|
|
|
|
|
قانون الأحزاب... هل أصبح ضرورة؟...كيف نعيد المواطن إلى المشاركة في الشأن العام؟ من الصحيح أن الديمقراطية لا تأتي ولا يجوز أن تأتي بقرار سياسي, ذلك أنها ببساطة هي عبارة عن أسلوب معيشة, إذا صح التعبير, منتج اجتماعيا يفترض فيه أن يعنى بكرامة المواطن وحقوقه وحرياته الأساسية في جو متقدم من الوعي المحامي عاطف مسوح الإقتصادية العدد182 شباط 2005 2/13/2005 موقع نوروز 28/2/2005 بين مؤيد ومعارض, موافق ورافض لهذه الفكرة, تدور حاليا مناقشات كثيرة على العديد من المنابر, منها ما انتهى إلى ضرورة أن يكون في بلادنا قانون أحزاب وأصبح ذلك مطلبا جديا تبنته بعض الهيئات والأحزاب السياسية, ومنها ما وصل إلى عدم الموافقة انطلاقا من انتفاء الحاجة لهذا القانون وانطلاقا من رغبة بالاكتفاء بالشكل القائم لممارسة العمل الحزبي والسياسي الذي يتلخص بالجبهة الوطنية التقدمية وميثاقها الذي يظنه السواد الأعظم من مواطنينا أنه قانون أحزاب, ومنها من ما زال يناقش هذه الفكرة ويدرسها محاولا الإجابة على السؤال (ألم يصبح ضرورة؟). لن أدخل في هذا المقال معددا الأسباب الكثيرة التي تستدعي البحث جديا في إصدار قانون أحزاب ولن أعدد الفوائد الجمة له, ولن أخوض في بحث الحالة الديمقراطية إلا بما تقتضيه ضرورات هذا المقال, إنما سأحاول هنا تناول الواقع الذي نعيشه حاليا ومنعكساته التي أنتجت مجتمعيا ما أوجب أن نبحث جديا في ضرورة أن نمتلك قانون أحزاب. وأيضا لن أدخل في مسألة شكل ومضمون قانون الأحزاب الذي أعتبره ضرورة, وهذا موضوع بحث آخر مستقل سأتناوله في مقالات أخرى كل هذا طبعا لضيق المجال, لذلك سأقصر بحثي على بعض الجوانب من واقع الحياة السياسية والحزبية القائم حاليا . لنعد قليلا إلى واقع الحياة السياسية السورية ومدى تفاعل المواطن معها ومع الأحزاب التي تقوم حاليا بطرح برامج أو خطوط عريضة لعملها دون أن يكون لديها القدرة الحقيقية على رسم سياساتها وبيان خطط عملها بدقة وإيصالها إلى الشارع السياسي من جهة وإلى الشارع العام وهو الأهم من جهة أخرى, فنجد أن المواطن أصبح يقي م الخطاب السياسي لأية هيئة أو حزب من الأحزاب العاملة حاليا , ولكي أكون منصفا أقول لأكثرها, بشكل سلبي وإن لم يكن سلبيا , نراه يتحدث عنه بأسلوب اللاجدوى واليأس, وعندما تحاور مواطنا طالبا منه المساهمة في الحياة السياسية تجد الإجابة المباشرة: (يا أخي اتركني أريد أن أطعم أطفالي) فتلمس الخوف من كلمة (سياسة) ومنهم من يعبر بوضوح فيقول: (ماذا فعلت لك من سوء كي تدخلني السجن؟) وكأن الفكرة المرسومة في ذهن المواطن أن السياسة نتيجتها السجن! فتنصرف بينك وبين نفسك للبحث عن أسباب نظرة المواطن هذه عموما . وبالطبع لسنا هنا بوارد تحميل المسؤولية لأحد فكلنا شركاء, ومن منا ينظر بشيء من الإمعان يجد أن ما وصل إليه المواطن السوري من غربة تكاد تصل, أو وصلت, إلى القطيعة بينه وبين العمل السياسي, مسألة لها أسبابها في تاريخ سورية الحديث, وأهم هذه الأسباب على الإطلاق هي طريقة أداء النظام وأقصد ممارسة الحكم التي استندت ولا تزال إلى فكرة الدولة الشمولية وأنتجت أيضا فكرة قيادة المجتمع والدولة, وهذا ما أدى من حيث النتيجة إلى تضييق مساحة الحرية المتاحة للرأي الآخر من جهة وخلق جيل أصبحت, مع مرور الزمن, الانتهازية شعارا عنده وثقافة فراح يتسلق شيئا فشيئا داخل الأحزاب والهيئات التي شكلت السلطة معتبرا نفسه سلطة كما الأحزاب التي أعلن نفسه ضمنها, ولا أقول انتمى إليها. أطرح اليوم سؤالا أراه مشروعا : هل يوجد في سورية الآن حزب جماهيري؟ وهل إن عدد أعضاء الحزب إذا كان من الضخامة يعتبر دليلا على جماهيريته؟ باختصار أجيب: لا... فالأحزاب السياسية العاملة في إطار الجبهة الوطنية التقدمية هي بنظر الشارع العام أحزاب سلطة وبالتالي تكونت لدى الشارع بشكل عام فكرة مفادها أن هذه الأحزاب تحقق فائدة لنفسها ولأعضائها ولكل من يعمل في إطارها فتهافت الناس إليها وأخطأت هي لأنها قبلت دخول واستقطاب أي كان في فترة من تاريخ حياتها, دون النظر إلى أهليته للعمل في صفوفها وإلى مدى قناعته وارتباطه الفكري بها وإلى مدى فاعليته في أداء واجباته الحزبية, وللأسف لا تزال, معتمدة بذلك على ضرورة تحقيق كم دون النظر إلى النوع مما أدى بالنتيجة إلى ضياع كادرها الأساسي الذي هو النخب التي كانت قائدة فعلية فيها. هذا الأمر ترك انعكاسا سلبيا مباشرا بدأ يظهر شيئا فشيئا على أداء هذه الأحزاب ومدى تفاعلها مع شارعها, وظهرت فيها بذات الوقت أمراض كثيرة تمثلت بالفردية والمركزية دون الديمقراطية, وعبادة الفرد ومصادرة الرأي داخل هيئاتها, وانشغلت مع مرور الوقت بالحفاظ على حدودها التنظيمية مبتعدة عن شارعها ومطالبه مبررة ذلك أمامه أن القضية الوطنية أهم. أما نصيب الحزب القائد للمجتمع والدولة من هذه الأمراض فقد كان بسبب موقعه هذا أكبر بكثير من نصيب غيره من باقي أحزاب الجبهة. هذه الظروف مجتمعة أدت من حيث النتيجة إلى انكفاء الأحزاب التي شكلت وتشكل الجبهة الوطنية التقدمية عن الفعل السياسي الداخلي, وأصبحت تكرر نفسها بذات الصيغ التي عهدها الشارع منها, حتى أصبح خطابها السياسي معروفا للقاصي والداني ولم يعد المواطن يتلمس فيه الجديد حتى في الزمن الذي تعصف فيه المتغيرات بالعالم أجمع ومنها بلادنا.. وأخشى ما أخشاه أن هذه الأحزاب لم تعد قادرة على تبيان مواقف جدية لها مما يجري, لعجز ونقص جدي في كوادرها التي يمكن أن تشكل أساس عملها الحزبي وفعلها السياسي! وأهم ما أريد قوله هنا ان أسلوب ممارسة الحكم في بلادنا وتفرد الجبهة الوطنية التقدمية والحزب القائد للدولة والمجتمع فيه, أسهم وعلى مر الزمن بمسألة غاية في الجدية هي: تقويض وجود الأحزاب السياسية الأخرى وانعدام فرص تأسيسها وبالتالي انعدام الهيئات السياسية التي يمكن أن تطرح رأيا آخر, وهذه هي المسألة التي نقول إنها غاية في الجدية, إذ لا يمكن أن يكون هناك رأي بالأصل ما لم يكن هناك رأي آخر ومن جهة أخرى إن عمل الأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية ذاتها بات مع التطورات العاصفة مربكا إلى درجة كبيرة, حيث إن هذه الأحزاب نفسها لا تستطيع أن تفهم حدودا لها ولا تتمتع بالشخصية الاعتبارية بالمعنى القانوني خاصة بعد أن أصبح ميثاق الجبهة الوطنية ذاته بحاجة إلى شيء من