NEWROZ

نوروز


1/11/2005

دراسة فكرية حقوقية (2-4)   

الفصل الثاني:  المصـادر القانونيـة لحقـوق الإنسـان

حسن جومي

يتميز قانون حقوق الإنسان على سائر القوانين الإقليمية والوطنية، بتضمينه نصوصاً من وضع المجتمع الدولي ، فالقواعد الخاصة بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها ، وعدم إبادة الجنس البشري ، وتحريم الاتجار بالرقيق والتميـيز العنصـري وما يتصل بحياة الإنسان وسلامته من الممارسات السالبة لحياته تعسفـاً أو الاعتداء التعذيبي لجسده . تعتبر جميعاً من القواعد الدولية الآمرة التي لا يجوز الاتفاق دولياً على خلافها أو النص داخلياً على نقيضها . كما أن القواعد الأساسية لحقوق الإنسان هي في مرتبة أسمـى وأعلى من كـل المعاهدات والاتفاقيات الدولية وكل الدساتير والتشريعات الوطنية .

يستمد قانون الإنسان قوته من مصادر ثلاث

 I- المصدر الدولي.      2 - المصدر الوطني.      3- المصدر الديني.

 

1 المصــدر الدولــي

بدوره ينقسم هذا المصدر إلى قسمين     1- المصدر العالمي     2- المصدر الإقليمي :

1- المصـدر العالمـي :

يعتبر هذا المصدر من أغنى المصادر القانونية لحقـوق الإنسان وأغزرها . فنتيجـة الكوارث التي حلت بالبشرية من جراء الحرب الكونية الأولى . نشط المجتمع الدولـي بعد الحـرب لوضع نصوص لحماية حقوق الإنسان . فأنشئت بعد المنظمات منها منظمة العمل الدولية عام 1916، واتفاقية منـع الاتجار بالرقيق والمعاقبة عليها عام 1926 وغيرها . ولكن بهذه الاهتمامات المحددة لم يستطع المجتمع الدولي التأثير على الحكومات التي تضطهد الإنسان مهما كانت هذه الانتهاكـات ولم يكن لعصـبة الأمـم أي دور في التصدي لهذه الحكومات وإثارة مسؤولياتها دولياً. وخلال الحرب الكونية الثانية كان تفكير المجتمع الدولي يدور حول فكرة أساسية لعالم ما بعد الحرب ، وهي فكرة احترام حقوق الإنسان والشعوب كأساس لا غنى عنه . حيث دونت هذه المعاني في ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 والذي يقع على عاتق أجهزتها الرئيسية مهمة تأكيد حقوق الإنسان واعتبارها التزاماً تحترمه كل دولة داخل حدودها ، سواء لمواطنيها أو غيرهم . ومنذ ذلك التاريخ أصبح الإنسان محل اهتمام متزايد من المجتمع الدولي ومؤسساته القانونية ولم يعد التعامل مع الفرد تدخل في الاختصاصات المطلقة للحكومات كما كان الحال قبل الحرب الكونية الثانية . حيث ورد  في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة ((نحن شعوب الأمم المتحدة قد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت مرتين خلال جيل واحـد أحزاناً يعـجز عنها الوصـف وأن نؤكـد من جديد إيـماننا بالحقوق الأساسية وبكرامـة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرهـا وصغيرهـا من حقوق متساوية)).(1)

 وقد حددت المادة الأولى من الميثاق أهداف الأمم المتحدة على الشكل التالي .

 الفقرة الأولى ((حفظ السلم والأمن الدولي )) .

 الفقرة الثانية ((حـق تقرير المصير الذي يعتبر أساساً السلام العالمي وأساس الحقوق الإنسانية )) .

