نوروز

 

Newroz

أوراق من مذكرات كردي :في موسم القطن

"لم يقل الأكراد مرة واحدة أنهم يقاتلون الشعوب، كانوا دائماً يحملون مساحة كبيرة من الحب لتلك الشعوب التي يعيشون معها"

 لقمان ديركي

كلنا شركاء - 29/12/2004

موقع نوروز 30/12/2004

كانت الحرب بين الأكراد ونظام الملالي قد بلغت أوجها في إيران حال استلام الخميني زمام الأمور بعد أن حنث الملالي بوعودهم للأكراد الذين ساعدوهم في الثورة على نظام الشاه، وكانت جريدة السفير اللبنانية تنشر أخبار هذه الحرب يومياً. كنت في الثالثة عشرة من عمري آنذاك وأنا أستمع الى الأحاديث الصاخبة عن هذه الحرب والتي كانت تدور في شركة الأدوية التي يملكها والدي في حلب بين الصيادلة والعمال والمحاسبين، ولكي تكون لي حصة ما في هذه المعمعة كنت أذهب وأشتري جريدة السفير بنصف ليرة سورية وأعود بها الى والدي مدعياً "الوطنية". "هل فيها خبر عن الأكراد"؟ يسألني والدي باهتمام فأهز برأسي علامة الإيجاب ولكنني أتمنع عن إعطائه الجريدة. "كم ثمنها؟!" يسألني بحنق وعصبية، فأشير بيدي "ليرة واحدة"، وهكذا كنت أربح يومياً نصف ليرة مستغلاً عواطف أبي. وكان عبد الرحمن قاسملو أو "الدكتور" هو أشهر شخصية كردية إيرانية في ذلك الوقت، وهو زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني في إيران، فإذا كان هناك خبر عن الدكتور كنت أرفع سعر جريدتي الى ليرتين. أعتقد أنني كنت صاحب جريدة السفير تلك الأيام ولكن بشراكة مع صاحب احد الأكشاك الذي كان يكتب بالقلم العريض فوق ورقة بيضاء "السفير.. الأكراد يتمردون" أو "الحرب بين الأكراد والإيرانيين بين كر وفر".. الخ من جمل مثيرة كان من شأنها أن تلم طوابير من الأكراد أمام ذلك الكشك الذي كان مهجوراً قبل الحرب.

وكنت قد امتلأت بتلك الأخبار فكان وقع خبر مقتل الدكتور عبر الرحمن قاسملو على يد المخابرات الايرانية عام 1989 بعد مؤامرة دبرت له في فيينا مؤلماً جداً وكان مؤلماً أكثر عندما خصص المغني الكردي العظيم شفان أسطوانة للدكتور الشهيد.

ومع بداية الثمانينات بدأنا نشاهد في بيتنا شباناً وشابات من أكراد تركيا. إنهم ثوار الـ KKP وكانت أسماؤهم مستعارة. غرفتي أصبحت للفتيات الثائرات اللواتي كن يقاتلن الجيش التركي في جبال كردستان البعيدة. وعلى الرغم من خلاف مقاتلي الحزب مع البرزاني، إلا أنهم كانوا يحاذرون الجهر بهذا أمام أهلي المتعاطفين مع البرزاني، ولكنهم كانوا لا يخفون هذا عني وكنت أجاريهم ببلاهة كي لا أضايقهم. نبيل وجلال وأمينة وشيرين وليلى وكليزار. وغيرهم ممن مروا من بيتنا اختفوا، والأرجح أنهم... استشهدوا جميعاً في الجبال الوعرة التي هي صديقهم الوحيد كما قال الملا مصطفى البرزاني ذات يوم (لا صديق للأكراد الا الجبال). كيف لا وقد كانت الجبال الوعرة هي العقبة الوحيدة التي حالت دون انتصار النظام العراقي على الأكراد. ومع كل الأحاديث عن الثورات كنت أسمع "نقاتل صدام في العراق" أو "نقاتل الملالي في إيران" أو "نقاتل أتاتورك وعصمت والعسكر في تركيا".. لم يقل الأكراد مرة واحدة أنهم يقاتلون الشعوب، كانوا دائماً يحملون مساحة كبيرة من الحب لتلك الشعوب التي يعيشون معها. سيبقى الكردي محباً ورائعاً يبحث عن أغانيه المسروقة هنا وهنا ك ويعيد غناءها كما يشتهي ويقول "هذه أغنيتي فاسمعوها". ولكن الموسيقيين لا يعترفون بذلك، فمن لا دولة له لا موسيقى له، فتراهم يقولون "الموسيقى التركية والموسيقى الفارسية" وهم يتحدثون عن موسيقى بالأصل كردية، ولكن زياد الرحباني تحدث عن الموسيقى الكردية وقال بأنه تأثر بها في إحدى كاسيتاته. يا إلهي.. هل رأيت يا صديقي الموسيقي العربي؟!.. نريد فقط أن يعترف أحد في هذا العالم بوجودنا.. فقط.. هل هذا كثير؟!. ومرةً كتب صحافي إسرائيلي بأن الأكراد شعب بكائي متخلف لا يستحق الوجود لأن أغانيه بكائية وحزينة ومنهزمة ومستعطفة.. إلخ من النعوت التي ألصقها بالأكراد، ولكن كاتباً لبنانياً (ذو الفقار قبيسي) رد على أقواله ودافع عن الأكراد، وكنت أريد أن أقول إن الأكراد هم من الشعوب التي لم تتاجر بالمجازر التي ارتكبت بحقها وهي تساوي أضعاف "الهولوكست الإسرائيلي" الذي تتم المتاجرة به حتى في السهرات والرحلات الترفيهية.