النقاش بهدف تفعيل دور هذه الأحزاب التي تحولت شيئا فشيئا إلى أحزاب سلطة بالمعنى الحقيقي وترهلت وباتت ترى الأمور والمسائل عامة من موقعها هذا - مع الإشارة إلى أهمية التعديل الأخير في ميثاق الجبهة - مما يدفعنا إلى القول: إن جميع المسائل العامة في بلادنا ينظر إليها من زاوية واحدة أو من طرف واحد ويجب أن نفهم في هذا الإطار أن أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية لا تعتبر كل الشارع العام والسياسي القائم في البلاد بل هي جزء منه. أرى أنه يجب أن نعي أن تطوير عمل الأحزاب السياسية في بلادنا وتفعيل دورها وتوسيع مشاركتها واهتمامها بالشأن العام لا يأتي بقرار سياسي منها ولا من غيرها, بل يتأسس على تفاعل هذه الأحزاب مع هيئات وأحزاب سياسية أخرى تطرح آراءها التي قد تكون مغايرة في جو مقونن يضمن لها حرية التعبير ويبين حدود عملها, بحيث تصبح جميع الأحزاب شخصيات اعتبارية تخضع لقانون ينظم عملها بشكل عام, هذا الأمر سيدفع جميع الأحزاب القائمة حاليا لإعادة النظر جديا بأساليب عملها وبناها الداخلية, بحيث تندفع من جديد إلى ساحات العمل الجماهيري برؤى جديدة ومتطورة قادرة على الصمود في وجه ما يطرح من أحزاب أخرى تكون قد نشأت على نقيضها أو بخلافها في الرؤى والتحليل, وأذك ر هنا أنه لا يسار دون وجود اليمين كما لا رأي دون الرأي الآخر. قد يقول قائل إنه ليس ما يمنع في بلادنا من تشكيل الأحزاب السياسية وعملها, والمسألة ليست هنا فهذه الفكرة نظرة من زاوية واحدة والمهم في الأمر في الزمن الذي وصلنا إليه, أن يقنع أصحاب أية فكرة لا على التعيين يرون أنها تصلح أساسا لعمل سياسي أن لا أحد يمنع عليهم تشكيل الأحزاب والعمل فيها وهذا لن يكون حاليا إلا بقانون أحزاب. لقد تطورت بلادنا تطورا جديا ملحوظا لجهة وعي أبنائها لقضاياهم العامة, وبذات الوقت فإن هذا التطور أصبح مرفوضا معه فكرة العمل السياسي السري الذي بات فاعلا أكثر عندما يكون علني ا , فالقدرة على إيصال فكرة ما أو برنامج عمل سياسي ما ونقاشه من قبل الشارع علانية وتركه أمام محكمة الشارع العام والمواطنين وإظهار مواقع الضعف والسوء فيه ونقاطه الإيجابية أيضا , تقوم على ضيق أو وسع المساحة المقوننة التي تستطيع بشكل ما استيعاب ذلك. على ما تقدم أصبح إصدار قانون أحزاب في بلادنا ضرورة جدية في الوقت الحالي, في الزمن الذي ترهلت فيه أحزابنا ودخلت حالة من حالات الفوضى العارمة سواء لجهة تعدد اتجاهات من ضمتهم في صفوفها أو لجهة برامجها العامة التي أصبحت غير قادرة على تلبية مطامح الناس, بحيث أصبح لا بد لنا أن نقف أمام جماهيرنا وفي مواجهة أصحاب أي رأي يختلف معنا معلنين عن أنفسنا بما لدينا وشيئا فشيئا نعود قادرين على إبداع رؤانا وصياغتها من جديد أمام محكمة الجماهير. وتأسيسا على ذلك يشكل قانون الأحزاب حاليا , علاوة على الفعل الذي سيتركه والذي أوضحته أعلاه, خطوة متطورة على طريق دفع الحالة الديمقراطية العامة في بلادنا إلى الأمام, وتوسيع مساحة الحرية في العمل السياسي, وخلق حراك جديد لربما يعيد ذلك مواطننا إلى الاهتمام بالشأن العام والمشاركة الفعالة في الحياة