 الفقرة الثالثة ((تقرير احترام حقوق الإنسان والحريات الأساس للناس جميعاً والتشجيع علـى ذلك دون تمييز بسـبب الجنس أو اللغـة والديـن أو التفرقة بيـن الرجـال والنـساء )).(2)

 وكما هو معلوم، إن مسائل حقوق الإنسان الواردة في الفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة تعتبر مشتركة بين الدولة والمجتمع الدولي ومنظماته ، وحق وواجب أجهزة  الأمم المتحـدة التدخـل فـي شؤون أية دولة تمس حقوق الإنسان كما يعتبر الفصل الثاني من هذا الميثاق . إن الشروط الرئيسية لقبول واستمرار عضوية أية دولة في الأم المتحدة هي احترام حقوق الإنسان والشعوب ، وتستطيع فصل أيـة دولة في حال انـتهاك هذا الهدف الرئيسي المتمثل فـي تقرير واحترام حقوق الإنسان والشعـوب كما عهـدت المادة /68/ من الميثاق إلى المجلس الاقتصادي بسلطة إنشاء لجان تابعة له . وكان أهم ما أنشأه هي لجان حقوق الإنسان والتي أسهمت بالدور الرئيسي في أعداد مشروعـات إعلانـات واتفاقـيات حقوق الإنسان والتـي اعتمدت من قبل الجمعية العامة ووقعت وصادقت عليها الدول ، لتصبح التزاماً قانونياً ووطنياً في مجال احترام حقوق الإنسان ومن أهم الإعلانات العامة :

 

1-     الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تاريخ 10/ ك1 /1948

يتألف هذا الإعلان من ديباجة (مقدمة) وثلاثون مادة . حيث وردت في الديباجة ((لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم ومن حقوق متساوية وثابتة بشكل أساسي (الحرية والعدل والسلام في العالم) ولما كان تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها قد أضفيا إلى أعمال أثارت بربريتها الضمير الإنساني ، وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة ، بالتحرر من الخوف والفاقة فأسمى ما ترنو أليه نفوسهم ولما كان من الأساسـي أن تتـمتع حقوق الإنسان بحمـاية النـظام القانـوني )) .(3) ولقد ضمنت مواد هذا الإعلان حقوق الإنسان الأساسية حيث نصت المادة الثانية على ((لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسياً أو غير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر)).(4) كما نصت المادة الثالثة على ((لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه)).(5) المادة /12/ نصت على ((لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته ولا لحملات تمس شرفه وسمعته ولكل شخص حق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل وتلك الحملات)).(6) كما نصت المادة /15/ على ((لكل فرد حق التمتع بجنسيته ما ولا يجوز تعسفاً حرمان أي شخص من جنسيته ولا من حقه في تغيير جنسيته)).(7) كما نصت المادة /19/ على ((لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون مضايقة وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة دونما اعتبار للحدود)).(8) وأخيراً أكدت الفقرة 1و2 من المادة /20/ على ما يلي ((لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلـمية)). ((لا يجـوز إرغام أحـد على الانتماء إلى جمعـية ما)) .(9) وبالرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اكتفيا بالعبارات العامة عن حق الشعوب في تقرير مصيره وكذلك الحقوق والحريات الأساسية للإنسان من دون إيضاح تفصيلات هذه الحقوق . وفشلت المحاولات الرامية إلى وضع أو إلحاق قواعد تفصيلية بالميثاق تبين مضمون هذه الحقوق وكيفية تنفيذها ويعود أسباب الفشل إلى أمرين وهما :

1- الأساس الذي بنيت عليه هذه القواعد كانت تمس المصالح الحيوية للدول الكبرى المنشئة للأمم المتحدة . فتقرير مصير الشعوب ومنها حرية اختيار نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية،كان يعني تخلي بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي وأمريكا وغيرها عن نفوذها ومستعمراتها في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية .

2- واقع التمييز العنصري كان يصطدم بواقع الأمور في أمريكا وبعض الدول الأوربية ومستعمراتها أو الأقاليم الخاصة لوصايتها بالرغم من إعلان رفض التمييز العنصري بموجب اتفاقية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة .

إلا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ولجنة حقوق الإنسان التابعة له لم تتأخرا كثير في وضع تفصيلات لحقوق الإنسان والحريات الأساسية فقد تم صياغة اتفاقيتين دوليتين وبرتوكول ملحق ، في لجنة حقوق الإنسان ، ومن ثم في اللجنة الثالثة للشؤون الاجتماعية والإنسانية والثقافية التابعة للجمعية العامة في 16/ك1/ 1966 وهما :

1-                         العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تاريخ النفاذ 3/ك2/ 1976.

