|
23 /11 /2007 نَـقْـد العقل المُـسْلِمْ – الحلقة الأولى والثانية سـهيـل أحمـد بهجت مقدِّمة العالم المسلم أو العالم الإسلامي كما يُسمّيه آخرون هو بحاجة فعلية إلى إنقاذه مما هو فيه من دكتاتورية و ثقافة إرهاب و عنصرية "فاشيّة" و من فقر و جهل و أُمِّيّة ثقافيّة ، و للأسف فإن الطبقة المثقّفة في عالمنا الإسلامي ، و هذه الطبقة في طريقها للإنقراض ، مقصرة فعلا لأنها وضعت نفسها في سجن عقلي يتناقض مع نفسه عبر نظريات المؤامرة و التّبرير و العاطفة الجياشة الّتي لا تنتج إلا المزيد من الألم و المشاكل ، الإشكاليّة التي طرحها حامد نصر أبو زيد حول النّص المُقدّس في كتابه المُهم "نقد الخطاب الدّيني" و كيفية التعامُل مع الطابع التاريخي للنص المقدس و بعديه الماضوي التاريخي و التحليلي التركيبي المعاصر لاستخراج "مفاهيم" الجدّة و الحداثة ، يشكل هذا الأمر جزءا مهما في طريقة البحث ، بمعنى أنّ علينا طرح أفكار و تأويلات و حلول جديدة لظاهرة تناقض النصوص الدينية مع نفسها ثم مع واقعها و أخيرا مع التطور! فالديمقراطية و التعدد و حُريّة التعبير لم تعد مسألة "فقهية = إسلاميّة" بقدر ما أصبحت ضرورة عقلية و اجتماعية لا يتم حفظ إنسانيّة الإنسان إلا من خلالها. مثالا على ذلك كان المسلمون في القرون الوسطى يُفسِّرون الأحاديث الّتي تحُظُّ على طلب العلم و أن العلم فرض "حالُهُ حال الصلاة و الصوم"! كانوا يفسرون المعني بكلمة علم على أنه "التفقه في الدِّين أو الشريعة" ، لكن منذ الحملة الفرنسية التي قام بها نابليون في نهاية القرن 18 الميلادي و تأثُّر المسلمين بالحداثة الأوروبيّة ، راح رجال الدين المسلمون يُفسِّرون كلمة علم في منطوقها العام و الشامل بحيث تشمل كل العلوم الحديثة الّتي يحتاجُها طلاب الجامعات الحديثة ، و هكذا كان التحول في التفسير و فَكِّ رموز النَّص نتيجة لضغظ الواقع المُلّح الّذي جعل العقول التقليدية تضطر إلى تغيير أو تطوير معنى ديني بحيث لا يكون نقيض الواقع المتغيِّر و المُتحوِّل ، و لم يكن هذا التغيير نتاج تطور عقل فقهي من داخل ، بالرغم من أنّ الفقه نفسه عليه أن يتلائم مع الواقع لا أن يصطدم بحيثُ يكون نقيضه فلا يكون من الممكن بعدها إلاّ أن يلغي أحدهما الآخر ، ففي تركيا العلمانية قام "العقل" بإلغاء "النَّص" و في "أفغانستان طالبان" كان العكس فكان أن "فهم النّص" لا ـ النَّص ـ ألغى "نتاجات العقل" إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن يستطيع أيُّ نصّ مقدس إلغاء العقل و المنطق البشري ، إلاّ بمعنى أنه يجبر العقل على الإنكفاء على نفسه بسبب الإرهاب الّذي يستهدف حُرّيّة التفكير. يتركز بحثنا حول النقاط التالية: آ ـ أهمّيّة مراجعة أصول التّشيع ـ و هي تجربة إسلاميّة نشأت خارج السلطة الزّمنيّة و لم يتعامل التّشيّع مع الدّولة إلاّ في القرون الأخيرة كَرَدِّ فعل على انعزال شيعي دام 11 قرنا. ب ـ أنّ أصول التّشيّع ، حالها حال المسيحية الإصلاحيّة و اليهوديّة الحديثة ، لا تتناقض مع أساسيات المجتمع المدني