نوروز

 

Newroz

   أيام في كردستان...(1)...(2)...(3)

 

بقلم : د. أحمد أبو مطر ـ أوسلو

Puk.media

موقع نوروز 8/12/2004

أيام في كردستان(1)

منذ سنوات ، تعود إلى أيام عملي أستاذا في جامعة البصرة ( 80 – 1981 )، إكتشفت حجم الجرائم والتعديات اللاإنسانية التي ترتكب بحق الشعب الكردي، وعلى الفور كلاجىء ومشرّد فلسطيني ، كنت أقارنها بالجرائم والتعديات التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني ، فأجدها متشابهة ، وإن كانت لدى الشعب الكردي تزيد بنسب عالية في العدد والنوع، وعلى سبيل المثال :

 

أولا: تعرض الشعبان الفلسطيني والكردي إلى الإستيلاء على وطنيهما التاريخيين، الشعب الفلسطيني من قبل الحركة الصهيونية التي أقامت علية ماعرف بدولة إسرائيل، والشعب الكردي من قبل الدول والتحالفات التي قسّمت وطنه القومي التاريخي، وألحقتة بالدول المجاورة: العراق، سوريا، إيران، تركيا، روسيا، وضاعت بالتالي الوحدة الجغرافية لكردستان.

 

ثانيا: مورس على الشعبين محاولات متواصلة لمحو وتفتيت الهوية القومية، وتحديدا عبر منع وتجريم إستعمال اللغة القومية لكل من الشعبين، ولكن دولة إسرائيل كانت أرحم وأكثر تحضرا وإنسانية في هذا المجال من غالبية الدول الخمس التي تم توزيع الوطن القومي الكردي عليها ،فقد تراجعت إسرائيل عن محاولاتهاهذه، وصار بإمكان الفلسطينيين في دولة إسرائيل إستعمال لغتهم العربية، وفتح مدارسهم وكلياتهم ومعاهدهم وجامعاتهم الخاصة، والغناء بلغتهم وفولكلورهم ، مما نتج عنه حركة ثقافية وفنية لدى فلسطينيي إسرائيل، لاتقل عمقا وتنوعا عن الثقافة العربية في أية دولة عربية ، بدليل ظهور الأسماء المعروفة عربيا وعالميا مثل: سميح القاسم، إميل حبيبي،توفيق زياد،محمود درويش، توفيق فياض...وغيرهم العشرات...في نفس الوقت كانت أغلب الدول التي توزعت الوطن القومي الكردي، تمنع وتجرّم إستعمالهم للغتهم الأم الكردية، ففي سوريا وتركيا وإيران وروسيا ، محظور إستعمالهم للغة الكردية حتى في داخل بيوتهم ، وهذا الظلم والإجرام، لم تمارسه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.

 

ثالثا: النضال الطويل والمرير للشعبين عبر كافة الوسائل السلمية والعسكرية لنيل حقوقهم، فكانت المقاومة الفلسطينية شبيهة ومماثلة في الوسيلة والهدف للمقاومة الكردية، والمفارقة الجميلة أنه في الوقت الذي كان مقاتلو الشعبين يحملون السلاح ويطلقون الرصاص على أعدائهم، كان العديد من الشباب الكردي يحمل السلاح في صفوف المقاومة الفلسطينية في الأردن ولبنان...ولن أنسى الشاب الكردي ( فريد ) الذي جاء معنا عام 1968 من الكويت ليلتحق بقواعد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في جرش الأردنية، وشارك فعلا في عدة عمليات داخل الضفة الغربية المحتلة، وكان عندما يريد أن يمازحنا، يرد علينا التحية باللغة الكردية ، وعندما نضحك ونطلب منه إسماعنا المزيد منها، كان ينطلق يغني لنا أغنيات ثورية ومقاومة، وعندما نصفق له مبتهجبن متضامنين، بعقب قائلا: ( والله زين...أغنّي بالكردي وما في حدا يمنعني أو يجرّني للسجن، كما في سوريا وإيران وتركيا !!.). وذات مرة سألت ( فريد ): لماذا جئت تقاتل معنا ؟. لماذا لم تلتحق بصفوف المقاومة الكردية في العراق أو تركيا أو إيران؟. كان يجيبني : يا أخوي..النتيجة واحدة..تحرير فلسطين دعم للمقاومة الكردية، وتحرير كردستان دعم للمقاومة الفلسطينية...وغير فريد ، كان في صفوف المقاومة الفلسطينية العديد من الشباب الكردي، ومنهم من إستشهد في الأردن ولبنان.