2-                         العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والبرتوكول الملحق تاريخ 23/آذار/ 1976.

أطلق فقهاء القانون الدولي على هذين العهدين بالإضافة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أسم ((الشرعة الدولية لحقوق الإنسان)) .

والفضل في اعتماد إلى هذين العهدين يعود إلى نضال شعوب المستعمرات وحصولها على الاستقلال ودخولها أعضاء في الأمم المتحدة باعتبارها الطرف المستفيد من مبدأ حق تقرير المصير بكل أبعاده الدولية والسياسية والاقتصادية بالإضافة كونها المدافعة عن الشعوب المحرومة من هذا الحق .

إن مفهوم العهدين الدوليين تعني شمولية النصوص المتضمنة لحقوق الإنسان وأهمها حق الشعوب في تقرير مصيرها والتصرف بثرواتها، الحق في المساواة دون تمييز بسبب الجنس أو العنصر، الحق في الحرية وعدم جواز الحبس التعسفي ، حرية الفكر والديانة تحريم التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو المهنية ، حق الطفل في الجنسية والحماية القانونية، حق الأحزاب الخ . تلك أهم عناوين حقوق الشعوب والأفراد الواردة في العهدين ، ولذا وصفا العهدين الدوليين مع ميثاق الأمم المتحدة بأنهما بمثابة المصدر العام لحقوق الإنسان وهذا المصدر يكمله ويدعمه عدد كبير من الوثائق الدولية الملزمة التي تتناول حقوق محددة للإنسان ، أو تعني بفريق معين من الأفراد وتسمى وثائق خاصة منها :

1-      مواثيق لحماية الإنسان الأكثر ضعفاً(النساء- الأطفال- المتخلفون عقلياً- المعوقون- الشيوخ- أعضاء الأقليات الجنسية والدينية واللغوية الخ ومن هذه المواثيق:

آ : اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1967.

ب : اتفاقية بشأن الأشخاص عديمي الجنسية لعام 1954.

ج : اتفاقية بشأن جنسية المرأة المتزوجة لعام 1957.

د : اتفاقية حول الحقوق السياسية للمرأة لعام 1952.

ه : اتفاقية بشأن خفض حالات انعدام الجنسية لعام 1961.

و : اتفاقية منع الاتجار بالأشخاص واستغلالهم في الدعارة لعام 1949.

2-      مواثيق خاصة بحقوق محددة ، وهي تعطي مزيداً من العناية لأحد حقوق الإنسان الواردة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وذلك بالنص على تفصيلات لحماية هذا الحق وإيجاد وسائل دولية لممارسة هذه الحماية ومنها :

آ : الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965.

ب: الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لعام 1973.

ج : اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي لعام 1948- 1949.

د : اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.

هـ: اتفاقية منع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية أو المهنية لعام 1948.

3-      مواثيق خاصة تطبق خلال النزاعات المسلحة . ظهرت هذه الاتفاقية نتيجة جهود منظمة الصليب الأحمر الدولي. وتعرف بقانون جنيف.

آ : اتفاقية جنـيف الأولى بشأن تحسين حال الجرحـى والمرضـى من أفراد القوات المسلحة في الميـدان لعام  1949.

ب : اتفاقية جنيف الثانية بشأن تحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى من أفراد القوات المسلحة في البحار لعام  1949.

ج : اتفاقية جنيف الثالثة بشأن أسرى الحرب لعام 1949.

د : اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب لعام 1949.

ه : البروتوكول الأول لعام 1977 الملحق باتفاقية جنيف والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية .

و : البروتوكول الثاني لعام 1977 الملحق باتفاقية جنيف والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.

إن الغاية الأساسية من هذه الاتفاقيات هي تخفيف معانات جميع ضحايا المنازعات المسلحة الخاضعين لسلطات العدو، سواء أكانوا من الجرحى أو المرضى أو المنكوبين في البحار أو أسرى الحرب المدنيين .