السياسية. وألفت النظر هنا إلى أن بداية انهيار أي مجتمع وانتشار الأمراض الكبيرة فيه تكون عندما يصل المواطن إلى لحظة يقاطع فيها العمل السياسي. وفي هذا المجال أجد أنه لا بد من إلقاء الضوء قليلا على سبب مهم من أسباب القطيعة بين المواطن والعمل السياسي إضافة لما قدمت, وكذلك على الأمراض المجتمعية التي تنتج عن انكفاء المواطن عن العمل السياسي وآثارها والنتائج التي تتركها على البنية المجتمعية العامة داخل هرم الدولة والحد الذي يمكن أن تتفاقم بالوصول إليه حتى يصبح لها الأثر العام والجدي على السياسة العامة للدولة. وهنا أشير إلى أن طريقة وأسلوب نشوء وتكون الدولة وأقصد هنا النظام فيها, إنما هو الذي يحدد الصيغ الفكرية والتنظيمية وأشكال البنى الخاصة والعامة التي ستطرح نفسها من خلالها أمام جماهيرها وأبناء شعبها. وعليه تتميز جميع الأنظمة التي تبوأت سدة الحكم في أية بلاد والتي وصلت إليها من خلال ثورات أو انقلابات عسكرية أو أية أشكال قسرية أخرى إنها دائما تترك وراءها أشكالا من ردود الفعل التي منها ما هو الإيجابي ومنها السلبي, في مجتمعاتها. وهذا أمر لا يخرج عن كونه طبيعيا كرد فعل مباشر على قيصرية ولادة هذه الأنظمة, مما يترك الباب مفتوحا على مصراعيه لنشوء حركات وتنظيمات معارضة لها, مع اختلاف درجة وحد ة المعارضة. وبالشكل البسيط نستطيع القول: هذا هو مرد نشوء فكرة الشمولية التي تبنتها وتميزت بها معظم الأنظمة التي نشأت على الشكل المبين أعلاه, وتعود إلى الذهن هنا تجربة الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقية الست. وبغض النظر عن الضرورات المجتمعية الخاصة والعامة التي أدت أو دفعت لقيام الأنظمة المتقدمة الوصف على النحو الذي قامت به والتي تكون بمعظمها في فترة النشوء موضوعية إلى حد ما, خاصة أننا يجب أن نفهم أن محاكمة أية حركة من الحركات المجتمعية لا بد أن تتم بالنظر إلى المرحلة التي نشأت فيها هذه الحركة وليس من منظار الزمن الذي تجري فيه المحاكمة, بغض النظر عن ذلك نجد أن الأنظمة التي تولد ولادة قيصرية على النحو المتقدم تجد نفسها في سدة الحكم في البلاد التي قامت أو تقوم فيها وبنفس الوقت تجثم أمامها مسؤوليات جمة وضغوط دولية وداخلية كبيرة, وبالتالي فإن عليها أيضا حماية نفسها لكي تتمكن من الاستمرار بهدف تحقيق أهدافها التي قامت لأجلها, فتتبع لهذا الغرض أسلوب تقييد المجتمع عن طريق سن قوانين عادية واستثنائية وإيراد نصوص, منها ما يكون دستوريا , وتقوم بإنشاء هيئات داعمة لها غالبا ما تتمثل بالمؤسسات الأمنية ومؤسسات الجيش التي تكون هي أيضا كأنظمة, مسؤولة عنها ومشرفة عليها وتوجهها. ولذلك أيضا اصطلح على تسمية الأنظمة التي تتبع فكرة الشمولية في أدائها النظام, بالدولة الأمنية وبالطبع إن هذه التسمية هي مرحلة متقدمة وتلي وتنتج عن فكرة الشمولية ضمن الأنظمة الشمولية ذاتها, فعندما تصل الدولة الشمولية إلى حالة أن توصف أنها دولة أمنية فهذا لا يعبر بحال من الأحوال إلا عن تزايد المعارضات الداخلية لهذه الأنظمة فتلجأ إلى تضخيم أجهزتها الأمنية والسلطوية بهدف الحفاظ على استقرار يضمن بقاءها واستمرارها.
