|
31/5/2005 زيارة الى ( مقبرة الكورد ) ... في ديار الغربة! صلاح علمداري انطلقت بنا السيارة من طشقند عاصمة اوزبكستان في الطريق المؤدية الى سمرقند باتجاه الشرق وعلى بعد عشرين كم افترقنا نحو اليسار مسترشدين بشاخصة كتب عليها ( YO NGI- YOL )حسب اوامر قائد الرحلة العجوز ( الدليل ) !! لم تكن رحلة ترفيهية في واحة خضراء وسط صحراء ( قره قوم ) ولم نكن بعثة دولية للاستكشاف بل كنا ثلة من الشباب يجمعنا الانتماء الى( مملكة الحجل)وتربطنا اساطير وملاحم سطرتها الاجيال المتتالية من ابناء جلدتنا الكرد ومنهم اولئك الذين جئنا لزيارتهم ههنا ... وقفنا بجانب الطريق بعد ان سرنا مسافة 20 كيلومترا اخرى وسط الاشجار الباسقة والبساتين الخضراء على طول الطريق واقنية المياه التي تبث الروح وتجدد الحياة في الروابي والسهول لتجعل من طشقند وبجدارة مدينة الخضرة والمياه ( مدينة الخبز). تقدم دليلنا متكئا على عكازته نحو رجل مسن وقفنا بالقرب منه وصار يساله ... كنا نراقبه .. مد الرجل يده وصافحه بحرارة.. خرجنا اليهم والقينا التحية على الرجل المسن والذي قال انه يعيش ليس ببعيد عن المكان وقد عاصر احداث تلك المرحلة و مجيء مجموعة من الكرد الى هذه القرية. رحب بنا الرجل ونظر بتمعن في وجوهنا ... واشار الينا ان نتبعه.... انتم اذا كرد اليس كذلك .. نعم اننا احفادهم... انكم تشبهونهم. كانو شبابا مثلكم عندما اتوا من بلادهم وعندما رايناهم اول مرة. وانت- توجه بالسؤال الى الدليل العجوز – اما انا فواحد منهم ! كنت واحدا من هؤلاء. اتيت معهم ! وقف الرجل مشدوها لهنيهة ينظر في العيون التي لم تفقد بريقها رغم السنين – انت كنت معهم !!- نعم كنت . هل يمكن ان تذكرني باسمك –انا هو( صاليخ اخمدوفيتش)!.....عبر باب من الشبك الحديدي اصبحنا داخل السياج حيث يرقد المئات من الناس كانوا يوما صناع الحياة في هذه البقعة من الارض .كانت المقبرة كبيرة وقديمة سار بنا الرجل فيها عبر درب صغير الى الزاوية الشمالية واشار باصبعه الى بقعة صغيرة يحيط بها سياج حديدي . انهم هنا هذه هي( مقبرة الكورد) لقد سيجوها قبل سفرهم عام 1959 ثم عاد اثنين او ثلاثة منهم بعدها بسنوات الى هنا الى زوجاتهم واطفالهم وقد رحل اخرهم وهو مصطفى كورد الى القرم قبل اربع سنوات.حيث موطن زوجته. في مدخل المقبرة وخلف السياج الحديدي مباشرة كانت ثمة ثلاث قبور حديثة منها واحدة يبدو انها لطفل.. وقبل ان نسال مرافقنا وجدنا الاجابة على الشاهدة وقد كتبت اسماؤهم ..... ابناء مصطفى كورد الاثنين واحد احفاده قضوا بحادث سيارة !.فدفنوا مع اقربائهم الغرباء الستة والعشرين... ليصبح عدد سكان مقبرة الكورد حوالي الثلاثين يرقدون بصمت الغريب في بلاد غريبة. وقفنا للحظات ... ازحنا العشب لنتامل في اسمائهم.... او في البعض مما تبقى منها مكثنا مرتبكين.... ثم خرجنا مودعين موتانا. في هذه الدور الريفية – كان يحدثنا العم صالح بعد ان ارسل نظراته عبر الافق كمن يستكشف المكان- حطت بنا القافلة...