|
|
|
|
|
مداخلة الأستاذ إسماعيل عمر رئيس حزب الوحدة الديموقراطي الكردي في سوريا (يكيتي) في منتدى جمال الأتاسي –بتاريخ 28/12/2004
"إن الحكمة والمسؤولية الوطنية تقتضيان من كافة القوى الوطنية داخل السلطة وخارجها، والفعاليات الثقافية والاجتماعية في البلاد، البحث عن حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية"
موقع نوروز 30/12/2004 بداية ، أشكر الأخوة في منتدى الاتاسي على هذه المبادرة الطيبة ، التي نعتبرها بداية تعامل جديد مع الحركة الوطنية الكردية في البلاد ، التي ظلت تبحث دائماً عن منابر تطل منها على الساحة الوطنية السورية، لتلقي بعض الضوء على معاناة شعبنا الكردي في سوريا من سياسة التمييز القومي وأوجه الاضطهاد والحرمان الممارسة بحقه ، مما تسبب إلى حد كبير في عرقلة تطوره الاجتماعي والثقافي والسياسي ، وخلق بين أوساطه حالة من الاغتراب، وأحدث خللاً في نفسية الإنسان الكردي نتيجة عدم التوازن بين واجباته التي تصدى لها دائماً ، وحقوقه التي حرم منها على الدوام ، إضافة إلى إخضاعه لجملة من المشاريع العنصرية والقوانين الاستثنائية التي لا يستطيع مشرّعو سياسة التمييز هذه الدفاع عنها ، والتي تعبر عن حالة شاذة في تعامل الدول مع مواطنيها . فالإحصاء الجائر الذي تجاوز عدد ضحاياه اليوم ربع مليون إنسان بين مجردين من الجنسية ومكتومي القيد - والعدد يزداد عاماً بعد عام نتيجة التكاثر الطبيعي - لا يستطيع أحد حتى في السلطة الدفاع عن شرعيته ، لكن ، ولأن الموضوع يتعلق بالأكراد ، فإن هناك تجاهل لهذه المأساة الإنسانية التي تجبر آلاف الناس على الهجرة إلى المدن الداخلية وإلى دول أوربا التي تمنحهم جنسياتها بعد مرور المدة القانونية لإقامتهم فيها ، في حين يحرمون فيه ويجردون من جنسية وطنهم ، مما يشكل مفارقة عجيبة تدعو للتساؤل عن ماهية الجهة المستفيدة من استمرار هذا الاستهتار بالإنسان المواطن وحقوقه . والحزام العربي الذي استغل مشرّعوه مسألة غمر مياه بحيرة سد الفرات لبعض الأراضي الزراعية في محافظتي حلب والرقة لنقل الفلاحين العرب إلى المناطق الحدودية في محافظة الحسكة وتنفيعهم بالأراضي الزراعية التي كان يستثمرها الفلاحون الأكراد أباً عن جد ، خلق حالة من الاستياء حتى بين المواطنين العرب أنفسهم في هذه المحافظة، عدا عن كونه يأتي في إطار مشروع سياسي عنصري ، أساء للعلاقات التاريخية العربية الكردية ، ووضع الحواجز بين أبناء الوطن الواحد ، كما أساء للاقتصاد السوري . فمنطقة الحزام لم تتحول إلى مزارع نموذجية مثلما ادّعى أصحاب (الحزام الأخضر ) الذي سمي به المشروع في بداية الأمر. وإلى جانب تلك المشاريع ، فإن سياسة التمييز تسير في المناطق الكردية على قدم وساق في كافة المجالات ، في المدرسة والوظيفة والعمل وغير ذلك ، تحت مسميات أبرز عناوينها مقولة (خطر على أمن الدولة) ، وهي بذلك تضيف إلى الحرمان المزمن من الحقوق القومية ،معاناة إضافية يومية. وبالمقابل ، فإن معظم أطراف المعارضة الديمقراطية السلمية خارج السلطة ، لم تستطع حتى الآن ، رغم معاناتها، أن تتفهم الجوهر الوطني الديمقراطي لطبيعة القضية الكردية ، وظلت العديد من أطرافها تتعامل معها حتى الآن بمزيد من التشكيك في طبيعتها وأهدافها.... وبين هذا وذاك ، بين سياسة الاضطهاد التي تمارسها السلطة ، وسياسة التجاهل التي تمارسها أطراف أساسية من المعارضة ، فإننا لا نخفي عليكم بأن المجتمع الكردي يشهد تنامياً لحالات الاغتراب واليأس والانعزال ،خاصة في ظل الغياب الطويل للبديل الوطني الديمقراطي لحل قضيته