ما أود الإشارة إليه أن الأجهزة التي تنشئها الدولة الشمولية مع الأخذ دائما بعين الاعتبار الدور الإيجابي الذي يمكن أن تلعبه في بعض مراحل تطور الدولة خاصة مراحل التأسيس, هذه الأجهزة لا تأتمر دائما بأوامر النظام الذي يفترض أن يكون موجها لها ومشرفا عليها. فمع مرور الزمن تبدأ بالظهور حالات الشطط الكبير في ممارستها لوظائفها حتى تتحول شيئا فشيئا - (خاصة إذا أنيطت بها مهام استشارية لجهة دراسة وتقدير مدى ملاءمة الفعل الذي يرغب النظام في القيام به, لحالة المجتمع لحظة نية الفعل) إلى أجهزة قد تسيء إلى الأنظمة التي أنشأتها انطلاقا من انحرافها عن الدور الذي يناط بها عند إنشائها والميزات التي تمنح لها والتي بحد ذاتها تخلق فيها رموزا تصبح مع مرور الزمن مسألة المساس بها تشكل من الخطورة ما قد تشكل, وبالتالي فإن شطط هذه الأجهزة باستخدام وسائل القمع المتوافرة لديها والتي تخرجها عن الهدف الرئيسي الذي وجدت لأجله والذي يفترض أن يكون تأمين الاستقرار ضمن المجتمع بهدف إتاحة الفرصة لحماية مكتسبات الثورة ومتابعة طريق البناء, هذا الأمر مقرونا بشكل ممارسة الحكم وتفرد الأنظمة الشمولية فيه والتركيز على إظهار رأي دون الرأي الآخر وهو ما بحثته في بداية هذا المقال, ينتج بداية اتجاه المواطن إلى الابتعاد عن المشاركة في الشأن العام خوفا مما قد يتعرض له من مساس لوجوده وعلى قضايا أخرى خاصة قد تختلف بين مواطن وآخر, وهذه هي بداية الانهيار الذي ذكرناه سابقا . لكل فعل في المجتمع رد فعل مقابل له كما أن لكل فعل من فرد رد فعل من باقي الأفراد المحيطين به. هذه المعادلة صحيحة تماما إذا ما أخذناها بالقياس على فعل الأنظمة, فدائما فعل النظام في ممارسته للسلطة, له آثاره المباشرة وغير المباشرة على المجتمع فكما قد يكون رافعا لمعنويات أفراد المجتمع يمكن له أن يكون رادعا ومحطما لإرادة هؤلاء وخاصة إذا ما تعلق الفعل باتخاذ قرارات قد تتضمن تعديلا أو تراجعا أو التفافا على الأهداف التي قام وتأسس عليها النظام وهذا طبعا لأسباب غالبا ما تكون خارجة عن يده وقد يدفع إلى إعلانها مؤقتا أو بشكل دائم بسبب ضغوط محيطة محلية أو إقليمية أو دولية, وهنا ليس من مخرج من هذه الحال إلا الدعوة والاتجاه إلى إشراك أوسع شرائح المجتمع في نقاش عام حول أهداف جديدة وبمعنى آخر إشراك الأغلبية العظمى من أفراد المجتمع وهيئاته باتخاذ القرار. وتكون صدمة الأنظمة كبيرة جدا عندما تبدأ باتخاذ هذه الخطوة وترغب جديا بفتح حوار مع الجميع وتنادي وتطالب الجميع بأن يكون مسؤولا من موقعه وتحاول جديا قرع نواقيس الخطر, إلا أنها تصطدم أمام كل دعوة من هذا الشكل بجواب المواطن علنا أو بينه وبين نفسه وهي الحالة الأكثر شيوعا (ما مت وما شفت مين مات)! والفكرة الأساسية تتلخص بأن احترام النظام لا يجوز بحال من الأحوال أن يتكرس بالخوف منه, وكل نظام يؤدي بفعل ممارساته, التي قد تحتوي شيئا أو