NEWROZ

نوروز


1/9/2005

الشـعب الكـوردي

تنوّعٌ في المعتقدات والأديان...تآلفٌ في العلاقات المجتمعية

المجتمع الكردي عُرف منذ القدم بانحيازه نحو العيش وفق نمطية الحياة المجتمعية وليس السلفية

نوري بريمو*

يبدو أنّ هنالك ثمّة مسافة شاسعة من الفرق ما بين أن يكون الإنسان مسلماً مؤمناً بالله ورسوله مؤدياً للفرائض والسنن وما بين أن يكون إسلاموياً أو أصولياً أو تكفيرياً أو تسفيهياً...الخ.

وبعيداً عن أية إطالة للمقدمة فإن الشعب الكردي بأكثريته الغالبة يعتبر من أقدم الشعوب التي اعتنقت الإسلام ديناً، ودافع عنه في السرّاء والضرّاء وسعى من أجل تثبيت أركانه عبر التاريخ الإسلامي الذي يشهد بجلاء على أنّ عدداً من الصحابة المقرّبين من الرسول الكريم كانوا كورداً وفي مقدمتهم الصحابي الجليل سلمان الفارسي(رضي الله عنه) وغيره من المسلمين الأوائل الذين اعتُبِروا من أهل البيت حينها، و يشهد المشهد الإسلامي أيضاً أسماء لامعة لقوّاد كورد كثُر شاركوا لا بل قادوا الفتوحات والحروب الإسلامية، مطاردين الطامعين بديار المسلمين وخير مثال على ذلك المجاهد صلاح الدين الأيوبي وغيره من المجاهدين الكرد الذين دفعوا دمائهم رخيصة في سبيل نصرة الدين الإسلامي .

وهذا ما يثبت بأن الشعب الكردي هو شعب مسلم كما غيره من الشعوب، لكنه يختلف بطبائع عديدة عن الشعوب الأخرى التي أسلمت وشكلت فيما بعد شعوباً إسلامية...، فالكورد مثلاً يشكلون أمة مسلمة في نفس الوقت الذي يميلون فيه بفطرتهم الاجتماعية إلى العيش المدني الديموقراطي والحياة الدنيوية الحرة الكريمة، إذ لم يشهد التاريخ الكردي بروز أية حركة كردية حملت توجهات أصولية صرفة، وإنما كانت كل الثورات والحركات الكردية بغالبيتها تتصف بالطابع الشعبي المسلم وليس الإسلامي .

وبناءً عليه فإن المجتمع الكردي عُرف منذ القدم بانحيازه نحو العيش وفق نمطية الحياة المجتمعية وليس السلفية، وعليه أيضاً فإن الأجيال الكردية المتتالية آمنت بمختلف علوم ومعارف وآداب هذه الدنيا، وكانت تسعى دوماً نحو مواكبة التطور والتقدم دون ابتعادها عن الأخلاقيات والتعاليم الدينية المحافظة، إذ كان أسلافنا يقظين من مغبة الانزلاق في هاوية الإلحاد والكفر، ولذلك بقي أغلب الكرد مسلمي العقيدة وعلمانيي الإيمان والسلوك في آن واحد، مما قادهم على الدوام إلى الإصرار على وجوب التوافق ما بين مستلزمات هذه الدنيا واستحقاقات تلك الآخرة، وإلى السعي من أجل إرساء أسس فصل الدين عن قضايا المجتمع والاقتصاد والسياسة وعن استحقاقات إدارة الدول بكافة مؤسساتها المختلفة.

وفي السياق التاريخي لهذه المسألة لا بل لهذه الميّزة التي ينفرد بها الكورد في المشرق ،يصف المستشرق الفرنسي بيير روندو في كتابه الشهير (العلاقات الجبلية في آسيا الوسطى) العلاقات المجتمعية الكردية التي كانت سائدة آنذاك 1934بقوله : "...كان المجتمع الكردي على الدوام متمسكاً بعلاقاته الاجتماعية على حساب علاقاته الدينية والدليل على ذلك هو أن بعض العشائر الكردية تضم بين أفرادها مسيحيين ومسلمين وايزيديين وهم أولاد عمومة مثل عشائر هفيركان وأومران علماً بأنهم من مذاهب وأديان مختلفة..." 

وما نالته المرأة الكردية من حقوق إنسانية مدنية تميزها عن غيرها من النساء المسلمات الغير كورديات ،لهو خير مثال على مدى سعي الكرد في كل المراحل إلى عدم التزمّت الديني وإلى الجمع الطوعي ما بين ممارسة العبادات والطقوس من جهة والحريات الشخصية ومتطلبات حياة الفرد ـ الإنسان اليومية من جهة أخرى .

وبناءً على هكذا أسس سليمة لتأسيس مجتمعي أهلي تآلفي، سارت معادلة حياة الإنسان الكردي وفق منوال حضاري لدى تعامله مع الأديان الأخرى، وهكذا فإن المجتمع الكردي بات مجتمعاً تسوده علاقات سلمية ما بين مختلف مكوناته الدينية، في ظل مناخات احترام طقوس الآخرين وشعائرهم ومعتقداتهم المتنوعة على مبدأ لا فرق بين السني والعلوي أو بين المسلم والأيزيدي والمسيحي...الخ، وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على أن مجتمعنا يمتاز بسلام أهلي لا تشوبه أية نزاعات دينية أو طائفية تذكر، ويدل أيضاً على أن العلاقات السائدة وسط الشارع الكردي رغم العراقيل والفتن التي كانت توضع من قبل هذه الجهة أو تلك...!؟، كانت وستبقى علاقات وفاق بيني إنساني أو توافق ديموقراطي حضاري بعيد عن أية نعرات دينية.