 

رابعا: محاولات التهويد ضد الفلسطنيين في إسرائيل، والتعريب ضد الأكراد في سوريا والعراق، والتتريك في تركيا، وفرض الهوية الإيرانية في إيران، وأيضا كانت المحاولات الإسرائيلية أرحم بكثير من محاولات الدول المحتلة للوطن القومي الإيراني، وما نعرفه من معايشاتنا في العراق، محاولة نظام الطاغية صدام ( تعريب ) بعض المناطق الكردية، عبر تهجير سكانها إلى بغداد، وإسكان عرب محلهم ، وهذا ما يفسر بعض المشاكل الديموغرافية الحالية في بعض المدن مثل كركوك، ونفس المحاولات مورست ببشاعة متناهية في إيرام وتركيا. من هذه الخلفية، كان إنحيازي مبكرا لحق الشعب الكردي، وتضامني مع نضالاته، إزاء كل الظلم والعنصرية التي تمارس ضده في كل المجالات. لذلك، عندما وصلتني الدعوة من الإتحاد الوطني الكردستاني، لزيارة إقليم كردستان في العراق ، لم أصدق في البداية، وعندما تأكدت من جدّية الدعوة لم أتردد، رغم مشقة السفر التي سمعت عنها من بعض الأصدقاء الأكراد في أوسلو...فأية مشقة لا تساوي شيئا بالنسبة للقاء الشعب الكردي في وعلى جزء من أرضه ووطنه التاريخي، وبالنسبة لي كنت أتخيل تلك اللحظة لا تختلف عن وصولي زائرا عام 1999 لمسقط رأسي ( بئر السبع )، بعد غياب وتشريد خمسين عاما...سافرت جوا من أوسلو صباح السبت الموافق الثالث عشر من نوفمبر لعام 2004 ، إلى كوبنهاجن العاصمة الدانمركية، حيث إلتقيت صديقي القاضي العراقي الأستاذ زهير كاظم عبود القادم من السويد، والذي سنكون معا في تلك الزيارة....من كوبنهاجن إلى إستانبول جوا ، ومن إستانبول إلى ( ديار بكر )، حيث أمضينا ليلة في الفندق في إنتظار الصباح للسفر برا إلى نقطة الحدود الكردية. إستقلينا سيارة أجرة تركية ، وأنطلقت بنا نحو الحدود مع كردستان ، وقبل الوصول بساعة ونصف ، سلّمنا لسائق تركي آخر ، دون علمنا أو موافقتنا ، وبعد نصف ساعة أوقف سيارته ليفرّغها من البنزين ، كي يملأها من الحدود الكردستانية، لأن البنزين أرخص، وكان علينا أن ننتظر رغم أنوفنا ، خاصة أن وسيلة التفاهم معدومة ، فالطيران للفضاء أسهل من العثور على مواطن تركي، يتحدث الإنجليزية، خاصة في مطاري إستانبول و ديار بكر ، والحدود التركية مع كردستان.. ..أما المعاملة والروتين في الحدود التركية، فحدّث دون حرج ، وقد تبادر لذهني فورا الشروط والضوابط والموانع الأوربية دون دخول تركيا الإتحاد الأوربي ، ففي ذلك ظلم للطرفين!!. إعتقدت أننا على وشك الإنتهاء من الإجراءات ، وفجأة سألني الجندي التركي. ما هي مهنتك؟ أجبته . صحفي!. فأنزلنا من السيارة، ليسأل من جديد، ويسجل بيانات جوازي، والصحيفة التي أعمل فيها ، دون أن يعي شيئا ، فلا فرق إن سجّلت إسم صحيفتك ( بندورة ) أو ( محشي كوسا ).

 

عندما وصلت السيرة إلى نقطة الحدود الكردستانية ، أعلنت إسلامي من جديد، صارخا بشكل لا شعوري: أشهد أن لا إله إلا الله ،وأشهد أن محمدا رسول الله... وربما على إعتبار أن ما شهدته في الحدود التركية ، يكفّر ولا بد من إعلان الشهادتين من جديد....كان وصولنا ظهر الأحد الموافق الرابع عشر من شهر نوفمبر ، وقد صادف أول أيام عيد الفطر. كانت المفاجأة لي شديدة، عندما عرفت أن نقطة الحدود الكردية إسمها ( إبراهيم الخليل )، نسبة إلى سيدنا إبراهيم، فتذكرت مدينة الخليل الفلسطينية ، و الحرم الإبراهيمي المشهور فيها . وهنا قلت لنفسي : سبحان الله..هذا قاسم مشترك جديد بين الشعبين الكردي والفلسطيني، إضافة إلى القواسم المشتركة التي ذكرتها...وحسب التاريخ ، فهو نفسه سيدنا إبراهيم ، عبر ترحاله من كردستان إلى فلسطين ، فسميت هذه النقطة الحدودية بإسمه ، وأقام في فلسطين ، فسميت مدينة الخليل بإسمه وكذلك حرمها الإبراهيمي الشهير ، الذي يعتبر مزارا للمسلمين واليهود، وتم إقتسامه عام 1996 ، ليصلي المسلمون في قسم ، واليهود في القسم الثاني. تشعر بفارق المعاملة في نقطة إبراهيم الخليل منذ اللحظة الأولى. الموظفون بملابسهم الأنيقة، يرحبون بك بإنسانية وخلق، دون أن يعرفوك ، مرددين: كل عام وأنتم بخير..مقدمين لنا الشوكولاته والشاي...ثم إنتقلنا إلى مكتب العلاقات العامة التابع إلى الإتحاد الوطني الكردستاني ، حيث نفس الترحيب والمعاملة . إستقلينا السيارة المرسلة لنقلنا من الإتحاد الوطني الكردستاني ، وبعد سفر أربع ساعات من ( زاخو ) ، عبر طبيعة خلاّبة ، وجبال إرتوت بدماء الفدائيين الأكراد ( البيشمركة )، وصلنا إلى مدينة السليمانية ، مقر إقامتنا طوال أيام الرحلة الكردية المثيرة، المليئة بالمعلومات والإنطباعات...فمن السليمانية إلى حلبجة إلى دوكان إلى شقلاوة ...الكثير مما سيحكى في حلقات قادمة!!.

