|
21/12/2005 محاولة لفهم معنى "اللغة الخشبية" بدلاً من الاعتراف بالأخطاء السياسية كخطوة ضرورية نحو تصويبها، يبررون الخطأ ثم يستمرون في ارتكاب المزيد. بكر صدقي - دمشق المستقبل - الاحد 18 كانون الأول 2005 تقول الحكاية إن جحا استعار طنجرة من جاره، فلما تأخر في إعادتها واحتاج إليها صاحبها، طرق هذا عليه الباب وذكّره بها. فقال له جحا: أولاً، أنا لم آخذ منك أية طنجرة. ثانياً، كانت طنجرتك معطوبة أصلاً. ثالثاً، لقد أعدتها إليك. "منطق" جحا هذا الذي يدافع به عن نفسه، يشبه، على غرابته، منطق جميع المتحدثين من موقع الحكم البعثي. تقول له مثلا: لقد وقّعت سوريا على معاهدة دولية لمناهضة التعذيب، وينبغي انسجاماً مع ذلك وقف أشكال التعذيب التي تمارس على السجناء والمعتقلين في السجون ومقرات المخابرات السورية، فيرد عليك لسان حال النظام قائلاً: أولاً، لا يوجد تعذيب في السجون السورية، وثانياً، كل بلدان العالم فيها تعذيب، فلماذا إثارة الموضوع بخصوص سوريا وحدها. وثالثاً، اتخذت القيادة قرارات عديدة ستلمسون نتائجها قريباً. ورابعاً، كل ما ذكر هو حالات فردية قليلة لا تشكل ظاهرة تستوجب المعالجة. وخامساً، وهو الأهم، كل هذا الضجيج المثار حول هذا الموضوع هدفه النيل من الانجازات والثوابت، لأن سوريا هي قلعة الصمود الأخيرة. يتكرر "المنطق" نفسه إذا دار الحديث عن المعتقلين وحرية الرأي والتعبير: 1ـ لا يوجد معتقلون سياسيون في السجون السورية... 2ـ المعتقلون المذكورون خالفوا القانون وقامت الدولة بمعاقبتهم كما في أية دولة في العالم... 3ـ لقد أفرجت القيادة السورية عن السجناء بموجب قرارات عفو عديدة... 4 ـ من تسمونهم بالمعتقلين السياسيين لايمثلون أحداً. 1ـ حرية التعبير نحترمها... 2ـ ولكن يجب أن نميّز بين حرية التعبير والتخريب، فثمة طروحات تتجاوز سقف الثوابت الوطنية... 3 ـ كل دول العالم لديها ضوابط معينة، على المواطن أن يحترمها... "المنطق" نفسه يعمل في السياسة الخارجية أيضاً. إليكم: 1ـ ليس صحيحا أن الإرهابيين يتسللون إلى العراق من خلال الحدود السورية... 2ـ ثم إننا اتخذنا كافة الإجراءات لمنع تسللهم... 3ـ حرمتنا أمريكا من خلال قانون محاسبة سوريا من الحصول على أجهزة متطورة لمراقبة الحدود ومنع تسلل الإرهابيين، فضلاً عن أن الحدود طويلة جداً ويستحيل السيطرة عليها (هل تستطيع الولايات المتحدة السيطرة على حدودها مع المكسيك؟)...4 ـ ثم إن العراقيين لم يقدموا لنا أية أدلة على ادعاءاتهم... 5 ـ طرحنا على الأمريكيين مرات عدة التعاون في ضبط الحدود لكنهم لم يستجيبوا. (هذا إذا لم نذكر الازدواجية المتمثلة في "المساندة" الإعلامية الصاخبة للمقاومة ضد الاحتلال من جهة، والتصريحات الرسمية المؤكدة على الحرص على أمن العراق والتي يعبر عنها دوما وفقا لمنطق جحا المذكور). يمكن للمراقب أن يلاحظ أن الهامش النسبي لحرية التعبير التي أتيحت بعد العام 2000 انعكس أيضا على النخبة الحاكمة ( بالإضافة إلى الأصوات المعارضة)، فظهرت أسماء عديدة تعبر عن مواقف السلطة أو تدافع عنها؛ الأمر الذي لم يكن متاحاً قبل ذلك. ففي عهد الرئيس الراحل كان كلام السلطة قليلاً، فالرئيس نادراً ما يعطي تصريحات للصحافة، وتمر سنوات حتى يلقي خطاباً، ووزير خارجيته "يضطر" لعقد مؤتمرات صحفية مع نظرائه من الدول الأخرى حين يزورها أو يزورون سوريا. وزير الدفاع أو قائد الأركان كانا يلقيان الخطابات الحماسية في مناسبات تخريج دورات عسكرية، وهي تخلو عادة من الكلام في السياسة؛ قيادات حزب البعث الحاكم واظبت على إلقاء خطابات في الاحتفالات السنوية بتأسيس حزب البعث أو ثورة آذار أو حرب تشرين أو الحركة التصحيحية، وهي