و الحريات الفردية و الديمقراطية ، بالتالي يفقد النّظام الإيراني شرعيته الدّينية و الوطنيّة. ج ـ حول فهم مسبّبات الإرهاب في العالمين السُّنّي و الشِّيعي و سُبل مواجهتهما و احتواء هذا الإرهاب. د ـ الخروج بفلسفة تؤمن بالفرد كأساس لبناء الدّولة و أنّ هذه الحريات لا تتناقض مع أصل الدّين ـ أيّ دين ـ بما فيه الإسلام. و أرجو من القرّاء أن يعذروني إن كان هناك جانب موضوعي يحتاج مزيدا من التوضيح لأنني فعلا كنت أود أن أُحرج مئات الصفحات في بحثٍ تفصيلي و لكن صحتي المتدهورة حالت دون ذلك. أخيرا أود أن أشكر كل من ساهم في ترجمة و نشر و توزيع هذا الكتاب. التّشيُّــع و الديمقراطـــية خلال هذا البحث ، و الذي سأحاول فيه جهد الإمكان أن أكون منصفا فيه ، أن أطرح دراسة و بحثا كنت أود أن أكتبه بشكل أكثر تفصيلا لولا بعض العوائق الصحية و الظروف المادية الصعبة كقلة المصادر البحثية و المراجع و الموسوعات ، لكن مستقبل دراسة العلاقة بين "التشيع" كمذهب أساس في الإسلام ، و "الديمقراطية" كإنتاج حضاري إنساني و نظام للحكم ، يستحق منا البحث و التنقيب لإظهار فرص النجاح أو الفشل في تطبيق الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ، حيث يتركز الوجود الشيعي . إن دراسة تعامل أي دين أو مذهب مع السياسة و أنظمة الحكم يجب أن تتم عبر دراسة "النص المقدس" و تعامل هذه الفئات ـ عبر مراحل تاريخية ـ مع أنظمة الحكم المتعددة ، و مدى تقبل الدين أو المذهب "متمثلا في رجالاته و مرجعياته الدينية" ، مع ممارسات و آليات الديمقراطية و النظم الانتخابية ، و لا بدّ ها هنا من دراسة "تاريخ التشيُّع" و "تاريخ النظام الديمقراطي" لكي نستطيع مقارنة صورتين و إيجاد علائق الصيرورة بين الحالتين . كما أن هنالك إشكالية كبيرة حينما نقول "التشيع" أو "الإسلام" ، و نقصد به "الشيعة" و "المسلمين" ، و العكس صحيح ، فالتشيع الذي سيتكرر اسمه خلال هذا البحث هو ما نعني به "التراكم الإنساني التجريبي المتغير" لهذا المعتقد ، و بالقدر الذي يكون فيه هذا "الدين" أو "المذهب" سماويا مقدسا ، فإن التراكم و التداعي التجريبي الذي يتحول في صيرورة مستمرة ، هو تراكم إنساني قابل للبحث و النقد و التمحيص الفلسفي التاريخي ، و ما دام كذلك فهو قابل للتغيير و الإبداع و خلق مفاهيم جديدة تتناسب و التحولات الحضارية و القيمية التي يشهدها العالم ، و طبعا فإن "الشيعة" هم في قلب هذا العالم ، و من حسن حظهم أن مذهبهم يمتلك هذه القدرة على التحول ، غير أنه لا شكّ أن هذا العمل صعب و شاق و يحتاج إلى تعاون الجانبين "الديني و العلماني" في الوسط الشيعي ، و بدون ذلك فالإصلاح و التحول مستحيلان. و الجانب المهم الذي ينبغي لدارسي "التشيع" ، سواء كان الباحث شرقيا أو غربيا ، ملاحظة ظاهرة "الاجتهاد" المستمرة في الوسط الشيعي ، رغم أن طبقة المجتهدين و الحوزات تعاني من كثير من القصور و الأساليب القديمة في التدريس و التعليم و يبدو أحيانا أن غالبية دارسي و طلاب الحوزة يعانون من ضعف في الإطلاع على