 

أيام في كوردستان ! (2)

 

وصلنا مساء الأحد الموافق الرابع عشر من نوفمبر ، إلى مدينة السليمانية عبر الطرق التي حدّدها مرافقونا من قبل الإتحاد الوطني الكوردستاني، متحاشين المرور بالمناطق التي تشهد أعمال عنف كمدينة الموصل، وتوجهنا إلى مكان إقامتنا في فندق ( السليمانية بالاس ). كان يوم وصولنا اليوم الأول لعطلة عيد الفطر المبارك، فأخلدنا للراحة من مشقة وعناء السفر ليومين متواصلين . في اليوم التالي ، كان لقاؤنا الأول مع الزميل ( مصطفى صالح كريم )، نائب رئيس التحرير لجريدة ( الإتحاد ) اليومية الناطقة بالعربية بلسان الإتحاد الوطني الكوردستاني، ومن اللحظة الأولى شعرت أن هذا الشخص قد قابلته مرارا من قبل ، فالإبتسامة والبساطة لا تفارقه ، بالإضافة لسحر وجاذبية إسمه...تخيلوا..مصطفى ..و صالح ..و كريم...لذلك كان يحلو لي مناداته: المصطفى الصالح الكريم!!!.كما أنه يتكلم العربية بطلاقة ، وهذه ميزة عند غالبية الإعلاميين والسياسيين الأكراد الذين قابلناهم، من الأستاذ ( مام ) جلال الطالباني، والأستاذ أنو شيروان، والعديد من الإعلاميين، على سبيل المثال فقط ، الأساتذة : جوهر كرمانج ، وفريدزامدار، وغالبية العاملين في القسم العربي للإعلام الذي يصدر يومية ( الإتحاد ) باللغة العربية. وميزة التحدث باللغة العربية، تجدها شائعة لدى الغالبية العظمى الحالية من الشعب الكردي، ورغم أنها ميزة ، إلا أنها تكشف من وجه آخر عن تسلط وظلم ، فما دامت القوميتان ( العربية والكوردية )،تتتقاسمان العيش في الوطن العراقي ، لماذا كان مفروضا على الكورد تعلم اللغة العربية، ليس في مدارس بغداد والمدن الأخرى، ولكن في محافظات إقليم كوردستان ذاتها ، في حين لم يكن مفروضا على المحافظات العراقية العربية، تعلم اللغة الكوردية؟.وهذه الحالة ليست في العراق فقط ، فهي ظاهرة تسلط الأغلبية في العديد من الأقطار ، ففي جزيرة قبرص ،وقد عملت وعشت فيها، فقد عانت من تسلط الأغلبية اليونانية، عبر فرض اللغة اليونانية على الأقلية التركية، فكان جميع القبارصة الأتراك يتكلمون اللغة اليونانية ، بينما القبارصة اليونانيين لايتكلمون ولا يفهمون اللغة التركية، ومع زيادة التسلط والظلم ، كان الإجتياح العسكري التركي لشمال قبرص عام 1974 ، حيث موطن الأقلية التركية ، وتم تقسيم البلاد بإعلان جمهورية شمال قبرص، الذى مضى عليه الآن ثلاثون عاما ، وكنتيجة فإن وقف تدريس وإستعمال اللغة اليونانية ، نتج عنه جيل قبرصي تركي، لا يعرف ولا يتعلم اللغة اليونانية ، مما يعني أنه بعد عشرين عاما تقريبا، لن تجد مواطنا قبرصيا تركيا، يعرف اللغة اليونانية، إلا إذا سعى هو لتعلمها كلغة أجنبية. وأعتقد أن الوضع في إقليم كوردستان، سيكون مختلفا قليلا، بعد الإقرار الرسمي القانوني الدستوري لمسألة الفيدرالية كمطلب كوردي، ففي هذه الحالة التي تعني تعايش متساو لقوميتين في وطن واحد موحد، يعني أن تكون اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية الأولى في إقليم كوردستان، وتدرّس اللغة العربية كلغة ثانية إجبارية، وفى القسم الفيدرالي العربي ، تدرس اللغة العربية كلغة رسمية ، وبجانبها تدرّس اللغة الكوردية كلغة ثانية إجبارية، وهذا هو منطق التحضّر والعيش المشترك بعيدا عن تسلط الأغلبية أو الأقلية، وهو منطق الدول والشعوب التي تسعى لطمر الخلافات والإقتتال، كي تتفرغ للبناء والتقدم، قافزة على أمور ومسائل شكلية، لايجعلها جوهرية سوى التعصب وشهوة الظلم والبغي...وفي الحالة البلجيكية والكندية مثال حيّ وماثل لمن يريد أن يسير على طريق الشعوب المتقدمة . ففي كندا ، اللغة الفرنسية هي الرسمية في إقليم كويبك، ولكن الإنجليزية تدرّس معها، وبالتالي كل سكان الإقليم يتكلمون اللغتين بنفس المستوى، وفي إقليم تورنتو ، اللغة الإنجليزية هي الرسمية، ولكن سكان الإقليم يدرسون الفرنسية معها، وبالتالي كل سكان الإقليم يتكلمون الإنجليزية والفرنسية بنفس المستوى.....وأنظروا الفارق الحضاري بيننا وبين بلجيكا وكنداّّ!!!. زيارات ولقاءات في السليمانية أول ما يلفت نظر الزائر إلى مدينة السليمانية ، هو الإزدحام في شوارعها النظيفة ، والحركة في أسواقها المفتوحة على كل المنتجات من كل أسواق العالم ، بما فيها المنتجات المحلية التي لاتقل جودة عن البضائع الغربية...ولأن زيارتنا صادفت في أيامها الأولى إجازة عيد الفطر المبارك ، فقد كان منظر الأطفال والنساء والرجال بملابسهم الكوردية الفولكلورية منظرا ينبىّ بفرح كبير وعارم ، خاصة كما فهمنا ممن سألناهم في شوارع السليمانية، أن هذه المظاهر وهذا الفرح لم يعيشوه سوى السنوات العشر الماضية عندما إنحسر نفوذ المجرم صدام وعصاباتة عن إقليم كردستان..وزاد الفرح والإطمئنان العام الماضي بعد سقوط النظام بلا رجعة ، فزالت كوابيسه من أحلام الشعب الكوردي، رغم أن نتائج ومظاهر جرائمه ، لايمكن محوها من الذاكرة والحلم الكوردي. كان منظرا مبهجا ، مئات الأطفال مع ذويهم يسرحون ويمرحون في مدينة ألعاب عصرية حديثة ، عرفنا من زملائنا الإعلاميين الكورد ، أنها أقيمت محل سجن من سجون الطاغية صدام...