وعندما حدثت مجزرة حلبجة عام 1988 أيام 17 و18 و19 و20 آذار كنا في القامشلي مع أصدقاء عرب قدموا معي من حلب.. واحتفلنا.. لا مكان للحزن في الاحتفال.. هكذا هو الكردي وكما يقول الشاعر العظيم جكر خوين "عملنا نحن الأكراد هو النضال والإحتفال والحروب".

في الدرباسية كنا نحتفل بنوروز في سهل على الخط الحدودي وكان الأكراد في الطرف التركي ممنوعين من الإحتفال. وكنا نلمح أشباحهم وهي تتفرج علينا من فوق أسطح البيوت، وكانوا يرسلون تحياتهم لنا عبر مرايا صغيرة يحملونها في أيديهم ويوجهونها إلينا فيصل شعاع الشمس الكردي الى وجوهنا المغبرة. كنا نغني ونرقص بينما كان الأكراد في تركيا يكتفون بالفرجة علينا من خلف الأسلاك. ماذا يريدون؟!.. لماذا هم ممنوعون من الرقص؟!.. من الغناء؟!.. كنا نستغرب ذلك نحن الأطفال الى أن عرفنا أنهم ممنوعون حتى من الكلام بالكردية. كان جدي يوسف آغا جالساً عند قريب له في محل لبيع الأقمشة عندما جاءت امرأة كردية من تركيا لتشتري قماشاً وهي تشتكي من أن الجيش التركي اعتقل ابنها منذ أيام فقال لها جدي "غداً عندما تتشكل كردستان ستدفعين باب السجن بقدمك وتخرجين ابنك". وصدقت المرأة، وباتت تأتي كل يوم الى محل الأقمشة لتطمئن إذا كانت كردستان قد تشكلت. يوماً وراء يوم والمرأة تستفسر عن كردستان تلك الكلمة الغامضة التي (ربما لم تفهمها المرأة ولكنها كانت تحس بأن هذه الكلمة تعني الحرية لابنها. وفي أيام الشيشكلي تعرض جدي للإعتقال عدة مرات بسبب مجاهرته في الدعوة للقضية الكردية، وكان المحقق قد ضاق ذرعاً به فوضع له صحناً من الشعير وأمسكه من رقبته وقال "كل.. أنت رئيس الأكراد لذلك يجب أن تأكل الشعير"، بينما كانت جدتي "فاتيه" قد خرجت بتظاهرة من نساء الدرباسية يطالبن بالحرية لآغا الأكراد.

وإذا كان جدي مهووساً بالأكراد فإن أبي وعمي الأصغر كانا مهووسين بفريد الأطرش. وبينما كان جدي يستمع الى الأخبار عبر المذياع الضخم كان عمي قد أدار الإبرة ليصدح صوت فريد الأطرش، فما كان من جدي إلا أن رمى عمي بالحذاء فارتطم بالمذياع ليتهاوى ويتكسر، وتلف الكآبة جدي فقد حرم من الأخبار. ولكن حزنه لم يطل كثيراً فقد أتى عمي بمذياع جديد لم يتجرأ أبي أو عمي الأصغر على البحث فيه عن صوت فريد الأطرش حتى وفاة جدي.

كان أبي مهووساً بإذاعة يريفان الكردية وبأغاني آرام ديكران وقره بيت خاجو، وكان يجلس مساءً في حديقة منزلنا المضاءة بنور أخضر خافت وهو يستمع الى إذاعة يريفان، يريفان!!.. بقيت يريفان حتى الآن تعني لي ضوءاً أخضر خافتاً، تلك المدينة التي أحببناها بل وعشقناها لأنها كانت تبث لنا الأغاني الكردية لمدة ساعتين كل مساء. وكان دأب جدي أن يدور بأبرة المذياع كي يسمع كلمة عن الأكراد هنا أو هناك، وإذا كان حظه قوياً فسيستمع الى أغنية كردية. كان ذلك يعني، نوعاً من الإعتراف.