الحداثة و فهم الفلسفة الحديثة التي خلقتها البيئة الديمقراطية الغربية ، لكن الأمر المميز هو أن كلمة "اجتهاد" في القاموس الشيعي لا تزال تحفل بالأمل رغم أننا هنا بحاجة إلى نقد حقيقي لهذه الكلمة ، بحيث نستكشف من خلال هذا النقد مناطق الفراغ و اللا مـُفكّر فيه في قواميس المجتهدين ، كما أن كلمة "مجتهد" رغم أهميتها في الوسط الشيعي ، إلا أنها بحد ذاتها لا تمنح العصمة "للمجتهد" كونه يُجهد نفسه للوصول إلى مــُـراد النص المقدس و كشف "الشيفرة" التي يحتظنها النص بين جوانحه. يقول آية الله الصادق الحسيني الشيرازي في كتاب "بيان الفقه في شرح العروة الوثقى ـ الاجتهاد و التقليد ج 1 ص 17 " و ما ذكره بعضهم : من أن الإجتهاد قوة قدسية ، أو نور يقذفه الله في قلب من يشاء ، و نحو ذلك ، فالظاهر من تأمل أمثال ذلك ـ و لو لمناسبة الحكم و الموضوع ـ أنه لا يريد الاجتهاد المصطلح بل يريد الآثار الآخروية المترتبة ، أو الإجتهاد الذي يجوز رجوع العامي إليه و تقليده ، و إلا فالإجتهاد الذي هو محل البحث ممكن الحصول للفاسق و العادل ، و المنافق و المؤمن ، بل و الكافر و المسلم ، و المرائي و المخلص ، و غيرهم ، لتسببه بإعمال القوة النظرية المذكورة..". نهاية الاقتباس. الملاحظ في هذه العبارات ذات المغزى الكبير ، أن هناك وعيا و فهما داخل الحوزة ، و إن استثنينا من ذلك البعض ، من أن "الإجتهاد" هو مسئولية و ليست عباءة مقدسة يرتديها من يشاء ، كما أن الاجتهاد يُمثل إذنا إلهيا يستند إلى جواز التجديد الديني بما يلائم العصر و الزمان ، إن مشكلة الحوزة هي أن أصول الفقه هي أكثر تطورا من الفقه نفسه ، خصوصا في جانبه السياسي. و الخمينية "الأصول الفقهية" أكثر حداثة و تطورا من نظيرها الآخر "الخمينية في فقهها السياسي" ، ففي أصول الفقه تقوم نظرية السيد الخميني على دور و بعدي الزمان + المكان = الزمكان ، في تأثيرها على المتغير الفقهي في أصوله الثابتة ، بمعنى أن "مسألة معينة" تختلف أحكامها بين الظروف الزمكانية المتغيرة ، بمعنى أن شيئا ما "حراما" يتحول بفعل "الزمكان" إلى "حلال" و "مباح" بل و ربما مرغوبا فيه ، و حسب هذه الأصول فإن أمريكا التي كانت "شيطانا أكبر" حسب مصطلحه ، تصبح "الملاك الأكبر و الأعظم" إذا ما توفرت أسباب التحول ، مع ملاحظة تحفظي الكلي على مواقف السيد الخميني السياسية و التي أراها خاطئة و مناقضة في تطبيقها الفقهي لهذه الأصول الفقهية القابلة للتطوير ، من هنا كان لا بد للحوزات الدينية من مراعاة الفارق بين "النص" كمقدس ثابت و الواقع غير المقدس و "المتحول", "المتغير" ، فمن دون ملائمة النص "الثابت" كتفسير و حتوى للواقع المتغير ، فإن كليهما "النص" و "الواقع" الذي ينتج منهما التطبيق ، يصبحان جامدين ، النص يصبح "تقليدا سلفيا جموديا" و "الواقع متخلفا ماضويا" ، من هنا لا بد من خلق مغزى أعمق لمسألة الاجتهاد ، خصوصا و أن الشيعة لم يسدوا باب الاجتهاد كما فعل السنة في القرن الثاني عشر الميلادي. كما يجب أن نلاحظ أن هناك أقسام و تيارات حتى داخل "التشيع" تختلف و تتباين و تتفاوت فيما بينها تطرفا أو اعتدالا ، و لا بد من الإشارة إلى أن التشيع كأي فكر أو منهج في الحياة البشرية يؤثر و يتأثر في الوقت نفسه ، كما أن التشيع يختلف عن المذاهب الإسلامية الأخرى في كونه يمتلك فلسفة تجعله يتكيف بسرعة مع المتغيرات ، فالتشيع مرّ بعدة تحولات و تغيرات ، التشيع في العصر العباسي يختلف عنه في العصر العثماني ، كذلك الحال مع التشيع في بداية القرن العشرين و التشيع في العقود الثلاثة الأخيرة و ظهور "فلتة ـ ولاية الفقيه" و الفوران الذي شهده الشرق الأوسط و إيران خصوصا. و الحقيقة أن أحداث 11 سبتمبر ، التي لم تهز الولايات المتحدة فحسب بل العالم بأسره ، كانت حافزا أساسا في طرح التساؤلات التي سنناقشها في بحثنا هذا ، خصوصا و أن "التشيع"يكاد يكون هو الخصم العقائدي الوحيد للوهابية "السلفية" التي اتسعت مع النفط السعودي و أذرعه الأخطبوطية ، رغم أن هناك خلافا شيعيا ـ أمريكيا أعتقد أنه في طريقه للذوبان تحت الشمس العراقية الجديدة . التـّشيــــــُّع تاريـــــخيـــــا .... التشيع Shiism اصطلاحا ، كلمة عربية تعني "التحزب" و تأييد رأي معين ، و الخلاف الرئيسي الذي جعل المسلمين الشيعة يختلفون مع "السنة Sunnism" هو موقفهم ، ليس من خلافة علي بن أبي طــالب للنبي محمد ، بقدر ما هو رفض أو قبول التاريخ الإسلامي ككل و أنظمته السياسية ، الدولة الأموية ـ الدولة العباسية ـ الدولة العثمانية ، فالشيعة ينتقدون هذا التاريخ الممتد إلى 1400 سنة مضت ، بينما السنة عموما ينظرون إليه بعين التقديس ، فالشيعة يعتبرون أن هناك انقلابا تم في صدر الإسلام و بالذات عند وفاة النبي محمد و نشوب النزاع بين القبائل العربية الرئيسية ، و خصوصا قبيلة قريش التي كانت الخصم اللدود للدعوة الجديدة و بين مرشح النبي محمد لخلافته و حسب الإيمان الشيعي ، أي الإمام علي ، هذا الانقلاب سمح لكل من طمع بالحكم أن يستولي عليه عبر الانقلاب ، إن المشكلة التي ظهرت في صدر الإسلام لا تزال كما هي إلى الآن ، و هي المشكلة نفسها التي نعانيها ، فكان الصراع الحقيقي الدائر في العالم الإسلامي هو صراع مفهومين متصارعين ، المفهوم الأول الذي حملته الفلسفة الشيعية هو أنه يجب أن يحكم "الأفضل" و "الأصلح" و إن لم يكن "الأقوى" ، بينما كان المفهوم الآخر "السني" يقول بأنه يجب أن يحكم "الأقوى" حتى لو كان "ظالما و مجرما"!! . إن هذا الصراع لا يزال موجودا ، لكن ليس بهذا الوضوح الفلسفي ، لأن كثيرا من القطاعات الشيعية تشوهت ثقافتها بفعل التراكم الثقافي و الاجتماعي و السياسي و جوانب أخرى يصعب تعدادها الآن ، و من أبرز هذه التشوهات هو ما يسمى بتيار "حـــزب الله" و ولاية الفقيه "النظرية الخمينية" التي تنسجم مع النظرية "السنية" في الحكم ، أكثر من التشيع ، و هي تشبه نظرية "الخلافة" أكثر من أي نظرية أخرى. إن معالم التشيع أصبحت أكثر وضوحا منذ اغتيال علي بن أبي طالب و قيام حكم بني أمية الذين كان شعارهم هو سب و لعن "علي" و كانوا يشنون الحملة تلو الأخرى