 

وفي مدينة الألعاب للأطفال ، يطلب منّا مرافقونا تجميع أكبر قدر من الصبر ورباطة الجأش، فسوف نزور مبنى الأمن العام الذي كانت تستعمله شرطة ومخابرات الطاغية...مبنى الأمن العام ، وما أدراك ما هو مبنى العام؟!!. بناء من خمسة أو ستة طوابق ، محاط بسور عال ، وبجواره البيوت والفيلل التي كان يقيم فيها ضباط شرطة الطاغية ومخابراته. أعتقد أن هذا المبنى وما بداخله هو أفضل مكان لتصوير أفلام الرعب والتعذيب...زنازين السجن لاتزيد مساحاتها عن متر ونصف عرضا ، ومترين ونصف طولا، وفي أعلاها فتحة صغيرة لإدخال الهواء، وفي كل زنزانة كانوا يكدسون مالا يقل عن عشرة من المناضلين والسياسيين والمقاومين الكورد. أدوات التعذيب حدّث دون حرج: من العصي إلى أدوات الشبح إلى أعلى الحديدية، إلى أدوات الكي الكهربائية، وخارج المبنى مازالت بقايا الدماء في مجرور دموي طوله حوالي خمسة أمتار ، حيث كانوا يخرجون السجناء بعد تعذيبهم ، ليقرفصوا ويقذفوا الدماء التي تجمعت في حلوقهم وبطونهم من جراء الكي با لكهرباء أو تعليقهم لساعات من أرجلهم ورؤوسهم إلى الأسفل ...وفي ساحة المبنى ، تم تجميع أدوات التعذيب ، بجوار باقي دبابات ومدافع عصابة النظام التي تحصنت في المبنى عام 1992 ، وقد دارت معركة طاحنة ، إلى أن تمكن المقاتلون الكورد ( البيشمركة ) من إقتحام المبنى والقضاء على المجرمين الذين كانوا بداخله ، وتحرير ممن كان بداخله من سجناء عرب وكورد. و أقولها بصراحة و وضوح ، وليغضب من يغضب إن كانت الحقيقة تغضبه : إن ما شاهدناه في مبنى الأمن العام في مدينة السليمانية ، وما سمعناه من أفواه السجناء الذين بقوا على قيد الحياة، أتحدى أن يكون في السجون والمعتقلات الإسرائيلية مثيلا له!!!!. والجميع يسمعون ويقرأون عن إضرابات السجناء الفلسطينيين لتحسين أوضاعهم في السجون الإسرائيلية! هل كانت عصابات الطاغية تسمح بمجرد إحتجاج؟. ومن منّا لم يشاهد المناضل الفلسطيني ( مروان البرغوتي ) في قاعة المحكمة الإسرائيلية ،يصرخ بالموت للمجرم شارون، دون أن يستطيع أفراد الشرطة الإسرائيلية من ضربه أو المساس به . هذه هي الحقيقة ، وليست تسويقا للإحتلال...فالإحتلال مرفوض...مرفوض!!!.