أكثر من الشطط والإغراق أثناء بحثه عن الاستقرار, إلى خلق حالة من حالات الخوف لدى الأفراد أو الهيئات, إنما يسير بخطا حثيثة نحو إبعاد المواطن عن المشاركة معه في الشأن العام, وبالتالي يخلق هوة بينه وبين المواطن تأخذ بالتوسع كلما زاد النظام ذاته من شططه وإغراقه, والأخطر في الأمر مسألة القدرة على ردم الهوة والخروج من المأزق, الأمر الذي يتطلب دقة وعناية من نوع خاص. تأسيسا على ما تقدم نجد أن المواطن السوري ومنذ ما يزيد على عقدين من الزمن بدأ مسيرة ما نستطيع تسميته (مبدأ غض النظر) وبدأت تظهر وتتكرس في المجتمع مفاهيم خاطئة جرى التعبير عنها بالأمثال الشعبية (العين لا تقاوم المخرز- وما إلى ذلك) هذه المفاهيم التي ولدت فكرة الانتهازية التي راحت تتعاظم لدى الأفراد حتى أصبحت الأغلبية منهم جاهزة لاقتناص الفرص, بعيدا عن كل مفهوم أخلاقي شك ل الموروث الثقافي والمجتمعي لنا في هذه البلاد, وبدأ شيئا فشيئا يتعلم الصمت حتى صمت كليا , فبات مفهوم الرشاوى منقلبا إلى هدايا تميزت أنها فرض واجب وظهرت مفاهيم جديدة للنضال لدى الأفراد القادرين بدلا من أن تتوجه إلى تحقيق أهداف مجتمعية تركزت للسعي نحو الوصول إلى الكرسي حتى وصل مجتمعنا إلى مرحلة يقتتل فيها البعض لأجل هذا الموقع أو ذاك لأنهم لا يرون فيه إلا أنه الباب الوحيد للغنى السريع وهذا لا يدل إلا على الأمراض, فالكرسي بمعنى الموقع هي مسؤولية تتطلب تضحية وعملا وجهدا صادقا , وليست مقرا لشركة خاصة, وللحفاظ على هذه الأهداف المشوهة, التي ولدت لدى الأغلبية من أفراد مجتمعنا خاصة منهم - وللأسف الشارع السياسي - بدأ الفساد يتحول بعمل حثيث من البعض إلى ثقافة حتى بات شبه مستحيل اختيار مدير جيد لهذه المؤسسة أو تلك لأنه بحاجة للحماية فإذا لم يكن فاسدا يجري إفساده وإذا لم يفسد يجري إقصاؤه وللأسف... بالقانون, الذي يجري استغلال نصوصه للصيد بالماء العكر وبالتالي ترى هنا أيضا أسباب انكفاء الشرفاء عن المهام العامة وترى كيف نشأت في مجتمعنا البيرقراطية والروتين وقتل الإبداع في العمل العام انطلاقا من اللامسؤولية التي تولدت مع الزمن. قد يقول قائل إنني متشائم جدا وإنني أصور الواقع بمبالغات شديدة, وهذا رأي, أتساءل بمواجهته: هل التصفيق العارم الذي نشهده أثناء سماع الخطاب السياسي حقيقي أم أنه ناجم عن خوف من مجاهل كثيرة تركزت في أذهان المواطنين لأسباب قد يكون معظمها وهميا , إلا أن منها ما هو الصحيح أيضا ؟ مع الإشارة الى أنني لا أريد الدخول في تعداد المنجزات الضخمة التي أنجزتها الدولة والتي هي معروفة ونقف أمامها الموقف الذي تستحق من الاحترام. وأهم ما أريد قوله هنا: إن توصيف الواقع بصدق وشفافية ومسؤولية أمر مهم جدا ولكن الأهم من ذلك على الإطلاق مسألة الخروج بحل ناجع ومجد , وإذا كان الهدف من توصيف الواقع فقط التوصيف, فإن ذلك يصبح لغوا , بل قد يكون له الأثر السلبي. وهنا أقول إنني قد