لقتل و اضطهاد أنصار علي بن أبي طالب و التي بدأت بشكل عفوي في عهد الخليفة عثمان و أصبحت منظمة و مقصودة أيام معاوية بن أبي سفيان الذي استخدم أساليب وحشية مثل قطع الأطراف و الصلب و قلع الأعين و الموت البطيء عبر العطش ، و كان يكفي أن يقتل أي شخص لمجرد اتهامه بأنه من أنصار علي و آله ، كما أن فترة الاضطهاد الطويلة و التي لم تخف على الشيعة إلا في فترات متقطعة من القرنين التاسع و العاشر الميلاديين حينما قامت مجموعة دول شيعية ، كما لا يخفى على دارس التاريخ الإسلامي أن أحوال الشيعة كانت أفضل نسبيا في العصر العباسي ، و لكن عودة إلى العصر الأموي نقول ، أن بني أمية لم يكونوا على اختلاف مع آل علي لمجرد التصارع على السلطة ، بل كان الخلاف أعمق من ذلك بكثير ، فقد فسر الأمويون "الإسلام" على أنه دين خاص "للعرب" و أن هدف الدين الإسلامي هو فقط "إركاع العالم للعرب" و ربما كان الخليفة الثاني "عمر بن الخطاب" أول من روج لهذا المعتقد ، لذلك نجد أن غير العرب كانوا أسرع استجابة للمذهب الشيعي من العرب أنفسهم ، رغم أن مهد التشيع كان في العراق ، في الكوفة و كربلاء و البصرة و جنوب العراق عموما ، كما أن هناك وجودا شيعيا في شرق الجزيرة العربية و لبنان ، إن المذهب الشيعي يميل إلى المساواة بين مختلف الانتماءات العرقية و القومية أكثر من المذاهب الأخرى ، رغم أن أكثرية المرجعيات الحديثة تتبنى المنهج "القومي العربي" و ربما كان لعقدة الشعور بالنقص دور في ذلك ، بمعنى أنهم تخلوا عن أساسيات المذهب بفعل التأثير الإقليمي. و أوجد انعزال الأئمة عن السلطة ، ابتداء من الحسن بن علي و انتهاء بالحسن العسكري ـ والد الإمام الثاني عشر الغائب ـ أدى هذا الأمر إلى توجيه التشيع نحو التغلغل أكثر فأكثر بين الطبقات الفقيرة المسحوقة من قبل السلطة و الطبقات المترفة الحاكمة ، لذلك لا يحتاج الباحث إلى كثير تعمق ليكتشف أن الثقافة الشيعية ، بعكس تلك السنية ، تميل أكثر نحو البساطة و أن رجل الدين الشيعي كلما كان أزهد في الحياة و ملذاتها و ترفها و كلما ابتعد عن الحاكم و السلطان كان أكثر قبولا و شعبية بين الناس ، بعكس السني الذي يزداد حظوة كلما التصق بالحاكم و السلطة ، و نجد أن التشيع و بمرور الزمن لم ينجو ، كأي دين أو مذهب ، من أن تتغلغل إليه الخرافات و المبالغات العقائدية فيما يتعلق بالنبي و الزهراء و الأئمة ، و لكن يبقى التشيع رغم التراكمات سهل الإصلاح ، خصوصا و أن للعقل دورا أكبر في العقيدة الشيعية ، على عكس المذاهب الأخرى التي تشكك في قيمة العقل لا على سبيل "الفلسفة" أو "الحكمة" بل على سبيل تعطيل دور الدين في ردع "الحاكم" و "السلطة" . لم تتوقف العزلة على الأئمة ، بل امتدت إلى المراجع الدينيين و النقباء و الأشراف العلويين ، و لا زالت عزلة آية الله السيستاني و قبله أبو القاسم الخوئي و مراجع آخرين شبيهة بتلك المرحلة التي أخذت تنتهي منذ بداية القرن العشرين ، و إن كانت هذه النهاية إعلانا لظاهرة سلبية أخرى هي "حكم الفقيه" أو "ولاية الفقيه" ـ نظرية السيد الخميني التي سنناقشها في هذا البحث ـ فقد كان الشيعة ينظرون إلى السلطة على الدوام ، حتى في ظل الدول الشيعية ، على أنها عدو يجب الحذر منه ، و النصوص الدينية الشيعية كأصول الكافي للكليني و من لا يحضر الفقيه و .. غيرها من كتب الحديث المنقولة عن الأئمة و النبي ، كلها أو أغلبها يحذر من إتباع هوى السلطان و الحاكم . و الملاحظ أن الحضارة الإسلامية كانت تعيش أوج حالات الإبداع و خلق القيم الحضارية في الفترة الممتدة من القرن الثامن الميلادي و حتى القرن الحادي عشر ، و هي الفترة التي سادت فيه دول شيعية ، "الدولة البويهية" في إيران و العراق و "الدولة الحمدانية" في الموصل و شمال العراق و "الدولة الفاطمية" في مصر و شمــال أفريقيا ، "الدولة الإدريسية" في شمال أفريقيا ، و هذا طبيعي في ظل إيمان الشيعي أن على العقل أن يقرر ما هو حق و باطل و أن العقل مقدس إضافي للوحي ، بينما السني ـ حاله حال الخارجي ـ يؤمن بالوحي فقط و إن تناقض كليا مع العقل و الواقع ، فنجد أشخاصا مثل أبو العلاء المعرّي و الغزالي ـ فلو لا التشيع لما كان لهذا الفيلسوف السني وجود ـ و الفارابي و بن سينا و ابن الهيثم و ابن رشد و ابن خلدون ((راجع كتاب ـ منطق بن خلدون ـ للدكتور المرحوم علي الوردي)) ، كما أن الشيعة أنتجوا فيلسوفين كبيرين هما "الرازي ـ نحن ننسبه إلى التشيع كنتاج حضاري و إن كان متهما بالإلحادـ" و "الملا صدرا" ، و لكن التشيع أيضا شهد انقساما جذريا خلال القرون التالية ، و لربما كان هذا الانقسام واضح المعالم إلى الآن ، و هو أن التشيع يصنف الآن إلى قسمين ، فالأصوليون ـ و هم الذين يركّزون على أُصول الدين و رفض النصوص الآحادية غير المؤكدة ـ هم الآن يمثلون غالبية الشيعة ، يميلون إلى الملائمة بين النص و الواقع و أن هناك جانبا مهما يجب أن يلتفت إليه المجتهد و الباحث ، هو أن على النص أن يتعامل مع الواقع دون إغفال جانب التغيّر فيه و بالتالي إيجاد فلسفة واقعية اسمها "التأويل" ، و لربما كان على المجتهد أن يلائم النص مع الواقع لا الواقع مع النص ، فمن السهل إيجاد حل "فقهي" لكل مُستجد ، لكن أن يُرفض الواقع بحجة عدم ملائمته مع النص فهو أمر سلبي و فقه مقلوب . أما الطرف الآخر أو القسم الثاني فهم "الإخباريّون" الذين نستطيع أن نقول عنهم أنهم أشبه بالسنة منهم بالشيعة ، فقد كانوا يؤمنون أن على رجل الدين أن يتحرى في بحثه مراعاة "النصوص" و "الروايات" المنقولة عن النبي و الأئمة ، و أن على المجتهد العمل بالنص بمجرد أن يشتبه بصحة وروده عن المعصوم ، مهما كان هذا النص غير واقعي و مشكوك الصدور عن المعصوم . و عندما نقوم بمقارنة بسيطة بين كتب الفريقين ، نجد أن كتب الأصوليين أكثر قربا بالواقع و أسهل على التطبيق ، أما الإخباريون فقد استمروا بشحن كتبهم بالأحاديث و الروايات إلى حد أصبح للقصص الشعبي أيضا مكان في هذه الكتب ، فتجد فيها روايات و أحاديث يخال لك من خلالها و كأن الملائكة و الملأ الأعلى و الجن ليس لهم شغل غير خطبة "فلانة" للإمام