 

من مناظر الدم والتعذيب إلى الشعر

 

في اليوم التالي ، ربما شعر زملاؤنا الإعلاميين الكورد ، بأن زيارة مبنى الأمن العام ، تغمّ النفس، وتفقدك الشهية لكل شيء حتى الطعام ، فأخذونا لزيارة مختلفة ، لنرى ونصافح ونسمع الإبداع الكوردي ، فكانت زيارتنا للشاعر الكوردي المعروف والمشهور ( شيركو بيكه س ). دخلنا مكتبه ‘، فبادرنا بتحية شاعرية ، لنعرف بعد ذلك أنه من مواليد مدينة السليمانية عام 1940 ، وكان والده أيضا من الشعراء الكورد المعروفين ( فائق بيكه س ) ، وكان شاعرا وطنيا في زمن الإحتلال البريطاني للعراق. أول ديوان نشره ، كان بعنوان ( وميض القصيدة )في بداية الستينيات ، ثم توالت إصداراته الشعرية والإبداعية ، التي بلغت أكثر من ثمانية عشر مجموعة شعرية باللغة الكردية. وقد ترجمت دواوينه إلى العديد من اللغات : الإنجليزية ، الفرنسية ، الألمانية ، الإيطالية ، السويدية ، المجرية ، التركية ، الفارسية ، والعربية ، التي أهدانا بها ديوانيه : ( أنشودتان جبليتان ) و ( الصليب والثعبان : و يوميات شاعر ) ، وسأحاول تقديمهما للقارىء العربي في مقالة قادمة ‘ خاصة أن الشاعر ممن ساهموا في حركة النضال الكوردي بكافة أنواعه ، بما فيه المسلح ، وتعرض للملاحقة والنفي من موطنه كوردستان إلى مدينة هيت ...يقول الشاعر (شيركو بيكه س ) في ديوانه ( الصليب و الثعبان ) الذي هو( مقاطع من قصيدة روائية ) :

 

بضعة أمثال لأبي حفره صليب قامتي على نفسه

 

أولا:

 

سأسحب السماء إلى الأسفل

 

وأنادي الرب إلى الأرض

 

كي أخبره:

 

هاهو الجحيم هنا

 

وهنا سيصبح الفردوس واقعا

 

هل كان الشاعر يحكي عن جحيم المجرم صدام ، وما كان يتوقعه من فردوس بعد إنحسار نظامه عن إقليم كوردستان ، ثم سقوطه وزواله عن كل العراق ؟!.

 

السليمانية ...مدينة عريقة ...أحتاج إلى عدة حلقات إن أردت التحدث عن كل الأماكن التي زرناها: المكتبه الوطنية العامة، مدهشة بأقسامها الكوردية والعربية ، وبقسم الكومبيوتر ، حيث يوجد في صالة واحدة عريضة طويلة ، بالضبط خمسون جهاز كومبيوتر مفتوحة على مدار الساعة للإستعمال المجاني لكل زائر بدون أية قيود أو تساؤلات...أما المحيط الجبلي المرتفع المحيط بالمدينة ، فليسأل عن جماله وأشجاره زميلنا الأستاذ( المصطفى الصالح الكريم ) الذي رافقنا وصعد بنا عدة مرات ، شارحا ومفصلا ، على حساب وقته وعمله ، وفي كل مرة ، يقول لك : الله بالخير!، فيسأل زميل مصري: الله..هو جرى الله حاجة. ويسألني عن الوضع السياسي ووجود قوات التحالف ، وهل هناك فتح لجبهات جديدة، فأجيبه : العلم عند الله ، ولكن النكتة السورية تقول:

 

عامل سوري ، يعمل في بغداد وتصادق مع جندي من المارينز، وقرر يوما العودة إلى سوريا نهائيا، واحتاج مبلغا من الدولارات، فسأل صديقه جندي المارينز: هل تعطيني سلفة خمسمائة دولار؟. فأجابه الجندي: مستعد أن أسلفك ألف دولار، ولكن كيف ستعيدها لي؟. فأجابه المواطن السوري مندهشا : شو..إنتو مو جايين على الشام؟؟!!!.

 

ويسألك أخبار مصر إيه ، فأجيبه بقصة حقيقية حصلت معي شخصيا في أكتوبر من عام 2003 ، عندما كنت أشارك في ندوة الإبداع الروائي العربي بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة في مصر. أخذت سيارة أجرة، وطلبت من السائق أن يوصلني إلى العتبة. كان يقود السيارة ، ويتطلع لي في المرآة، وفجأة سألني: البيه أنا شايفك فين؟. فأجبته : ما أظنش شفتني قبل كده!. قال: حضرتك بيتشتغل إيه؟. أجبته : صحفي ، فقال: إذن ده أنا شايفلك صور في الجرايد، وفجأة أوقف سيارته على اليمين بعصبية أخافتني ، وتطلع لي سائلا : فيك تقوللي ، أولاد الكلب الأمريكان، راحوا بغداد ليه..ليه ما أجوش الأول هنا ..عندنا في مصر !