عام 1949 وكانت مجموعتنا اربعون شخصا وعلى مسافة قصيرة من هنا كانت مجموعة اخرى تتألف من ثلاثين شخصا وعلى مبعدة كانت مجموعة اخرى وهكذا..... اما الملا مصطفى البارزاني – كما يقول العم صالح- فكان يعيش في بيت حكومي في الجهة الاخرى من طشقند بعيدا عن مكاننا بحوالي 80 كيلومترا وكانوا يحترمونه لانه زعيمنا ... وعشنا هنا حوالي احد عشر عاما نعمل في مزارع الدولة السوفيتية حينها ( سافخوزات ) عمالا زراعيين. خلال هذه الفترة توفي ستة وعشرون شخصا من مجموعنا.. طالبنا ان يكون لنا مقبرة خاصة( مقبرة الكورد ) ... ودفنناهم جميعهم هنا. ولا زالت الناس تعرف هذه البقعة بمقبرة الكورد . كان شعورا غريبا راودني منذ لحظة الانطلاق او بالاصح منذ ان حدثني الاستاذ صالح عن الموضوع! وحشة الغربة صارت تثير الحزن في اوصالي بين لحظة واخرى ونحن نسير ونحن نتنقل ! رغم الالفة بالمكان ومعرفتي المسبقة بقصة السفر العجيبة هذه .. !. احسست للحظة انني في مزار ابائي واجدادي ! ..او انهم ناس قريبون جدا ... غدر بهم الزمان وغدرت بهم الحكومات وطاردتهم الجيوش ...ربما لن اتمكن من التعبير الدقيق عن شعوري وعن العلاقة التي خلتها تربطني بهم. الا انهم يجسدون بامتياز قصة الاكراد في العقود الماضية من السنين.... ولا بد الا وان تحترم هؤلاء في دنياهم وفي قبورهم. اما الرجل ابن القرية فصار يحدثنا عمن تبقى من اولادهم وذريتهم.... وفجاة قطع الحديث واوقف سيارة شحن كانت تسير باتجاهنا .... هذا .. انه احدهم . ترجل السائق ... كان اسمه ( انور) حفيد خليل ابراهيم المسؤول عن المجموعة – كما حدثنا العم صالح – و كذلك عن قصة زواج خليل ابراهيم من الفتاة التترية التي احبها.. ( جدة انور) رغم معارضة رفاقه حينذاك... وضحك ضحكة لطيفة سرعان ما تحولت الى حزن وغم حين أردف قائلا- كم كان صعبا على جدك ان يترككم ..... لقد حمل اسرته في قلبه... لم يحدث احدا طوال ثلاثة ايام في القطار ولم يأكل حتى وصلنا الى البحر الاسود.... انتاب الرجل شعور غريب وكان بالامكان ان تقرا في عينيه بوضوح الحسرة والمرارة من جهة والشوق للجد الذي لم يعرفه الا من احاديث جدته عنه. والرضا الذي يرتسم على محياه كلما ينظر فينا او يسمعنا نتحدث بلغتنا. لم تكن ملامحه غريبة ابدا وكان بالامكان التعرف على اصله بمجرد النظر في وجهه الاسمر وانفه القفقازي ووقفته التي تشبه وقفة الحجل في جبال الكورد . ......نعم لقد كان قائد رحلتنا هو صالح احمد به خشي مواليد1922 ( سه فره او سه بره..) على بعد 15 كم من بارزان عاش مع اهله احداث انتفاضة بارزان 1932 ونفي السلطات لزعماء بارزان الى تركيا والعودة في 1937 ثم النفي الى البصرة.. ..نفت السلطات العراقية اهله الى الحلة جنوب بغداد في حين التحق هو بحركة البارزاني وثورة الشعب الكردي ...هو نفسه الضابط ذي النجمتين- كما يقول - في الجيش العراقي عام 1943. صالح احمد به خشي الذي التحق بالبارزاني في نفس العام وسافر معه الى مهاباد بعد ان هاجم الانكليز كردستان........ وشهد ميلاد الجمهورية الكردية والتقى بالقاضي محمد وعاش في ظل الجمهورية الكردية ... جنديا يحمي علم كردستان تحت امرة القائد ( الملا مصطفى البارزاني)..