ تصادر أرضهم وتقمع تطلعاتهم ويفرض عليهم الغريب شروطه بقوة السلاح وحماية السلطة، فإن قدراً كبيراً من الكراهية والحقد يترسخ في النفوس ويتراكم عبر السنين ينتظر أن ينفجر في كل لحظة. غالبية المجتمعات في العالم نددت بالإستيطان  واعتبرت المستوطنات مظهراً من مظاهر العنصرية الفجة التي تشوه وجه العالم المتحضر.

كذلك دأبت البلدان العربية على التنديد بالمستوطنات وإقامتها على حساب أرض الفلسطينيين وحريتهم ومشاعرهم. وأخذت الآلة الإعلامية للحكومات العربية، ولا سيما تلك التي ترفع  شعار العروبة، تستفظع الممارسات الإسرائيلية وتؤكد في الوقت نفسه، على إنسانية الحكومات العربية وانفتاحها وبعدها عن العنصرية.

نظرة  سريعة الى أدبيات حزب البعث، في العراق وسوريا، تكفي ليحصل القارئ على كم هائل من هذه الأقوال.

على أرض الواقع هناك شيء آخر. فالإجراء الإسرائيلي، الذي صُوّر همجياً ومقيتاً وعنصرياً، اعتبر نموذجاً يحتذى. ولم يتم التردد في تطبيقه إزاء جماعات أخرى، غير عربية، وبالضبط على يد الحكومتين العراقية والسورية.

أقامت حكومة البعث العراقية مستوطنات عربية في قلب المناطق الكردية. تم جلب عشائر عربية من الجنوب. دُفعت لهم مبالغ مغرية. أُقتطعت لهم الأراضي الكردية. وُفرت لهم تسهيلات النقل والإقامة. أقيمت لهم الدور وشكلت من أجلهم مفارز من الجنود لتحميهم وتصون راحة بالهم. في كركوك وخانقين ومندلي وسنجار وزمار نهضت عشرات المستوطنات بعد أن طُرد السكان الأكراد منها.  (نترك هنا جانباً الممارسات الأكثر فظاعة: الأنفال،  تهديم القرى، المجازر، القبور الجماعية، الأسلحة الكيميائية، طرد الأكراد الفيليين من بغداد ورميهم على الحدوجد الإيرانية).

في سوريا لجأت الحكومة البعثية إلى الأمر نفسه. على طول الحدود مع تركيا والعراق أقيمت مستوطنات عربية أطلق عليها إسم "الحزام العربي". صودرت الأراضي من الأكراد وبنيت قرى "نموذجية" زودت بالماء والكهرباء والمدارس والمستشفيات والحراسة المسلحة وأطلقت عليها أسماء عربية: الثورة، العروبة، القحطانية، أم الربيع...إلخ وسط القرى الكردية الفقيرة والمهمشة.

كان الدافع الإسرائيلي من بناء المستوطنات سلب الأرض الفلسطينية والإتيان باليهود من أماكن أخرى لتحقيق توازن، أو تفوق، ديموغرافي وإرواء نزعة المتطرفين اليهود القائلين بحق اليهود في السكن في أرض الميعاد أنّى كان.

أما دافع البعثيين في البلدين العربيين فقد كان العمل على محو الهوية القومية الكردية وتشتيت الأكراد وزرع المستوطنين العرب في وسطهم لإضفاء الطابع العربي على المنطقة. ترافق ذلك مع  نزع الجنسية السورية عن الأكراد وتجريدهم من حقوقهم المدنية وتشريدهم وممارسة التعسف بحقهم ودفعهم إلى مغادرة المنطقة.

كان الأمر، ولم يزل، يتعلق بتمييز عنصري بالغ البشاعة وبالغ الوضوح أيضاً. وكان كل هذا يتم في وقت يندد فيه الجميع بالتمييز العنصري الإسرائيلي إزاء الفلسطينيين.

البلدان العربية وقواها السياسية أيضاً شجبت المستوطنات الإسرائيلية واعتبرتها انتهاكاً لحقوق الإنسان وتعدياً على حرية الفلسطينيين وعدواناً على أراضيهم وإهانة لشعورهم القومي وسلوكاً غير حضاري. غير أن المنددين بالمستوطنات الإسرائيلية لم ينبسوا  ببنت شفة عن المستوطنات العربية والممارسات الفظيعة التي قام بها البعثيون حيال الأكراد.

بالعكس من ذلك صُوّر الأمر في هيئة سلوك حكيم  يتوخى الدفاع عن الذات بعد تصوير الأكراد في هيئة عناصر هدامة من شأنها أن تسبب الهلاك للوطن (الصورة ذاتها رسمتها الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين).

كان العراق يطبق الأفكار الشوفينية العروبية لميشال عفلق وعبدالله العلايلي (الذي دعا إلى طرد غير العرب من "الوطن العربي") وساطع الحصري. أما سوريا فقد شاءت أن تنفذ حرفياً خطة محمد طلب هلال، الضابط البعثي الذي ألف كتاباً عن كيفية التعامل مع الأكراد. جاء كتابه  على شكل نصائح لا تخفي عنصريتها قط: تعريب المناطق الكردية. تبديل أسماء القرى بأسماء عربية. ضرب الأكراد بعضهم ببعض. ترحيل الأكراد إلى المدن الداخلية، دمشق، حلب، لإذابتهم. استقدام عمال عرب بدلاً من العمال الأكراد للعمل في المنشآت النفطية. وأخيراً بناء مستوطنات عربية. الغريب أن الكاتب لا يتردد في،  ولا يخجل من، القول ببناء المستوطنات "على غرار ما تقوم به إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة".

حين طبقت هذه المشاريع لم يعترض أحد من السوريين على الأمر. لم تعترض الأحزاب والجماعات السياسية أيضاً. الشوعيون رحبوا بـ "الأشقاء من الفلاحين العرب". المحللون السياسيون شرحوا المسألة بواقع أن مياه الفرات غمرت أرض السكان من العشائر العربية في الرقة فاضطرت الحكومة لإستقدامهم إلى المناطق الكردية. لم يشرح أحد لماذا لم يتم أخذهم إلى أماكن أخرى: السويداء أو دير الزور أو درعا أو حمص أو حماة. ولم يشرحوا لماذا سمي المشروع الحزام العربي.

أزال شارون المستوطنات اليهودية من غزة. هل لأنه أدرك خطأها وبشاعة عنصريتها وثقلها على الوجدان الأخلاقي الإسرائيلي والعالمي؟ أياً كان الدافع فإنها خطوة  صحيحة.

متى سيلجأ البعثيون إلى إزالة مستوطناتهم والتخلص من عنصريتهم ومنح الأكراد ما سُلب منهم، من أرض وأملاك و... وحرية؟

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]