 

ويطول الحديث ..وللحديث بقية !

 

الحلقة الثالثة القادمة : حلبجة..وما أدراك بجحيم حلبجة!!!.

 

أيام في كردستان ( حلبجة...وما أدراك بجحيم حلبجة )  (3 )

 

يوم السبت الموافق العشرون من شهر نوفمبر لعام 2004 ، سافرنا لزيارة مدينة حلبجة ، المدينة الكردية التي تبعد عن مدينة السليمانية حوالي ساعة بالسيارة . وكنّا قد أبلغنا عن زيارتها الليلة الماضية ، وعلى الفور تبادر إلى ذهني ما سمعته وما قرأته عن هذه المدينة ، وهو لا يعدو سوى أنها قد تعرضت لقصف بالأسلحة الكيماوية من جيش المجرم صدام حسين يوم السادس عشر من آذار/ مارس من عام 1988 ، وأنه قد قتل في ذلك القصف الهمجي الوحشي ، خمسة آلاف قتيل من الشعب الكردي، من الأطفال والنساء والرجال ، ثم أعقب ذلك إجتياح المدينة وتشريد من بقيّ حيا الى الجبال والسهول المجاورة ، وتدمير وتخريب كافة منشآت ومباني وبيوت المدينة. بدأت ليلا في غرفتي بالفندق ، أستعيد هذه المعلومات ، وأتساءل : هل هذا أمر من الممكن حدوثه ؟. هل من الممكن أن يقدم حاكم مهما بلغ حد إجرامه أن يقصف مدينة من وطنه بالأسلحة الكيماوية ؟. وعلى الفور تبادر إلى ذهني ( مذبحة دير ياسين ) التي إرتكبتها العصابات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني ، ليلة التاسع وصباح العاشر من نيسان / أبريل من عام 1948 ، وكانت النتيجة المأساوية كما أوردت الموسوعة الفلسطينية الرسمية في جزئها الثاني صفحة(435 )، أنه ( كان في القرية مايزيد على أربعمائة شخص ، وقد هرب ما يقارب الأربعين ، أما الباقون فقد ذبحوا دون تمييز وبدم بارد ) ، وهذا يعني أن العصابات الصهيونية قد قتلت من الفلسطينيين في يوم وليلة على الأكثر أربعمائة فلسطيني ، وما زلنا طوال نصف القرن الماضي ، ندرّسها في مدارسنا و جامعاتنا على أنها المثال الملموس على وحشية وهمجية العصابات الصهيونية ، وهي كذلك فعلا ، وتستحق أن نستمر في تدريسها وروايتها لقرون أخرى...ولكن في المقابل . هل هناك منهاج دراسي عربي ، أو مصدر عربي يذكر مذبحة حلبجة ، وهل هناك من يرويها لأولاده مثالا على إجرام الطاغية صدام وعصاباته الذي تفوق فيه بإمتياز مع مرتبة الإجرام الأولى على العصابات الصهيونية؟؟!!. وصلنا ظهر يوم السبت المذكور إلى حلبجة المأساة ، وتوجهنا مع مرافقينا إلى النصب الذي أقامته حكومة كوردستان تذكيرا بتلك الجريمة ، ويلفت إنتباهك على المدخل الرئيسي للنصب ، يافطة باللغات : الكوردية والعربية والإنجليزية ، تقول : ( ممنوع دخول البعثيين ) ، وهي جملة معبّرة لاتحتاج إلى توضيحات ، فسلوك حزب البعث ، كان وما زال سلوك دمويا و إجراميا ، فلم يستمر حكامه هذه السنوات الطويلة مستبدين بالبلاد والعباد ، إلا من خلال القتل والمذابح ، ولم يتوانوا عن قتل بعضهم وبالجملة من أجل الإستفراد بالسلطة التي جعلوا البلاد من خلالها مزارع خاصة لهم ولعائلاتهم . دخلنا النصب التذكاري لضحايا المجرم صدام وعصاباته في حلبجة ، وفتاة كوردية تجيد اللغة العربية ، تشرح لنا وتوضح ما بداخل النصب ، الذي هو أشبه بمتحف يضم أسماء وبقايا وتذكارات للضحايا ، والعديد من الرسومات واللوحات لفنانين كورد من مختلف أماكن إقاماتهم في العالم ، كل يصور المذبحة بإسلوبه الفني التشكيلي.......