 

-2 المصـدر الإقليمـي :

هو المصدر الثاني الذي يستمد قانون حقوق الإنسان قوته منه . وتنحصر تطبيق هذه الاتفاقيات في إقليم معين وعادة في ظل منظمة دولية إقليمية . وتعتبر هذه المواثيق مصادر قانونية وضيعة إلى جانب المصادر الدولية العالمية التي تم ذكرها . وقد أبرمت عدة قوانين دولية لحقوق الإنسان في إطار المنظمات الإقليمية .

 

1-  الاتفاقية الأوربية:

تمثل هذه الاتفاقية الميثاق العام لحقوق الإنسان في غرب أوروبا، وتسمى الميثاق العام لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. تم التوقيع على هذه الاتفاقية في 14/تشرين الثاني/1950 ودخلت حيز التنفيذ في 3/أيلول/1953.

ومن المفيد الذكر بأن هذه الدول وحتى تاريخه مازالت تطبق المبادئ الواردة في هذا الميثاق بجدية واحترام.(10)

بما أن هذه الاتفاقية تعتبر بمثابة التنظيم الشامل لحماية حقوق الإنسان ولكنها ليست بالتنظيم الكامل. لذا عمدت الدول الأوربية إلى اعتماد عدد من اتفاقيات تكميلية في إطار مجلس أوروبا ، لتنظيم مجالات عديدة من حقوق الإنسان منها :

آ- الميثاق الاجتماعي الأوروبي المبرم في تورينو بإيطالية في 18/تشرين الأول /1961.

ب- الاتفاقية الأوربية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهنية المبرمة في ستراسبورج في 26/تشرين الثاني /1987.

ج- اتفاقية باريس 1951 وروما 1957 المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية .

 

ويمكن إيجاز الحقوق الواردة في هذا الميثاق وبرتوكولاتها :

الحق في الحياة: الحق في الحرية والأمن- الحق في قضاء عادل- الحق في احترام الحياة الخاصة الأسرية والمسكن والمراسلات- حرية الفكر والعقيدة والديانة- حرية التعبير حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات- حق ترك أي بلد بما قي ذلك بلده- منع العقوبة أو المعاملة غير الإنسانية أو المهينة- منع عقوبة الإعدام- عدم إيجاز الطرد الجماعي الخ.

تعتبر هذه الحقوق الواردة في الميثاق الأوربي جميعها ملكاً للأسرة الأوربية وتعتبر كذلك من النظام العام الأوربي . حيث يمكن لأية دولة طرفاً في هذه الاتفاقية أن تتهم دولة أوربية أخرى بانتهاك حقوق الإنسان حتى ولو لم يكن للدولة الأولى أي رعايا انتهكت حقوقهم . وسجلات وقرارات واحكام اللجنة الأوربية والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان بستراسبورج لدليل على ذلك .

هذه الحيوية في التعامل مع الإنسان في أوربا الغربية ، يعود بالأساس إلى ذلك الإنسان الذي أيقظ على الحقيقة و الخراب والدمار التي خلفتها الحرب العالمية الثانية من جراء وصول الفاشية والنازية إلى سدة الحكم في بعض البلدان- وهي أن الإنسان هو أساس كل شيء ، هو أساس الإنتاج والرفاهية والعدل والأمن والسلام ، وإن تمتعه بحقوقه وحرياته الأساسية يعتبر ركيزة أساسية ولا غنى عنها في بناء مجتمع دولي ووطني ينشد هذه الأهداف والآمال .

ويجب أن لا ننسى أن بعض من الدول المنضوية في هذه الميثاق عدلت قانونها الداخلي بما يلائم بنود هذه الاتفاقية كسويسرا والدانمارك وبعضها تطبقه كقانون داخلي بل وأعلى مرتبة من القانون الداخلي.(11)

 

ب- الاتفاقية الأمريكية:

إن المصادر القانونية لحقوق الإنسان في الدول الأمريكية يكن أن نجدها في وثيقتين أساسيتين وهما :

1- ميثاق بوجوتا لعام 1948 المنشئ لمنظمة الدول الأمريكية وتعديلاتها- حيث تم التوقيع على هذه الاتفاقية في 30/نيسان/ 1948 ودخلت حيز التنفيذ في 13/ديسمبر/1951.

2- الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان عام 1969.

