|
28/6/2005 المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث ولعبة التحايل على الزمن إن نوايا الصناجة الثورية التي تثير الضوضاء حول " استئصال الفساد " لن تضلل لا المجتمع الوطني ولا العالمي د. عبد الرزاق عيد موقع الرأي – 26 تموز 2005 منذ الاضطرار الشديد الجدية للانصياع للقرار 1559 الموصوف بأنه ( قرار تافه ) من قبل وزير الخارجية السوري الشرع : (غروميكو البعث السوري ) وهذه المعادلة تتبلور : رسم اشارة الاستخفاف على الشفاه ، ظاهرا ، والمتزامنة مع دقات القلب رعبا وذعرا باطنا ، هي المعادلة التي تحكم سياسات أهل الحكم والحل والعقد في سوريا . فانطلاقا من حكمة تحويل الضرورة الى ارادة حرة التي تأسست منذ هزيمة حزيران ، بدأ العقل البياني البلاغي الشعاري البعثي يخضع اللغة الى مشيئة بداهاته المجازية ، ومن المعلوم أن البعثيين المؤسسن للحزب بمعظمهم أدباء وشعراء . فأسسوا لنا فلسفة الهزيمة القائلة : بأن الهزيمة التي حاقت بثلاثة جيوش عربية ، واحتلال أجزاء كبرى من أراضي ثلاث دول وتدمير جيوشها ، ليست هذه الهزيمة سوى نكسة ، على أساس أن للحصان العربي ( القومي ) كبوة ، وانطلاقا من هذه الكبوة أدخلونا في عالم فانتازي ، هو أشبه بعالم اورويل في روايته ( 1984 ) حيث الكل يكذب بطريقة صادقة ، إذ على الجميع أن يكذبوا بمنتهى الصدق ، فلا يجوز لعقلك أن يشكك مجرد شك بـ أن 2 + 2 لا تساوي 5 ، وإلا فإنك لن تدخل في " حضرة الأخ الكبير " وكان يومها جمال عبد الناصر ، ليس الأخ الأكبرالقومي المصري فحسب ، بل والأخ الكبير لحزب البعث ( القومي ) الأخ الصغير الشديد الحماس للكذب بمنتهى الصدق والاخلاص ، ومما كان من أمر توريط الأخ الكبير في الحرب التي علينا من حينها أن نقول بمنتهى الاخلاص : الحمد لله أننا خسرنا مجرد أوطان لكننا لم نخسر الأنظمة التقدمية ( الناصرية والبعثية : وبختم شيوعي مسفيت ) . هذه الآلية عبر عنها المؤتمر العاشر ايديولوجيا من خلال تمسكه بمثلثه الشهير ( وحدة _ حرية _ اشتراكية ) . فعلينا ان نصدق أن حزب البعث وحدوي حتى ولو كان البلدان العربيان اللذان يحكمها كانا الأكثر شقاقا وعداءا خلال كل فترة حكمهما ، وماداما غير قادرين على فرض أحدهما الاخضاع والسيطرة على الآخر ، فلقد شاء الراعي الاقليمي الأمريكي للمنطقة أن يوجه المشروعات الوحدوية للحزبين باتجاه الأشقاء الصغار ( العراق والوصاية على الكويت ) ، و(سوريا والوصاية على لبنان) ، باسم الوحدة القومية ، بل إن الوضع المأساوي يبلغ حدا أنه يفغر فاه مندهشا من واقع تفتيت الوحدة الوطنية المحلية الداخلية الى درجة أنه ليس هناك مجتمعات عربية ارتدت الى انتماءاتها الطائفية الأولى ما قبل الوطنية كما حدث في ظل حزب البعث في سوريا والعراق ! أما على مستوى الحريات فقد انتج الحزبان نظامين هم الأشد كابوسية في العالم العربي ، أما الاشتراكية فقد أنتجت أشد أنواع المساواة في العبودية لصالح طغم مافيوزية مميزة ( قوميا وعربيا ووطنيا ) ، ولم يبق من هذه الاشتراكية