خطابات قلما نقلها الإعلام السوري بصورة كاملة، ولم يجد الإعلام الخارجي فيها ما يستحق النقل. في ظل غياب الكلام الرسمي كان الإعلام الرسمي يملأ الفراغ بضجيج خطابي يغطي على الأحداث، و"يحشد". غير أن ما ميّز ذلك الإعلام هو خلوّه من الأسماء الفردية، ذلك أن هذه الأخيرة تخص الفريد وحده، وهذا اعتصم بالصمت سبيلاً للفعل. أما الصحف والإذاعة والتليفزيون فهي صوت الجماعة الغفل، صوت الأمة وضميرها وحقيقتها الفريدة. تغيرت الصورة كثيراً في العهد الجديد، وأخذ الجميع يتكلمون ولا أحد يصغي، في حين كانوا يتنصتون على كل نأمة بصمت في العهد السابق. هذا ما نفهمه حين ينخرط في الكلام حتى رموز الأجهزة الأمنية (بهجت سليمان مثلا ينشر مقالات في "المحرر العربي" و"السفير" باسم مستعار أولاً ثم باسمه الصريح ). معظم الوزراء في الحكومات المتعاقبة يدلون بتصريحات صحفية وخاصة وزراء الإعلام ووزيرة المغتربين بثينة شعبان، بل ووزير الداخلية غازي كنعان (كتب المقال قبل وفاته ). يضاف إلى هؤلاء ناطقون باسم السلطة بلا صفة رسمية كأحمد الحاج علي وعماد فوزي الشعيبي، وكذلك رؤساء تحرير الصحف الثلاث وبعض أعضاء مجلس الشعب وسفراء سوريا في كل من واشنطن ولندن والأمم المتحدة والإمارات العربية المتحدة، وهذا الأخير، رياض نعسان آغا، غير البعثي، لا يستمد أهميته من العاصمة المنتدب إليها، بل من خبرته الطويلة في التليفزيون السوري سابقاً. لدينا إذن مشهد غريب: تعدد في الأسماء والصوت واحد. للتعدد هنا وظيفة مزدوجة: إيحاء بحرية التعبير، واستفادة من "إبداعات" متعددة للدفاع عن الموقع نفسه (فالنظام في السنوات الأخيرة كان دوماً في موقع دفاعي). لاحظوا كيف ترد الوزيرة بثينة شعبان ويردّد أحد أعضاء مجلس الشعب على السؤال التالي: ما هي الأسباب التي حدت بالرئيس بشار الأسد لإلغاء زيارته إلى نيويورك بمناسبة انعقاد القمة العالمية للأمم المتحدة؟ يجيب عضو مجلس الشعب: لم يكن ثمة قرار رئاسي بالمشاركة في هذه القمة، وما تم تداوله بهذا الخصوص هو مجرد كلام إعلامي. أما الوزيرة فكان لها رأي آخر: ألغى السيد الرئيس زيارته لنيويورك بسبب انشغاله بأجندة الإصلاح الداخلي في سوريا. المشترك بين الإجابتين هو إخفاء الحقيقة التي يعرفها تلاميذ الابتدائية في مصر. يمكن وضع قائمة طويلة بالتصريحات المشابهة، لكننا نفضل استخلاص النتيجة: بفسح المجال أمام الناطقين المتعددين انكشف الواقع السوري عما يشبه الفضيحة في انعدام الكفاءات السياسية والإعلامية معاً، فهذه في الأخير انعكاس لتلك. بدلاً من الاعتراف بالأخطاء السياسية كخطوة ضرورية نحو تصويبها، يبررون الخطأ ثم يستمرون في ارتكاب المزيد. ولا أعني بالأخطاء هنا ما يسبب الأضرار من وجهة نظر مصالح الدولة العليا، بل تلك المتعلقة بالمصالح الضيقة للنخبة الحاكمة ذاتها. إذا كان انعدام الكفاءة يتجلى على المستوى السياسي في انعدام القدرة على قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية، واتخاذ القرارات بما يناسب تلك المتغيرات، فهو يتجلى على المستوى الإعلامي في العجز عن التعبير بلغة مفهومة. هذا ما يعنيه الناس حين يتحدثون عن "لغة خشبية". إنها لغة متخشبة أي فقدت الحياة بعد أن ولى عصرها، عصر الحرب الباردة بين قطبين، وحركة التحرر الوطني، لغة حاولت في الأسطر السابقة رصد بعض تجلياتها. |
|
الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية بيانات وتصريحات | مختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن |
|
Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne |
|
Despêk 6-ê Gulana 2004-an copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz] |