في البداية لم يتضمن الميثاق الأمريكي نصوص تفصيلية لحقوق الإنسان ، وإنما مجرد إشارة لهذا الحقوق . كما أن الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان وواجبات الإنسان الصادر مع ميثاق بوجوتا 1948 لم يكن له الصفة القانونية لكي يلزم  الدول الأمريكية . وبعد قيام المنظمة الأوربية لحقوق الإنسان . نشطت أجهزة الدول الأمريكية على غرار أجهزة منظمة مجلس أوروبا في مجال حقوق الإنسان . حيث أدخلت تعديلات موسعة على ميثاق بوجوتا . منها نصوص تتضمن  مستويات لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والعلمية والثقافية . وبما أنه لم يكن ذلك كافياً في مجال حقوق الإنسان وخاصة بعد صدور العهدين الدوليين . فقد أسرعت أجهزة المنظمة الأمريكية في أعداد اتفاقية أمريكية لحقوق الإنسان على نمط الاتفاقية الأوربية وعقدت مؤتمر خاص للدول الأمريكية في سان خوسه عاصمة كورستاريكا من 7-12/نوفمبر /1969.صادق المؤتمر على هذه الاتفاقية ودخلت حيز التنفيذ في 18/حزيران /1978 وأصبح قانوناً تلتزم به الدول التي صادقت عليه.

 

ج : الاتفاقيـة الأفريقيـة :

تعتبر القارة الأفريقية هي القارة الثالثة التي يتبنى قانوناً دولياً وضعياً لحقوق الإنسان . حيث أقر المؤتمر الأفريقي الثامن المنعقد في نيروبي من 24-27/حزيران/1981 الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب ودخل حيز التنفيذ في 21/تشرين الأول/1986. جاء هذا الميثاق بعد كفاح مرير وشاق خاضه المدافعون عن حقوق الإنسان في أفريقيا . حيث مارس حكام هذه الدول وبالأخص العسكريون منهم جميع أنواع القهر وانتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية .

عند مقارنة المواثيق الإقليمية الثلاث يلاحظ تدرجاً في قوة التطبيق ، حيث يتصدرها الميثاق الأوربي ، لأنه يتضمن وسائل تطبيق من خلال لجنة حقوق الإنسان والمحكمة الأوربية، وإمكانية تقديم أي شكوى ضد الحكومة ، والحق العام الأوربي يشجع على احترام حقوق الإنسان ، حيث تزعن السلطات لسيادة القانون وقرارات وأحكام اللجنة والمحكمة . أما الميثاق الأمريكي فقد نص أيضاً على لجنة ومحكمة لحقوق الإنسان ، ولكن الفعالية التي يتلمسها المرء في اللجنة والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان لا يجد نظير لها في أمريكا اللاتينية . ويأتي الميثاق الأفريقي في الدرجة الثالثة حيث يخلو هذا الميثاق من محكمة أفريقية لحقوق الإنسان فضلاً عن ضعف الصياغة القانونية لجهة الالتزام من قبل الحكومات الأفريقية إزاء موضوعات حقوق الإنسان .

 

د- الاتفاقيـة العربيــة :

لدى البحث في جعبة الدول العربية ، لا يجد المرء ما يمكن أن نسميه بالشرعة العربية لحقوق الإنسان . أي أن الدول العربية لم تقترب من حقوق الإنسان ، باعتمادها وثيقة عربية كما فعلت القارات الثلاث الآنفة الذكر . خلال فترة الانتدابات على الشعوب العربية وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية خاضت الشعوب العربية وكافة الأقليات القومية معركة حرية الوطن واستقلاله وقدمت ضحايا كثيرة وأرواحاً بريئة، ولكن حقوقه كإنسان بقيت طي النسيان يحجمها الشعار الكبير ((النضال من أجل الاستقلال الوطني)). وقلة قليلة من المهتمين والمتنورين رفعوا الصوت عالياً تدافع عن حقوق الإنسان في العيش بكرامة والتمتع بحرياته الطبيعية . لأن الإنسان المحروم من حقوقه الطبيعية لا يمكنه الدافع عن الوطن . يصف الكاتب رئيف خوري حال الإنسان العربي خلال هذه الفترة في كتابه حقوق الإنسان ((بعض أجزاء بلادنا العزيزة يعامل العربي معاملة تخجل منها القرون الوسطى))  .(12)