منذ ثلاثة عقود – سوى القانون الذي يحكم 12 سنة ، خاصة للشيوعيين بتهمة مناهضة أهداف الثورة الاشتراكية ! بل وإن فضاءات الفانتازيا الكابوسية تستدعي وفق منطقها الداخلي ظلالا من الكوميديا السوداء ، فلا بأس من بعض القهقهة في الظلام لمزيد من التوغل في الغرائبية والدهشة ، وهي أن ثمة حريات أطلقت ، وهي حرية أن يتزاوج الناس من دون تدخل الأمن في حفلات أعراسهم التي تقوم طقوسها الاحتفالية على الهتاف بأسماء قادة فروع الأمن حسب أسمائهم في كل محافظة على حدة ، وهي المناسبات الوحيدة - لحكمة لا يعرفها سوى الأخ الكبير- التي يمكن للناس أن تتلفظ بأسماء غير أسماء ذاته العليا ، فيطلق الرصاص والشوباشات والهتافات تلعلع بأسماء حماة الأمن الذين لولاهم لماتمكن الناس من التزاوج والتكاثر وحفظ النسل ، هذا على مستوى العالم السفلي للغلابة والعوام ، أما في أعراس علية القوم من اللصوص والمهربين واللصقراط ، حيث طقوس وقيم وأخلاق ثقافة (الكباريه ) ، فإن حماة الأمن لايخرجون بدون مكافأة تجديد شبابهم وذلك بحصولهم على (عروس ما) لقاء جهودهم الجلى في حماية نسل جيل الثورة . كنا نعتقد أننا عندما نتحدث عن تدخل الأمن حتى في أعراس الناس وقص شعورهم عند الحلاقين ، انما نسخر ونسرف في هجائنا للنظام الشمولي الى حد تجاوز الخطوط الحمر والمجازفة ، ليتبين لنا أن ما كنا نعتبره مسخرة ، انما هو واقع شديد الجدية والرصانة القانونية ، انطلاقا من هذه القاعدة ، قاعدة الكذب بمنتهى الصدق ، كان تجاهل المؤتمر للخارج ، وإعلانه أنه ينعقد استجابة لدواعي الداخل . طبعا إن موضوعة الاستجابة لدواعي الداخل هي من أشد الموضوعات ثقلا وكرها على الفؤاد البعثي ( الثوري ) ، فلأن ( الثورية ) البعثية ثورية عسكرية ريفية انقلابية ، فقد راكم لاشعورها الثقافي بعدا ( جنراليا ) في العلاقة مع المجتمع ، مؤداه تصور لهذه العلاقة يتأطر في صيغة ( الحاكم الجنرال والمجتمع الجنود ) ، فالجنرال هو الذي يأمر ولايؤمر ، وأن فكرة الحكام ( أجراء ) عند الأمة كما يخطر للمعري أن يقول ، فليس هو سوى تهريف الشعر والشعراء تراثا ، وبدعة غربية غريبة على خصوصيتنا القومية حداثة ، ولذا فالشعب -وفق أصالتنا القومية- ليس سوى رعية يرعاها الحاكم ويرشدها ، حيث مصطلحات : (عطاءات وهبات القائد) ، وعلى هذا فإن المؤتمر قد قرّ قراره على الاقتصاد والادارة وتلبية حاجات الناس المعاشية ، تلك اللازمة التي كلما ترددت كلما أوصاع الناس تردت بطالة وارتفاع اسعار ، وذلك لأن أهل النظام البعثي لا يطيقون أن يسمعوا كلمة اصلاح ، فهم يكرنهوها إلى حد الغاء استخدامهابوصفها مفردة أعجمية ، فاستبدلت بالتطوير والتحديث ، على اعتبار أن التطوير والتحديث محض تقانة لا يستدعي خطر الشروط السياسية ، أي لايستدعي ملفوظ (الإصلاح ) ودواعي ترداد البداهة التنموية القائلة أن ليس ثمة اصلاح اقتصادي بدون اصلاح سياسي ، وردا على هذه الأطروحات ، فقد كان شعار المؤتمر "محاربة الفساد " شعارا محضا بدون ملحقات مزعجة ، بل