وعلى أثر بروز حركات وأحزاب قوموية عربية اعتنقت وجاهدت من أجل نشر أفكار وشعارات الإنتماء للقومية العربية على حساب الإنتماء الديني الإسلامي الذي كان سائدا وسط شعوبنا المتجاورة في منطقتنا الشرق أوسطية في القرن الماضي ،وعندما مارست ـ أي تلك الأحزاب التي اغتصب البعض منها مقاليد الحكم في العديد من هذه البلدان ـ مختلف صنوف الإكراه والإقصائية بحق الأقليات القومية والدينية المجاورة والتي كانت متآخية إسلامياً مع جيرانهم العرب فيما مضى ...، حينها كان رد فعل أبناء الشعب الكوردي بمختلف انتماءاتهم الدينية ،هو الإنحياز بشكل عفوي ودون اي تردد إلى الدفاع عن خصوصيتهم القومية التي ستبقى تميزهم بعوامل تكوينية كثيرة عن جيرانهم العرب والفرس والأتراك...الخ .

وحينما أسس الكورد حركاتهم السياسية أخذوا بعين الاعتبار مبدأ فصل الدين عن الحراك السياسي ،إذ من النادر أن تجد في كل أنحاء كوردستان حزباً كوردياً ـ وخاصة في سوريا مثلاً ـ ينتهج مرجعية دينية معينة أو ذو توجهات إسلامية صرفة بل إنها بمجملها أحزاب ذات مسمّيات وهيكليات وخيارات ديموقراطية علمانية تضم في صفوفها كافة فعاليات المجتمع الكردي دون أي تمييز أو تفرقة دينية تذكر.

وإنه لمن الملحوظ أيضاً بأن الكورد بفضل الفطرة والميول اللاّ أصولية المتوفرة وسطهم، لم ينحازوا البتة إلى تسييس الدين أو بالعكس من ذلك إلى تديين السياسة، وهذه بحد ذاتها طبائع يفتقدها غيرهم من الشعوب المجاورة التي عملت عبر الزمن على خلط الدين بالسياسة خدمة لمصالحها القومية أو الفئوية، فطبعت بذلك بلدانها ومجتمعاتها بطابع إسلامي صرف أدى فيما أدى إلى خلق نوع من ضعف الألفة لا بل النزاعات وسط مختلف الأديان والطوائف والمِلَل.

وللعلم فإن الحركة القومية  الكردية في سوريا التي تأسست في الخمسينات من القرن الماضي، كانت وستبقى حركة سياسية مجتمعية ديموقراطية تستمد قوتها من شارعها المسلم وليس الإسلاموي، وبذلك فهي ستبقى قادرة على أن تقي مجتمعها من الوقوع في فخاخ المذهبية والطائفية وغيرها، ويبدو أنها بحكم علمانيتها وخطابها السياسي العقلاني وخيارها الديموقراطي اللاّ عنفي ستبقى جاهزة من أجل المساهمة بدورها المطلوب في تفعيل الحراك السياسي الديموقراطي الجاري في سوريا، وستبقى مؤهلة للتلاؤم الإيجابي مع هذا الفعل السياسي العالمي الجديد القادم إلى منطقتنا على وجه السرعة.

وبالتأسيس على ما سبق فلا خوف إذاً من الأداء السياسي المرتقب للكتلة الكوردية في المستقبل الديموقراطي السوري القادم، ليس هذا فحسب بل يظهر بأنها قد تقوم بدور توافقي إيجابي ما بين مكونات المجتمع السوري الأخرى المتنوعة والمتوزّعة ما بين هذه الطائفة أو تلك وما بين هذا المذهب أو ذاك وما بين هذه التيارات السياسية أو تلك و...الخ.

فالجانب السياسي الكردي الذي يجسّد جزءاً من صورة حقيقية مصغّرة للمجتمع الكوردي في سوريا، هو بحد ذاته لوحة فسيفساء ذات ألوان متعددة تضم السني والعلوي والمسيحي والأيزيدي والعلماني والديموقراطي واليميني واليساري والليبرالي و...الخ.

وهذا بالضبط ما هو المطلوب في الحالة السياسية السورية الراهنة التي تتطلب التوافق الديموقراطي الإيجابي ما بين كل أطراف ومكونات المعادلة السياسية السورية التي ينبغي لها أن تلقى بجهودنا جميعاً النجاح والموفقية على طريق التغيير الديموقراطي الرامي إلى بناء سوريا ديموقراطية عصرية حديثة يتوفر فيها الشراكة الحقيقية والمساواة بين جميع مكونات الطيف السوري ليعيشوا معاً ضمن كلٍّ سوري متوافق وأمن وسالم ومسالم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

*عضو اللجنة السياسية لحزب الوحدة الديموقراطي الكوردي في سوريا ـ يكيتي ـ

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]