بعد أن تحرر الدول العربية وحققت استقلالها الوطني . صادقت معظم الدول العربية على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والمواثيق الخاصة بالإضافة إلى انضمامها إلى الأمم المتحدة، ورفضت الدول العربية التي تعتمد التشريع الإسلامي المصادقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان . بالرغم مما نص عليه التشريع الإسلامي من تكريم الإنسان وتفضيله على سائر المخلوقات ، ومن مبادئ سامية تستهدف مصلحة الإنسان . ولدى مراجعة دساتير الدول العربية التي صادقت على الشرعة الدولية يجد المرء بأنها تنص على معظم ما ورد في تلك المواثيق الدولية . ولدى البحث في أرض الواقع يجد المرء في كلا النظامين ، أن الإنسان في الدول العربية محروم من أبسط الحقوق الإنسانية الطبيعية التي يتمتع بها الإنسان في العديد من بلدان العالم . ويرجع بعض السياسيين والمثقفين، تجميد العمل بمبادئ الدستور الوطني (وجود الخطر الإسرائيلي) . فبحجة الحرب مع إسرائيل ثم تجميد التشريعات الوطنية وحل محلها التشريعات الاستثنائية (قانون الطوارئ والأحكام العرفية) . فهذا المناخ الذي يعيشه الإنسان في هذه الدول ، وصفه الكاتب فؤاد زكريا في كتابه ((خطاب إلى العقل العربي)) على الشكل التالي ((لو تساءل المرء عن الصفة الأخلاقية التي يراد من الإنسان العربي أن يتحلى بها في كافة مراحل عمره ، وفي جميع الميادين التي يتفاعل معها خلال حياته العامة والخاصة ، لكانت هذه الصفة على الأرجح هي الطاعة)) .(13)

إن تجريد الإنسان في هذه البلدان من القيام بأي دور فعال وإيجابي في حياة بلاده السياسية وعزله عن قضاياه الكبرى من سياسية واقتصادية وثقافية الخ. أدى إلى غربته عن الوطن وشعر كأن الأحداث التي تعصف بوطنه تجري في عالم آخر. فقد سئل ارسطو يوماً عن سر سلبية الشعوب وعدم مشاركتها في التصدي للأخطار التي تحيط بأوطانها . أرجع ذلك إلى ((طغيان حكامها، وقيام هؤلاء الحكام بتشييد عروشهم على تدمير روح محكوميهم وزرع الضعف والإستكانة في نفوسهم ومنعهم عن ممارسة حقوقهم السياسية)) .(14) 

إن ما فعلته الدول العربية في مجال حقوق الإنسان حتى الآن هو إنشاء لجنة عربية لحقوق الإنسان بموجب قرار الجامعة العربية الصادرة في 3/أيلول/ 1968. عقب هزيمة حزيران 1967. وجاءت هذه الثمرة بناء على طلب الأمم المتحدة وليست بمبادرة عربية خاصة. وكلفت هذه اللجنة من قبل الجامعة العربية في 11/آذار/1979 بأعداد مشروع ميثاق عربي لحقوق الإنسان . قررت مجلس الجامعة العربية إحالة المشروع إلى الدول العربية لإبداء الرأي بتاريخ 31/آذار/1983. لكن الدول العربية لم تتحمس لهذا المشروع إذ لم ترسل سوى أربع دول ملاحظاتها .(15)  تم صياغة المشروع بعد ورود تلك الملاحظات ولم يتخذ بشأنه قراراً حتى اليوم .

يتألف المشروع من ديباجة وخمس وستون مادة . تتضمن: الحق في الحياة بموجب القانون الحق في سلامة الشخص- عدم إجازة القبض إلا بسند قانوني- حرية التنقل والمغادرة حرية إبداء الرأي والتعبير- استقلال القضاء- حق الجنسية- حرية تشكيل الجمعيات والأحزاب السياسية. كما تضمن المشروع وسائل تطبيقية لهذه المواد وهي اللجنة والمحكمة العربية لحقوق الإنسان.