ارتدت الدرباسية ثياب الحداد عندما قتل فارس ابن خالتي ماري. كان فارس هو الابن الأكبر لسعيد ابراهيم وهو سرياني، وكانت خالتي ماري تعني لي "الحزن" فلا شيء يشبه هذه الكلمة سواها. وبعد أن انتقلنا الى حلب كنا نجلس في غرفة ابنها الأصغر جورج ونستمع الى عزف على البزق. كان يرفض أن يعزف سوى أغان كردية حزينة إكراماً لفارس ولأمه، بينما كان يعقوب شقيقه الأكبر مثلنا الأعلى بالأناقة وهو الذي أصبح رساماً فيما بعد. ومن كثرة ما تحدث عن الدرباسية لزوجته أصبحت الأخيرة مهووسة بالدرباسية وطرقاتها وعوالمها وشعبها المنتمي لأكثر من عشر قوميات وأديان متعايشة بأمان وحيوية.

وما أن أحس جدي بخطورة "حلف بغداد" على سوريا حتى ساهم بإحداث جيش شعبي من أهالي الدرباسية وربض على الحدود مسلحاً ببندقية وبإيمان كردي بالدفاع عن التراب الذي يعيش عليه حتى لو كان مهاجراً. ومنه تعلمنا أن نكون سوريين بقدر ما نحن أكراد. ولم تكن المجموعة الكردية التي استشهدت بكاملها في قلعة الشقيف إلا مثالاً على هذا. كانوا مجموعة من الأكراد بقيت صامدة في القلعة بعد انسحاب باقي الفصائل منها، ورفض رجالها تسليم القلعة للإسرائيليين الذين يحاصرونهم حتى استشهدوا واحداً واحداً ولم ينج منهم سوى شخص ظنه الغزاة ميتاً.

لم تكن حرب جدي إلا حرباً ضد التخلف والجهل لذلك كان مكروهاً من قبل المشايخ الذين جاؤوه بعد أن أجرى عملية لعينه من جراء تعذيب الشيشكليين له شامتين، وقالوا له "هذا نتيجة تهجمك على رجال الدين" فقال لهم "لو كنتم رجالاً لاخترعتم شيئاً وطيرتموه في السماء، أنتم لا تستطيعون صناعة إبرة واحدة، أنظروا كيف وصل السوفييت الى القمر" فقال له أحدهم "حاشا لله" فأجابه جدي "السوفييت يتبولون عليك من القمر وأنت تقول حاشا لله".

كان يكره الطائفية والعنصرية، وقد حدث أن كان كهربائياً مسيحياً يوصل الكهرباء في بيته عندما دخل عليه سيف الإسلام متهماً الكهربائي المسيحي بالكفر فطرد جدي سيف الإسلام من بيته وقال "أنت الكافر يا هرج الإسلام " والهرج تعني الدب. لم يذهب جدي الى الجامع أبداً، كان يصلي بانتظام في البيت رافضاً الصلاة وراء الإمام. كما كان يسر كلما لمحني ممسكاً بكف أبونا كاتو يوم الأحد عندما كنت أمضي معه الى الكنيسة، وقد شارك جميع المسيحيين في الدرباسية في جنازة جدي يوم 28 تموز 1972.

كان مدير ناحية الدرباسية هو الضابط المحقق مع جدي وكان اسمه علي يوسف:

ـ أنت كردي منحاز للقضية الكردية، قال المحقق!

ـ نعم أنا كردي، ولولا صلاح الدين لكان اسمك الآن ونستون أو ألفونسو. أجابه جدي، فاعتذر مدير الناحية منه وأخلى سبيله.

ولم يكن الأكراد أيام الوحدة يعتقلون باسم القضية الكردية علناً، بل كانوا يتهمونهم بالشيوعية إمعاناً في التعتيم على الأكراد، وكان ضابط المباحث أيام الوحدة يعذب جدي ويقول له "أنت شيوعي" وكان جدي يقول "أنا كردي ووطني.. ناضلت ضد فرنسا وأحب شعبي". وكان ضابط المباحث يعود ويضربه ويقول "أنت شيوعي" حتى سخر منه جدي وقال: "أنا وستالين زرعنا القطن على نهر الخابور ونحن شركاء في الموسم" فازداد الضرب.

حتى في السجن لم يعترفوا بأنهم يضربونه لأنه كردي، مثلما كان الأتاتوركيون يسمون الأكراد أتراك الجبال.

 

عودة