و حين ضاقت بهم السبل واحاطت جحافل الجيش الايراني بالجمهورية تهددها وتهدد قادتها... وقف مع البارزاني يتوسلون الى القاضي محمد بالانضمام اليهم والفرار معهم الى المصير المجهول الذي يبقى اهون من المصير المحتوم وهو ( .... ) ... الا انه ابى ان يخرج. ولا زا ل يتذكر قول القاضي ( اذهبوا انتم اما انا فولدت هنا وساموت هنا ).. رافق صالح به خشي مع 503 من الكرد قائدهم الملا مصطفى البارزاني في اغرب رحلة من نوعها في التاريخ الحديث... اجاد في تجميع و تدوين وقائعها الكثيرون من المهتمين ولا سيما السيد مسعود البارزاني .... ولكن يبقى لكل رواية نكهتها ولكل راو اسلوبه الخاص به لذا وتجنبا للتكرار الممل نلخص ما يرويه الاستاذ صالح بخشي احد افراد هذه المجموعة..... ( خرجنا من مهاباد باتجاه كردستان لكن البارزاني كان قد قرر اللجوء الى الاتحاد السوفيتي واقتنعنا من انه الملاذ الامن او بالاصح الملاذ الوحيد .... تركنا النسوة والاطفال وكبار السن في عهدة الشيخ احمد البارزاني الذي سلم نفسه الى الحكومة العراقية.... كان مجموعنا 505 عنصرا بقيادة البارزاني .. غادرنا كردستان في 25 نيسان 1946 باتجاه الجبال .. الى الشمال... عبر حدود العراق ثم تركيا وايران ... ندخل الى الاراضي الايرانية نهارا ونسير في الاراضي التركية ليلا...نشتبك هنا وهناك مع عساكر الطرفين نخوض الحروب ونسير... لجانا الى عشيرة ( شكاكا ) اقمنا في ضيافتهم 15 يوما ... هاجمنا الجيش الايراني فخرجنا باتجاه الحدود مع اذربيجان .. وصلنا الى نهر( اراس ) في 15 حزيران من العام نفسه كنا قد فقدنا ثلاثة من رفاقنا اثناء الرحلة! استوقفونا حراس الحدود.. كان معنا من يجيد اللغة الروسية فشرحوا لهم الوضع وطالبنا لقاء المسؤولين ... لكن لا حياة لمن تنادي.. تاخر المسؤولون ولم ياتي احد للقائنا .. امر البارزاني بضرب احد الجنود ! وعلى اثرها هرع الينا المسؤولون المحليون...دخلنا اراضي الاتحاد السوفيتي.. اسكنونا في مساكن الجيش وضمونا الى ما يشبه الجيش الشعبي فقاموا بتدريبنا واطعامنا .. ولكن لا احد يبدو انه ينقل مطاليبنا الى القيادة في موسكو لانه ليس ثمة جواب ولم نعرف شيئا عن مصيرنا ! كان البارزاني يحاول ان يلتقي بستالين ويطلب منه مساندة الحركة الكردية ومساعدة الشعب الكردي على نيل حقوقه ... كان بيننا شاب يدعى ( حيدر علييف ) يقول انه من اكراد اذربيجان ولكنه لم يتكلم الكردية .. عرفنا فيما بعد انه من المخابرات السوفيتية... كان المسؤولون المحليون ينظرون الينا بازدراء ويصفوننا بقطاع الطرق ويتهمون اكراد القفقاس ابناء جلدتنا بالتعاطف مع هتلر والنازية .... لذلك كانت علاقتنا متوترة معهم ... جاء مرة ( جعفر باقروف) وزير خارجية اذربيجان وعندما ساله البارزاني عن طلبه لقاء القيادة في موسكو صاح في وجهه ووجهنا ووصفنا مرة اخرى بقطاع الطرق.. ! ( لقد قص علي هذه الحادثة ثلاث مرات وفي كل مرة يتوقف عن الحديث هنا ويضحك ) لست ادري ... كيف حمل البارزاني جسما حديديا وانهال بالضرب على ذلك المفتري ( باقروف ) ... لقد ضربه بقوة كاد يقتله.... علمت القيادة بالحادثة واضافوها الى اتهاماتنا الاخرى .... لم يمضي وقت طويل حتى صدر قرار ترحيلنا الى اسيا الوسطى. كان كل من لم ينل رضى القيادة الشيوعية في موسكو وخصوصا ابناء الاقليات والشعوب الصغيرة( كما حدث للكورد والتتر ابناء القرم....) اما ان يرحل الى قر سيبيريا ويتجمد وسط ثلوجه او الى قيظ اسيا الوسطى فيحترق بشمسها..مسالة القوميات في الاتحاد السوفيتي كانت هي عقدة ستالين....! حملونا في عربات الدواب او الحمولة وسار بنا القطار الى طشقند... كان صعبا .. وصعبا جدا لكن لا حيلة لنا ...