وخلال مؤتمر عن العدالة الجنائية وحقوق الإنسان المنعقد بالمعهد العالي للدراسات العليا في العلوم الجنائية بمدينة سياكوزا بإيطاليا عام 1985. أبدى أساتذة القانون العرب عن استعدادهم لوضع مشروع اتفاقية عربية عامة لحقوق الإنسان . عقد المعهد المذكور مؤتمر للخبراء العرب من /5-12/كانون الأول/1986. أسفر عن هذا المؤتمر مشروع ميثاق لحقوق الإنسان والشعب في الوطن العربي . تضمن الميثاق ديباجة وجمس وستون مادة ,  تتناول الحقوق السياسية والمدنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية في الإطار العام للشرعة الدولية . بالإضافة إلى لجنة ومحكمة عربية لحقوق الإنسان .

بالرغم من السعي الدائم من قبل المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب بمطالبة الحكومات العربية لاحترام حقوق الإنسان الأساسية . كون الإنسان هو السلاح الأول في أية معركة كانت . الا أن هذا النداءات لم تلق آذان صاغية ((إننا مع تقديرنا الكامل لمعركة أمتنا المصيرية مع الصهيونية والإمبريالية ومتطلباتها ، ومع إدراكنا للتحولات الاجتماعية والاقتصادية وظروفها لابد أن نؤمن بأن الإنسان العربي هو سلاحنا الأول في هذه المعركة . وهو أداتنا الأول وهدفنا الأول في هذه التحولات المأمولة، وما لم يطمئن هذا الإنسان على حريته وكرامته وعلى حقوقه وأهدافه. فسنظل ندور في حلقة مفرغة على طريق الثقة بين الحاكم والمحكوم)) .(16)

وبالرغم من أن ليس بمقدور أي نظام أن يخفي ما يجري من انتهاكات عن أعين العالم ، ولم يعد بخاف على أحد بأن موضوع حقوق الإنسان أصبح من الموضوعات الأساسية في هذا العالم ، ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين مازال الإنسان في هذه المنطقة الحساسة من العالم محروماً من حقوقه الإنسانية الأساسية . هذه الحقوق التي أكدتها الشرائع السماوية والقوانين والمواثيق الدولية الوضعية . مازال هذا الإنسان يحلم بأن يمتلك حق الحوار. ولكي يمارس الإنسان هذا الحق يجب أولاً وأخيراً أن يتمتع بحقوقه كإنسان ، وإن ممارسة الحوار تقتضي الضرورة تعميم الديمقراطية لأنها السبيل المجرب لضمان حق الفرد بممارسة حقوقه كإنسان . وهنا لا يسعنا إلا أن نقدم مقتطفات من كلمة المسرحي السوري الكبير سعد الله ونوس التي ألقاها باسم المسرح العالمي في آذار 1996 ((لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي عنوان وثيق بالحاجات التي يلبيها المسرح ، ولو على مستوى رمزي، لأخذت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان (الجوع إلى الحوار) . حوار متعدد، مركب، شامل ، حوار بين الأفراد، حوار بين الجماعات ، ومن البديهي أن الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية واحترام التعددية)) .(17)

وأخيراً لا بد من التأكيد على حقيقة، أنه مازال الإنسان في الوطن العربي محروماً بما يتمتع به أخيه الإنسان في الأمم الأخرى من مواثيق واتفاقيات بشأن حقوق الإنسان لأن الشعوب العربية في نظر حكامهم ليسوا بحاجة إلى قوانين واتفاقيات لحماية حقوقهم الطبيعية لأن هذه الحقوق تدخل في باب الكماليات ، وهذه النظرية (المستوردة) لا تتماش مع واقع الدول العربية وتتناقض ومتطلبات التنمية ومقاومة التخلف الاقتصادي والثقافي والاجتماعي الخ؟!. وليس بحاجة أصلاً إلى حرية الفكر والرأي والتعبير لأن الحكام هم يخططون ويفكرون وينفذون وهذا الإنسان بحاجة أولاً وأخيراً إلى المأكل والمشرب فقط؟!!!