القومية والديمقراطية، مما يضعف دور الحركة الكردية في قيادة هذا المجتمع وتحصينه،ويهدد بنتائج سلبية في المستقبل . فالقضية الكردية هي قضية وطنية بدون أي شك،لأنها تهم أكثر من مليوني انسان كردي في سوريا، ولذلك فهي تعني الجميع، وأن المهمة الأساسية لجميع الأطراف الكردية هي إدراجها بين القضايا الوطنية العامة في البلاد التي تتطلب حلولاً عادلة وعاجلة ، ولن يكتب النجاح لهذه المهمة ما لم تنجح هذه الحركة في تعريف الشعب السوري بعدالتها من خلال التواصل مع مختلف الأحزاب والقوى الوطنية والفعاليات الاجتماعية والثقافية، والانخراط في النضال العام الديمقراطي للعمل معاً من أجل إيجاد الحلول للقضايا الوطنية الأخرى.وهذا يستدعي ارتقاء مختلف القوى والنخب العربية والكردية إلى مستوى المسؤولية المطلوبة، لوضع أسس متينة لشراكة وطنية، فسوريا كدولة ، تشكلت بحدودها الحالية وفق تقسيمات سايكس – بيكو ، وهذا يعني أن مواطنيها الحاليين من عرب وأكراد وأقليات أخرى ، وحّدتهم تلك التقسيمات دون إرادتهم ، وربطتهم أواصر التاريخ والإرادة المشتركة ، وبالتالي ، لم يتم في حينه أن ألحق أحد من مكوّنات هذا الوطن المكوّن الآخر بالقوة ، وبذلك ، أصبحت سوريا وطن الجميع كأمر واقع ... وفي حين سعى الجانب الكردي لتعزيز وحدة هذا الوطن مقابل الحفاظ على مقوماته والتمتع بحقوقه القومية، كان من المفروض أن يستوعب الطرف الآخر أيضاً هذه الحقيقة ويحترم هذا الحق الطبيعي، لكن قواه السياسية التي تشكلت بعد الاستقلال تصرفت بمنطق الأكثرية ومارست عملية الشطب على كل ما هو غير عربي بهدف صهر القوميات الأخرى ، وفي المقدمة منهم الأكراد ... ومع الزمن ، تنامت النزعة الإقصائية التي مارستها الأنظمة المتعاقبة على دست الحكم مما ألحق أفدح الأضرار بمفهوم المواطنة ..وبقضية الوطن، الذي كان ولايزال، يفترض أن يكون للجميع حتى يكون الجميع للوطن، يدينون له بالولاء ويدافعون عنه بكل الإمكانات، ويحافظون في ظله على خصوصيتهم القومية ويصونون وحدته وسيادته، ويتمتعون فيه بحقوقهم المشروعة،التي لا تتعارض مطلقاً مع ولائهم الوطني ،بل بالعكس،فهناك علاقة جدلية وثيقة بين درجة هذا الولاء بالنسبة للمواطن الكردي ،ومدى تمتعه بحقوقه وخصوصيته القومية ،فهو بهذه الحالة يكون سورياً بقدر ما هو كردي، لا كما يريد له دعاة التمييز أن يكون معرّباً مجرّداً من خصوصيته القومية ، او كرديا" محروما" من حقوقه الوطنية ، ليصل الحرمان حتى إلى حق الجنسية ... أي إن تمسكه بانتمائه القومي والوطني السوري معاً لا يعيبه ككردي ، ولا ينتقص شيئاً من كرامة الأشقاء العرب وحريتهم، ولا يسيء إلى مصلحة الوطن، بل على العكس تماماً ، فإنه يضيف لوناً جديداً إلى ألوان الطيف الوطني ويزيد من جمال اللوحة الوطنية ، ويغني الثقافة الوطنية،فالوجه الجميل لا يبرز جماله الا بوجود كافة أجزائه. وهذا يعني ، إن كل السوريين بكافة انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية يجب أن يكونوا متساويين في الحقوق والواجبات أمام القانون ، لا أن يكون الأكراد متساوون فقط أمام القوانين الاستثنائية ، وأن يتم تعريب أسماء المدن والبلدات والقرى والمعالم الطبيعية، مما ينسف أحد أهم مرتكزات الوحدة الوطنية ، ويشيع أجواء عدم الثقة بين أبناء الوطن الواحد ،ويخلّ بالعقد الوطني الذي كتب بتضحيات وجهود الجميع ، في حين أثبتت فيه التجربة التاريخية للشعوب أن مشاريع الصهر القومي لن يكتب لها النجاح وان محاولات تغيير المعالم القومية لأي شعب سيكون مصيرها الفشل ، فالاسم الأصلي لقرية