إن الناطقة باسم المؤتمر تحدثت بلهجة ثورية حاسمة قاطعة داعية إلى " استئصال الفساد " ، ولأننا معنيون بالقراءة الدلالية ، ومدى حضور اللاوعي الثقافي في البناء الأسلوبي واللغوي ، فنستطيع أن نتأول على الترجيح أن هذه الصياغة للوزيرة البعثية أستاذة الأدب الانكليزي ، انما هي صياغة مناظرة ومضادة بل ومكافحة اسلوبيا ضد الشعار المطروح لدى الجيران العراقيين " استئصال البعث " . هذا التناظر الشعاري قد يقود بعض المغالين في علم التأويل الى القول : هل التجربة التاريخية للبعث في البلدين الشقيقين أفضى لهذا الالتباس المقصود في استخدام مفردة ( الاستئصال ) ، فهناك ( استئصال البعث ) وهنا (استئصال الفساد) ، حيث التناظر الدلالي الذي يفضي الى أن : استئصال البعث = استئصال الفساد = تحرير البعثيين من بعثيتهم واندياحاتها البلاغية والشعارية التي قادت خطابهم بل لغتهم الى أن تكون جسما صوتيا بلا روح ولا فؤاد ولا قلب ، بل ولا ضمير قادر على خوض معركة الفساد التي هي معركة أخلاقية بمقدار ما هي معركة اقتصادية وسياسية واجتماعية ؟ كيف سيحارب البعثيون الفساد ؟ تقول الناطقة : " تشكيل هيئة مستقلة لمكافحته " ؟ هكذا يعتقد العقل الأمني الأوامري ( الجنرالي ) أن هذه المشكلة المعقدة والمتداخلة والمركبة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا ، يمكن أن تحلها " هيئة " ، ومن الذي يختار هذه الهيئة المستقلة ويكلفها ؟ لاشك أن من يختار ويكلف هو هيئة ( أمنية / عسكرية / حزبية ) ! وهذه الهيئة التي ستختار وتكلف ؟ من سيحاسبها ويكافحها ؟ وهكذا دون أن يجرؤوا على القول أن معركة الفساد هي معركة المجتمع ذاته ، معركة مجتمع يطلق سراحه ويشكل أحزابه ونقاباته وصحافته ونواديه وجمعياته وينتخب برلمانه ويستقل قضاؤه . هكذا فقط يمكن أن تخاض المعركة ضد الفساد وكل ماعداه كذب ( افتراء ) ، بل وتكسّب ذليل على قارعة طريق التاريخ في انتظار الذي يأتي ولا يأتي ( والأغلب لن يأتي ) ، لعل معجزة تحدث فتعيد العالم الى توازنات الحرب الباردة للتعيش على تناقضاتها وتوازناتها ، أو ربما لعل زلزالا استنسابيا يأتي مختارا كل عواصم الديموقراطية في العالم لإسكات صوت التاريخ هذا الى الأبد ، إرضاء لخاطر البعثيين ورسالتهم الخالدة في البقاء في السلطة الى الأبد ! الرئيس الراحل حاول أن يعطي بعدا شرعيا للتوريث ، من خلال مابدا أنها إناطة قيادة المعركة ضد الفساد لابنه ، وقد كان منتظرا من الابن أن يسعى وراء هذه الشرعية التي يمكن أن تحجب المظهر العاري للرئاسة بالوراثة ، وراهن المجتمع والحراك الديموقراطي على نوايا الشاب ، لكن يبدو أن الرئاسة الشابة أنست إلى فكرة الكهنوت البعثي الهرطوق بكل المبادئ والمعايير المدنية والحضارية ، الكهنوت الهرطوق إلا بمكاسبه وامتيازاته وبقائه صناجة إعلامية لإنتاج الضوضاء والأوهام لحساب قوى أمنية منتشرة كالوباء في الهواء تحصي على الناس أنفاسهم . لقد قطعوا على الشاب طريقه الى الشرعية المجتمعية من خلال شرعيتهم ( الثورية / الأمنية ) التي أجادت لغة التسويف والمماطلة وتشكيل ( الهيئات ) على طريق انتزاع قيادة العالم من الأمريكان على حد تعبير فلاسفتهم السيميولوجيين الذين يمخرقون لسادتهم خرافات حول : " إن معركة البعث مع أمريكا هي معركة على قيادة دفة العالم" ، هذا العالم الذي يحسد سوريا على قيادتها البعثية الاستراتيجية وهي تقود الصراع مع أمريكا، كما كان يقودها وقادها أشقاؤهم في العراق إلى الأمس القريب . وأخيرا: إن نوايا الصناجة الثورية التي تثير الضوضاء حول " استئصال الفساد " لن تضلل لا المجتمع الوطني ولا العالمي ، والأفضل هو اللجوء إلى العزف السيمفوني مع الأشقاء العراقيين ( استئصال البعث ) فكرا وسلوكا وممارسة شمولية ، لتحرير المجتمع والناس والبعثيين من كل هذا الركام اللغوي والبلاغي الشعاراتي وفي المآل : الدموي ، ليعودوا الى مجتمعهم شأنهم شأن كل الأحزاب السياسية في المجتمع ، وهي نصيحة قدمناها لهم منذ بدء امتحان شرعية رئاسة الشاب : وراثية أم مجتمعية ، وذلك منذ خمس سنوات في جريدة النهار تحت عنوان "حزب البعث حزب سلطة : هل يستطيع أن يتحول إلى حزب مجتمع ؟ " ، وأعدنا هذه النصيحة لهم بورقة طلبت منا تعليقا : حول ورقة لجنة الديموقراطيات المكلفة من القيادة القطرية التي كانت تعد للمؤتمر ، إذ قدمنا هذه الورقة دون حضور اجتماعاتها وحسنا فعلنا لأن النتائج أتت لتصادق على تحفظنا في عدم الحضور ، ولذا فقد اكتفينا بمداخلة على ورقتهم تدعوهم ذلك لأخذ قرار تاريخي بحل الحزب والإعلان عن تأسيس حزب " اشتراكي ديموقراطي " ، ينحو منحى "حزب العمال البريطاني " كما كان فيلسوفهم القومي الديموقراطي ياسين الحافظ يأمل عندما شكل حزب " العمال الثوري " ردا على خطف العسكر للبعث من يده . إن النتائج التي خلص لها المؤتمر اكدت تقديرنا لواقع العطالة البنيوية التي يعيشها الحزب ،عطالة تحيل دونه واتخاذ قٌرارات اقل بكثير مما كنا ندعوهم له ، وهي الغاء البند الثامن من الدستور الذي يعطي الحزب حق قيادة الحزب للدولة والشعب ، هذا البند الذي غطى دستوريا واقع "ملكية الحزب" للدولة والشعب وليس قيادتهما فحسب ، بل وما يؤكد هذه العطالة عجز المؤتمر عن اتخاذ قرار كان قد أعلنه منذ زمن وهو ابعاد الحزب عن التدخل بالإدارة المباشرة ، وذلك عندما أناط رئاسة ما يسمى مجلس وزارء وما يسمى مجلس شعب بعضوين في القيادة القطرية ، وعلى هذا لم يحمل لنا هذا المؤتمر إلا ماكنا نتوقعه من التحايل على الزمن للالتفاف على استحقاقات واتاوات تمس المصائر الكبرى لحياة بلادنا داخليا وخارجيا بانتظار تعثرات التاريخ والمراهنة على المستحيل ... حلب – mr_glory@hotmail.com |
|
الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية بيانات وتصريحات | مختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن |
|
Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Dûse - Em kîne |
|
Despêk 6-ê Gulana 2004-an copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz] |