 

II- المصـدر الـوطـني :

يعتبر هذا المصدر هو الأساس وله الأولوية على المصدر الدولي في الحماية الوطنية لحقوق الإنسان . أي أنه يمثل خط الدفاع الأول في حال حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان استناداً إلى المادة /41/ من العهد الدولي للحقوق المدنيـة والسياسـية والمادة /5/ من البروتوكول الاختياري والفقرة السادسـة من القرار رقم /1503/ الصادر عن المجلس الاقتصادي للأمم المتحدة تاريخ 27/ أيار/ 1970. فعلى الضحية أولاً البحث عن وسائل الدفاع والحماية في القانون الوطني سواء أكان هذا القانون دستوراً أو تشريعاً عادياً أو عرفاً ملزما ً. فيجب تطبيق هذا القانون أولاً فبل اللجوء إلى أي مصدر دولي . إذاً يتطلب من المدعي فرداً أم دولة ، استنفاذ وسائل الدفاع المحلية قبل اللجوء إلى وسائل الدفاع الدولية والمقصود بالمصدر الوطني ما يرد من نصوص متعلقة بحقوق الإنسان في الدستور والتشريع والعرف فضلاً عن أحكام المحاكم الوطنية .

 

III- المصـدر الـديـني :

يعتبر هذا المصدر مصدراً آخر من مصادر القانون الإنسان حيث يعتبر بعض الدول الإسلامية التي ليس لها دستوراً مكتوباً أن القرآن والسنة النبوية دستورها وتشريعها المدون . بحيث ترجع حقوق الإنسان إلى ما ورد بشأنها من آيات وأحاديث فضلاً عما ورد في سيرة الخلفاء الراشدين وفقه الأئمة المعتمدين . بمعنى أن المصادر القانونية لحقوق الإنسان في تلك الدول تتمثل دستوراً وتشريعاً في الشريعة الإسلامية أساساً للحكم في الدولة وأساساً لحقوق الإنسان . أما الدول الإسلامية التي وضعت لنفسها دساتير مكتوبة وتشريعات في حقوق الإنسان فإن الشرعة الإسلامية تظل مصدراً احتياطياً إلى جانب المصدر الرسمي المباشر فيما لم يرد بشأنه نص في الدستور أو التشريع .

المراجــــــع :

1 - حقوق الإنسان مجلد 1-2-3-. أعداد الدكتور محمود بسيوني والدكتور محمد سعيد الدقاق والدكتور عبد العظيم. منشورات دار العلم للملايين ط أولى 1989.

2 - مجلة الطريق العدد الثالث لعام 1996 والعدد الثاني والرابع لعام 1998.

3 - مجلة المحامون السورية مجلدات أعوام 1971- 1978- 1979.

4 - حقوق الإنسان في الوطن العربي . مجموعة مؤلفين- مركز دراسات الوحدة العربية .

5 - حقوق الإنسان في الوطن العربي . حسين جميل - - مركز دراسات الوحدة العربية .

الهوامش :

1.                  مجلة المحامون السورية مجلة عام 1978.

2.                  المصدر السابق .

3.                  حقوق الإنسان مجلد 1.

4.                  المصدر السابق.

5.                  المصدر السابق .

6.                  المصدر السابق .

7.                  المصدر السابق .

8.                  المصدر السابق.

9.                  المصدر السابق .

10.                 باستثناء تركيا وبعض تحفظات من أسبانيا والبرتغال .

11.                الدول المنضوية والمصادقة على هذا الميثاق هي: فرنسا- بريطانيا- ألمانيا- هولندا- إيطاليا- بلجيكا- لكمسيد- ج- ايرلندا- النروج- السويد- النمسا- سويسرا- إمارة ليشتنس- اليونان- قبرص- مالطا- أسبانيا- البرتغال- تركيا.

12.                مجلة الطريق العدد الثاني لعام 1998.

13.                المصدر السابق.

14.                المصدر السابق .

15.                السودان- القطر- البحرين- تونس .

16.                من كلمة الأمين العام لاتحاد المحامين العرب الأستاذ شفيق الرشيدات المقدم المؤتمر العام لاتحاد المحاميين العرب في تونس، مجلة المحامون العرب مجلد عام  1979.

17.                مجلة الطريق العدد الثاني لعام  1998.       

هذا الفصل من دراسة بعنوان  ( الديموقراطية و حقوق الإنسان في ظل القوانين الإستثنائية )

   حلب

   شتاء 1998

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]