لا أختلف كثيرا حول مسألة التوصيف للواقع الحالي مع الأغلبية من الباحثين وإذا ظهر خلاف فلا بد أنني أتقاطع مع الكثيرين في النقاط الرئيسية ولكن الخلاف في الرأي قد يظهر حول مسألة المعالجة وهذا أمر طبيعي, بل أعتبره صحيا تماما . النتيجة مما قدمت تتلخص بأن المواطن انكفأ عن العمل والمشاركة في الشأن العام لأسباب قدمتها وأخرى عديدة تحتاج إلى بحث أطول وأكبر, والسؤال الكبير يتلخص ب- كيف نعيد المواطن إلى المشاركة في العمل السياسي والعناية بالشأن العام؟ أعود هنا إلى متن هذا المقال لأذك ر بأننا لم نعد, في زمن ثورة المعلومات والتطورات المجتمعية العامة والديمقراطيات التي تعصف رياحها في شتى أنحاء العالم, لم نعد بوارد ما كان سائدا وما سمي العمل السياسي والحزبي السري, وهذا العمل لا يجدي نفعا , بل قد يلعب دورا سلبيا بتأكيد فكرة انكفاء المواطن عن العمل السياسي وخاصة أمام أية هزة من الممكن أن يتعرض لها أي شخص بسبب أي رأي قد لا يحوز الموافقة, وأهم ما بات يتميز به العمل السياسي في المجتمعات التي تتجاوب مع الطروحات الديمقراطية ومنها مجتمعنا, أنه عمل بات يرتكز على العلنية ولم يعد قادرا على التأثير إذا لم يكن علنيا , والعمل العلني محظور بذهن المواطن المنكفئ عن المشاركة بالشأن العام وبالتالي تجب إزالة هذه الفكرة لديه, وكمدخل أساسي للعمل على هذه المسألة تأتي ضرورة طرح قانون الأحزاب بمعنى قوننة العمل الحزبي والسياسي حتى يشعر المواطن أنه محمي بعمله بالقانون وأن هناك على الأقل معايير يفرضها ويحددها له قانون وأن عليه العمل في إطارها وبالتالي يعرف حقوقه وواجباته ويعرف ما هو مباح وما هو من المحظورات. هذا مدخل للحل ولا أقول انه الحل الكامل أو الوحيد ولكنني أراه أحد الحلول المثلى على الأقل في ظل الظروف التي فص لتها أعلاه, وخاصة إذا ما اقترن بإجراءات أخرى كحرية العمل الصحفي وغير ذلك. وهذا المدخل (وأقصد قانون أحزاب) يحدد معايير واضحة للعمل السياسي والحزبي أو يفترض أن يفعل, وبالتالي تخرج المعايير عن الشكل الذي تقوم عليه حاليا وهي معايير شخصية لا يعرف المواطن متى تكون مرتفعة السقف ومتى تكون متدنية السقف, وما أقوله عن المواطن ينطبق أيضا على الأحزاب والهيئات السياسية والجمعيات الأهلية العاملة في مجتمعنا والتي في أغلب الأحيان لا تعرف حدودا لعملها. من الصحيح أن الديمقراطية لا تأتي ولا يجوز أن تأتي بقرار سياسي, ذلك أنها ببساطة هي عبارة عن أسلوب معيشة, إذا صح التعبير, منتج اجتماعيا يفترض فيه أن يعنى بكرامة المواطن وحقوقه وحرياته الأساسية في جو متقدم من الوعي, إلا أنه من الصحيح أيضا القول إن التأسيس لحالات ديمقراطية وفتح المجالات أمام نشوئها ودفع المجتمع إلى الارتقاء إلى مراحل من الوعي اللازم لإنتاجها إنما يمكن أن يكون ويؤسس له بقرار سياسي. من هنا تأتي أهمية التركيز على نقاش ضرورة أن نمتلك قانون أحزاب متطورا .
|
||