حلبجة..ماذا حدث ؟ وكيف حدث ما حدث ؟؟. في الربع الأول من عام 1988 ، كانت الحرب الصدامية ضد الجمهوية الإسلامية الإيرانية ، ما زالت مستعرة ، تحصد الآلآف من الجانبين ، وكان سكان منطقة حلبجة قد إعتادوا سماع إنفجارات القنابل والمدافع والصواريخ، خاصة بإتجاه مناطق : ( بالامبو ) و ( مه كر ) و ( شنروى ) ، وكذلك الغارات الجوية كانت مما تعود السكان على مشاهدته ومعايشته رغم الخسائر البشرية والمادية الفادحة...لكن الإنفجارات ونوع القذائف ليلة الثالث عشر والرابع عشر من شهر آذار- مارس لعام 1988 كانت مختلفة، مما حدى بالسكان إلى إعتلاء سطوح منازلهم ، محاولين معرفة نوع ما يجري . من سؤال إلى إستفسار إلى إتصال ، عرفوا أن هناك هجوم لقوات المشاه الإيرانية وقوات البيشمركه الكوردستانية ، يستهدف المناطق الحدودية المحيطة بحلبجة ، الهدف منه إحتلال المدينة.ولليوم التالي ، إستمرت الإنفجارات ، حيث بدأت مدفعية النظام بقصف عشوائي ، إستهدف المدينة من كل الجهات ، وعندما إقتربت القصف المدفعي من داخل المدينة ، في العلشرة من صباح اليوم التالي ، بدأ السكان محاولاتهم الخروج منها ، بأية وسائل نقل متاحة ، أو سيرا على الأقدام ، لايحملون أيا من حاجياتهم ، متوجهين نحو مدينة السليمانية، فواجهتهم الرشاشات من قوات الأمن والإستخبارات التابعة للنظام ، فسقط منهم العشرات بين قتيل وجريح. واستمرت المواجهات ، وتمكنت القوات الإيرانية من الإقتراب من المدينة ، والسيطرة على التلال والمرتفعات المحيطة، خاصة من جهة جبل ( بالانبو )الواقع جنوب المدينة . وفي مساء الرابع عشر من آذار – مارس ، دخلت قوات النظام المدينة ، هربا من المواجهة مع المدفعية الإيرانية ، وبإنتقال القتال إلى داخل المدينة ، سقط العشرات من القتلى والجرحى. وبعد مواجهات دامية ، تمكنت القوات الإيرانية من السيطرة على الشارع الرئيسي المؤدي إلى حلبجة وعلى جسر ( زه لم ) ، الذي حدثت مجزرة رهيبة فوقه ، وبذلك أصبحت مدينة حلبجة خلف القوات الإيرانية ، وبالتالي إنقطعت السبل في وجه من يريد مغادرة المدينة والفرار منها . في هذه الأثناء ، بدأت قوات النظام وأجهزة مخابراته بالفرار باتجاه مدينة السليمانية ، ومن خلفهم يسطر الرعب والموت العشوائي على من تبقى في مدينة حلبجة من سكان، بدون مأوى آمن أو مواد طبية وغذائية ، وبإنتقال الخطوط الأمامية لقوات النظام إلى الغرب من سهل ( شارزور )، أصبحت مدينةحلبجة تحت سيطرة القوات الإيرانية، وفي غمرة المعارك المحتدمة، أقدم ( عدنان خيرالله ) بأوامر من رأس النظام إلى ترحيل مواطني القرى الكوردية المجاورة في منطقة (سيد صادق ) ، بعد تدمير قراهم . وفي مساء الخامس عشر من آذار – مارس ، سيطرت القوات الإيرانية وقوات البيشمركه الكوردستانية على المدينة بشكل كامل ، معلنين إياها منطقة عسكرية ، فخرج المواطنون من المخابىء والسراديب ، ليجدوا مدينتهم قد دمرت ونهبت بالكامل، والقتلى والجرحى يملآون الشوارع ، بدون أية إمكانيات لإخلائهم أو إسعافهم ، فضاعف ذلك المأسآة .