الا ان نتعايش مع الاخرين ونتحمل.. وننتظر ما تحمله لنا الايام القادمة.... كان لخبر وفاة ستالين 1953 وقعه السار في نفوسنا وان تظاهرنا بغير ذلك وبعد عشرة ايام سافر البارزاني الى موسكو دون علمنا لكنه ابرق لنا من هناك وتمكن من لقاء ( خريشوف) الذي ابدى اعجابه وتعاطفه معنا مما انعكس ايجابا حتى على وضعنا ضمن الشعوب التي نعيش بينهم ... وهكذا حتى صدور العفو من عبد الكريم قاسم . تلقينا الخبر بمزيج من الحزن والسرور .. واحزمنا امتعتنا للرحيل ... كان البارزاني وبعض رفاقه قد سبقونا الى العراق من موسكو بالسفر جوا ... سار بنا القطار ثلاثة ايام دون توقف حتى وصلنا الى البحر الاسود ومنه الى الدردنيل فالى ( بورسعيد ) في مصر استوقفونا هناك لبعض الوقت ثم فتحوا لنا الطريق عبر البحر الاحمر وباب المندب ..وصلنا الى البصرة بعد مضي ستة عشر يوما ... كان البارزاني في مقدمة الناس ينتظرنا.... يقول العم صالح(... كنت قد ترددت على المدرسة الحزبية في طشقند وتاثرت بالفكر الشيوعي وعندما عدنا الى كردستان اجريت بعض الاتصالات مع الشيوعيين في العراق - لقد كنت احمقا- ولم تكن علاقة الشيوعيين العراقيين حينها بالاكراد على وئام... سمع البارزاني بالخبر عن طريق اناس ربما اعطوا الموضوع حجما اكبر مما يستحق فغضب مني اشد الغضب ..مما جعلني اشعر بخيانة العهد! حملت نفسي وعدت لوحدي هذه المرة وبارادتي الى طشقند 1961 ... عملت مدرسا للغة العربية في معهد اللغات وحصلت على الجنسية الاوزبكية . عدت الى كردستان في 1992 وقابلت السيد مسعود بارزاني .. احترمني ووعدني بمساعدته وتخصيصي براتب تقاعدي ... لكن غيابي الطويل كان قد غير اشياء كثيرة في المفاهيم والعلاقات الاجتماعية والاسرية ومن جهة اخرى اوضاع الاقليم غير المستقرة حينها.. جاءت ثقيلة على قلبي ولم يعد في راسي متسع للالام والشجون فعدت الى طشقند ( كنت احمقا ) اخطات مرة اخرى ! وها انا ذا هنا كما ترون . اتابع التدريس منذ ثلاثة واربعين عاما..............). والى يومنا هذا يعيش العم صالح في مدينة طشقند مع زوجته .. دون ان يرزق باطفال... وكردستان لا زالت تعيش في قلبه بجبالها وانهارها وناسها وملاحمهم... يحملها في اعماق نفسه بامانة المدافع الامين وارادة المقاتل العتيد . لازال يتحدث عن حب كردستان في احاديثه وفي تدريسه. كل تلامذته يعرفونه يحبونه ويكنون له الاحترام. بريق عينيه تحكي الحكاية في اليوم الف مرة ومرة بنفس التواريخ ونفس الشعور ونفس العبارات .... لقد بت احسده على صفاء ذاكرته ودقة روايته. قرا علينا بعضا من اشعاره في الربيع و في كردستان ... بعضا من تعا بير الوفاء على شكل نثرفي ا لقائد البارزاني يوم وفاته . حاولنا ان نقنعه بالعودة .... ربما يعود...و تحتضنه كردستان .... ويعيش ما تبقى من العمر معززا مكرما بين قومه.... . 22\05\2005 |
|
الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية بيانات وتصريحات | مختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن |
|
Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Dûse - Em kîne |
|
Despêk 6-ê Gulana 2004-an copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz] |