مواطن كردي سوري ، لن يمحى من الذاكرة مهما بلغت قوة المعرّبين وجبروتهم ، لأنه غرس في وجدانه ، وتحول إلى جزء هام من حياته وارتبط بملاعب طفولته، وتحول الحفاظ على هذا الاسم إلى واجب قومي ووطني معاً . لكن ما يؤسف له، إن السلطة لم تستطع حتى الآن استخلاص دروس مفيدة من تجربة عشرات السنين من تاريخ الاضطهاد والتميز القومي بحق الشعب الكردي في سوريا، ورغم أن أحداث آذار الأليمة والدامية أحدثت ارتباكاً واضحاً في السياسة المنتهجة بحقه والتي درجت على إنكار الوجود التاريخي الكردي الذي لم يعد قابلاً للتجاهل، خاصة بعد أن رسمت تلك الأحداث خارطة عملية لهذا الوجود و تحول الاعتراف به إلى أمر واقع، قام بإقراره أكثر من مسؤول، وتوّج بإعلان السيد الرئيس بشار الأسد في مقابلته مع قناة الجزيرة الفضائية بأن القومية الكردية هي جزء من النسيج الوطني ومن تاريخ سوريا وبراءة تلك الأحداث من العلاقة بالخارج، وما خلقته تلك المقابلة من ارتياح في الوسط الكردي المتخوف أصلاً من الاضطهاد، وما ساهمت به تصريحاته من تخفيف لوتيرة الكراهية والحقد تجاه الأكراد لدى العديد من الأوساط السورية التي أوهمتها بعض الجهات، بأن تلك الأحداث تعبر عن نزوع كردي نحو الانفصال وإستقواء بالخارج، وذلك بهدف إثارة حساسيتها الوطنية واستعدائها على الأكراد، فإن الوقائع على الأرض لا تزال تثير المزيد من القلق. فبعد أن كان الجميع بانتظار إقدام السلطة على المباشرة بإجراء تحقيق محايد وتقييم معمق لمعرفة الأسباب والدوافع،ومحاسبة المسؤولين عنها، والبحث عن الضمانات الكفيلة بعدم تكرارها مستقبلاً، واعتماد سياسة حكيمة في المعالجة، فقد تصرفت معها من منظور أمني بحت، وكأنها مجرد قضية خارجين على القانون ! حيث لجأت لاعتقال الآلاف من المواطنين الكرد بشكل عشوائي، وجرت العديد من حالات الاعتقال على الهوية القومية، وخاصة في ضواحي دمشق حيث يعيش الآلاف من المهاجرين الكرد التائهين هناك بحثاً عن لقمة العيش ضمن حزامها الفقير، ولا يزال حوالي 200 مواطن كردي رهن الاعتقال حتى الآن، وذلك في دلالة واضحة بأن السلطة تجهد لتجريم شعبنا الكردي وإرهاب أبنائه ومصادرة حقهم في مقاومة سياسة التمييز، وتهدف من وراء إحالة العشرات منهم لمحاكم أمن الدولة والجنايات العسكرية إلى معاقبة الشعب الكردي.. كما أن أجواء الاحتقان التي فجرت أصلاً تلك الأحداث لا تزال سائدة، فقد رسمت السياسة الشوفينية المنتهجة منذ عشرات السنين صورة مشوهة لحقيقة الوضع الكردي، واستغلت من أجل ذلك غياب دور الحركة الكردية في تصحيح تلك الصورة، لتقوم بإثارة الرأي العام السوري وإلهائه بالخطر الكردي المزعوم و تغذية حالة الإحتقان المتفاقمة ضد الكرد، بهدف تحويل أنظار الرأي العام السوري عن حقيقة الأوضاع المتأزمة في البلاد ، والتهرب من استحقاقات الإصلاح المطلوبة، وهذا يعيد للأذهان ما أقدمت عليه حكومة الانفصال في أوائل الستينات من إقرار مشروع الإحصاء وتأليب العرب ضد الأكراد، لتغطي بذلك على جريمة الانفصال في ذلك الوقت . إن الحكمة والمسؤولية الوطنية تقتضيان من كافة القوى الوطنية داخل السلطة وخارجها، والفعاليات الثقافية والاجتماعية في البلاد، البحث عن حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية، وذلك من خلال تمكين الشعب الكردي، باعتباره جزءاً أساسياً من النسيج الوطني السوري، من ممارسة حقوقه القومية من سياسية وثقافية واجتماعية وإلغاء المشاريع الاستثنائية المطبقة بحقه، لكي يستطيع مواصلة دوره الوطني والتصدي لكل التحديات الداخلية والخارجية .. وشكراً
|
||