 

اليوم الكيمياوي الدموي

 

في صباح يوم السادس عشر من آذار – مارس لعام 1988 ، تدفق مواطنو حلبجة إلى الشوارع ، يسألون عمن بقي من ذويهم ، ويتفقدون مدينتهم ، فاختلط الناس بأفراد الحرس الثوري الإيراني المسيطرين على المدينة ، وبدأ بعض من غادروا المدينة بالأمس العودة إليها ، معتقدين أنهم تخلصوا من قوات أمن النظام ومخابراته . كان الجو ربيعيا ، والسماء صافية ، والشمس مشرقة من بين الغيوم ، والسكان يحاولون ترتيب عقولهم لفهم ماجرى ، وحصر خسائرهم في الأرواح والبنية التحتية التي لم يبقى منها شيئا...وكانوا في سريرة نفوسهم ، يأملون أن ما جرى هو آخر المصائب والأحزان ، بعد إندحار قوات الطاغية ومخابراته....ولكنهم مادروا ولا خطر في بالهم ، أن ما يفتعل في نفوسهم وعقولهم ، يختلف تماما عن ما يدور في عقول عصابة النظام ومجرميه...إقتربت الساعة من الثانية عشر ظهرا...وفجأة بدأت طائرات النظام الصدامي بقصف المدينة بكافة أنواع القنابل وخاصة النابالم ، وأستمرت الغارات بواقع غارة كل عشر دقائق ‘ يشارك في كل غارة مالايقل عن خمسة طائرات...إختلف المنظر في المدينة..غطّت السحب والدخان الأجواء ..الحرائق في كل مكان من المدينة...القتلى والجرحى والمغمى عليهم بالمئات في الشوارع والطرقات والأزقة وداخل بيوتهم ودكاكينهم ...الأطفال والنساء والشيوخ ، يركضون من شارع إلى زقاق ، يسقط قتيلا من يسقط..ومن يغمى عليه لايعرف ولا يتذكر ماذا حدث لأفراد عائلته أو جيرانه...الروائح الكريهة القاتلة المنبعثة من القصف والقنابل ، لم يسبق أن شمّها أو خبرها السكان...إلى أن عرفوا أنها أسلحة كيماوية ومن عدة أنواع لاتقل عن أربعة . حاول من بقوا على قيد الحياة النجاة عبر الهروب من المدينة إلى القرى المجاورة ، فكان الموت الكيماوي من أمامهم و خافهم ، فقد عمد مجرمو النظام إلى قصف الطريق العام المؤدي إلى قرية ( عنب ) والقرية ذاتها ، وطريق عنب – عبابيلي ، وطريق حلبجة – كولان – باموك ، وطريق حلبجة – باموك – سازان ، فكان مشهد القتل والموت الكيماوي ، يخبر : أين المفر ؟؟. فالموت كيماويا أمامكم وخلفكم ، على يمينكم و يساركم ، في الشوارع والطرقات ، في الأزقة والبيوت ... وكانت ذروة التراجيديا في طريق حلبجة – عنب ، وفي مجمع عنب ....القتلى في الشوارع والطرقات...والجرحى والمتآكلة جلودهم حرقا يتكومون بجانبهم ، والذين أصيبوا بالعمى والصمم بالمئات...وكلن للطبيعة نصيبها من هذا الموت الكيماوي ، فلم تسلم الأشجار والعصافير والطيور....واستمر هذا القصف الكيماوي يومي السلبع عشر والثامن عشر من شهر آذار- مارس ، ليجعل المنطقة بأكملها صورة لجحيم حقيقي ، لا يمكن وصفه..فقط أن تذهب لترى بقايا المذبحة – المجزرة ، حيث قريبا من النصب التذكاري ، ذهبنا لزيارة المقبرة الجماعية ، التي أغلبها شواهد عليها أسماء الضحايا ، دون وجود جثثهم التي ذابت وتآكلت دون العثور عليها.... أما النتيجة ، فهي كالتالي :

 

1. الأشخاص الذين تأكد موتهم ، ووردت أسماؤهم ضمن ضحايا الموت الكيماوي ، الذي قامت به (جمعية عوائل شهداء حلبجة ) ، بلغوا ثلاثة ألاف وخمسون شخصا، أعتبروا في السجلات الرسمية أمواتا.

 

2. إن نسبة ثلاثين في المائة من القتلى لم تسجل أسماؤهم في السجلات الرسمية.

 

 3. يتراوح عدد المصابين والجرحى من ستة آلاف إلى عشرة آلاف شخص ، وقد توفي حوالي ثلث هؤلاء في المستشفيات الإيرانية.

 

 4. يبلغ عدد المفقودين حوالي خمسمائة شخص، من بينهم مائة طفل، وقد عاد منهم فقط تسعة أطفال لعائلاتهم . وبالتالي ، فإن ضحايا مجزرة حلبجة ، لا يقل عن خمسة الآف قتيل ، حسب كل الإحصائيات ، ومنها إحصائيات دولية محايدة منشورة من قبل العديد من المنظمات الدولية....

 

عدنا إلى الفندق في السليمانية ، ليتبادر إلى ذهني موضوعان:

 

الأول : ليت هناك جهة محايدة ، غير كوردية وبدون علم الكورد أو التنسيق معهم ، تنظّم رحلة إلى حلبجة لمحامي المجرم صدام ، لنرى كم منهم سوف يستطيع خيانة عينيه وعقله وضميره ، ويستمر في محاولاته الدفاع عن ذلك المجرم.

 

الثاني : ليت الإقتراح الذي قدّمه وكتب عنه القاضي العراقي الأستاذ ( زهير كاظم عبود ) ، حول أهمية محاكمة الطاغية في كوردستان ، ومن قبل محامين عراقييين عربا فقط ، يلقى التنفيذ ، فهو من شأنه تخفيف الألم والحزن الكوردي...تخفيفا وليس نسيانا ، فهل يستطيع الفلسطينيون نسيان أربعمائة قتيل في (دير ياسين ) على يد العصابات الصهيونية ، فكيف ينسى الكورد خمسة آلاف قتيل على يد العصابات الصدامية!!.

 

تلك هي حلبجة..وما أدراك ما حلبجة...وفعلا كما يقول المثل ( الشوف غير الحكي )!!!.

 

( الحلقة الرابعة والأخيرة : لقاءات...وتعقيبات )

 

* كاتب وأكاديمي فلسطيني ، مقيم في أوسلو

 

Ahmad64@hotmail.com

 

عودة