الفلاني أو الاستبشار و الاحتفال بمولد الإمام الفلاني ، أنا لا أنكر أن الدين يؤمن بكثير من أمثال هذه الأشياء ، مثل مجيء المجوس الثلاث بحثا عن مولود اسمه المسيح ـ كما تنقل لنا كتب العهد الجديد ـ ، لكن من الواضح أن هناك نوعا من المبالغة جرى في هذا الجانب ، إن لم تكن المسألة قريبة من خرافة العشرة المبشرين بالجنة أو أسطورة الخلفاء الراشدين . النقطة المهمة الأخرى التي اتسم بها التاريخ الشيعي بدءا من الدولة الأموية و انتهاء بقيام الدولة الصفوية ـ التي كانت بداية خروج التشيع من عزلته ـ هذه الفترة تتميز بنمو التنظيمات السرية ، و هي حال كل الأديان و الآيدولوجيات الواقعة تحت الاضطهاد أو خطر الإبادة ، كالدين اليهودي مثلا ، و لأن التشيع تنوع بين "التشيع الجعفري الذي يؤمن باثني عشر إماما و هم أغلبية الشيعة في العالم" و "التشيع الفاطمي الإسماعيلي الذي يؤمن بالأئمة السبعة و هم الأقلية" و "التشيع العاطفي ـ و هم اؤلئك الذين ينتمون إلى مذاهب أخرى و لكنهم يتعاطفون فكريا مع الإمام علي و أبناءه المضطهدين" ، هذه التنوعات جعلت للتنظيم السري الشيعي يمتاز بأصناف ، فالتنظيم السري "الاثنى عشري" يختلف عن ذلك "الإسماعيلي" و بشكل كبير ، و كان التنظيم الإسماعيلي يتسم بالقدرة على المواجهة العسكرية كتنظيمات قادرة على القيام بعمليات اغتيال للشخصيات المعادية ، بينما كان التنظيم الاثنى عشري يقوم فقط بحشد الأنصار و تثقيفهم و تهيئة خلق مجتمع قابل للتغيير ، و حتى العباسيون ـ الذين كانوا شيعة في البداية ثم قرروا اعتناق المذهب السني لكونه أصلح لبقائهم في السلطة ـ استفادوا من خبرة الشيعة و نجحوا بفضلهم في الإطاحة بالحكم الأموي ، و يعزو بعض المؤرخين قيام المنصور الدوانيقي ، الخليفة العباسي الثاني ، بقتل كل من أبي مسلم الخراساني و أبي سلمة الخلال ، إلى أنهما كانا يؤمنان بالولاء لآل علي بدلا من آل العباس ، و بمجرد أن سقط بنو أمية عن الحكم ، تحول الاضطهاد من الأمويين إلى العباسيين ، لكن على الأقل و بمرور الزمن أصبح للشيعة حال أفضل من العهد الأموي بفضل بعض الخلفاء العباسيين ممن كادوا يعتنقون التشيع ، كالمأمون الذي كاد يسلم الحكم لآل علي لو لا أسباب كثيرة يطول شرحها ، و أعتقد أن المأمون ـ و هو يكاد يكون الفيلسوف الوحيد من بين الخلفاء ـ ظـُــلم من قبل الشيعة حينما اتهموه بأنه وضع السُّمّ للإمام الرضا "الإمام الثامن لدى الإثني عشرية" لكي لا يخلفه في الحكم و أظن أن المأمون كان شيعيا جادّا خصوصا إذا نظرنا إلى تقريبه للمـُعتزلة و هم المذهب الفلسفي الأقرب للشيعة . الكاتب العراقي سهيل أحمد بهجت العراق 2007-10-21 Website: www.sohel-writer.i8.com |
|
الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية بيانات وتصريحات | مختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن |
|
Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne |
|
Despêk 6-ê Gulana 2004-an copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz] |