|
20/10/2005 مشاهد من إيران...ازدواجية اجتماعية وسياسية هذا مجتمع تنتشر فيه الأوبئة: الفساد والاحتيال والرشوة والمخدرات والبطالة والقمع وغياب الحريات وقسر الناس على تبني آراء وأذواق وأزياء من دون إرادتهم نزار آغري - طهران "النهار" - الخميس 20 تشرين الأول 2005 كان مقرراً أن تقلع طائرة الخطوط الجوية الإيرانية من مطار غوتنبرغ بالسويد في الساعة الثانية بعد الظهر ولكنها فعلت ذلك في الساعة الحادية عشرة ليلاً، أي بعد تسع ساعات. كان طابور المسافرين تشكل أمام مكتب شركة الخطوط الجوية حين أذيع من مكبر الصوت أن الرحلة تأخرت أربع ساعات. وحين انقضى هذا الوقت أعلن عن تأخير الرحلة خمس ساعات إضافية. الموظفون، والموظفات، السويديون اعتذروا من المسافرين مراراً عديدة رغم أن الخطأ لم يكن خطأهم بل خطأ الشركة الإيرانية التي يبدو أن طائرتها تأخرت كل هذا الوقت. مع هذا لم يعتذر أي من الموظفين الإيرانيين ولم يقدموا أي تفسير. وحين أبدى بعض الناس تذمرهم نهرهم موظف إيراني، غليظ الشارب، وأمرهم بالسكوت. ولست أعرف إن كان هذا الحادث وقع بشكل استثنائي أم أنه من عادات الشركة الإيرانية. غير أن معاينة حال الناس في إيران ومن ثم رؤية الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في الأمم المتحدة، يهدد ويتوعد أسبغت على الواقعة مسحة رمزية تفصح عن واقع الحال الإيرانية في إجمال صورتها. وعلى ما يبدو فإن راحة الناس وأمنهم واستقرارهم ورفاههم آخر ما يفكر فيه المسؤولون الإيرانيون سواء أكانوا مسؤولين عن طائرة أو عن بلد. سائق سيارة التاكسي الذي نقلنا من مطار مهرآباد في طهران إلى الفندق لم ينتظر منا سؤالاً كي يشرع في حديث حاد مليء بالمرارة والغضب. وهو لم يكد يطمئن إلى أننا غرباء وقادمون من بلد أوروبي حتى أراد "أن يفتح قلبه لنا" كما قال. هو شاب في الثالثة والعشرين من العمر تخرج من الجامعة حديثاً، وقد أظهر لنا وثيقة محفوظة في مغلف ورقي كان وضعه أمامه قال أنها شهادته الجامعية. ولكنه بدل أن يتوظف ويعمل وجد نفسه في الشارع عاطلاً عن العمل."الحمد لله أنني أملك هذه السيارة القديمة فأحصل بواسطتها على رزقي ورزق عائلتي. هناك الآلاف غيري ممن لايملكون شيئاً". قال أنه لا يكاد يستطيع أن يرى ابنه الصغير البالغ من العمر سنة واحدة. فهو يخرج في الفجر ويعود بعد منتصف الليل، حيث يكون الوليد في الحالتين نائماً. وسيارته القديمة هي من طراز "بيام" الذي تصنعها إيران بترخيص من شركة أوروبية. وطهران مليئة بهذه السيارات المتهالكة التي تشبه سيارات "لادا" السوفياتية القديمة وتلوث أجواء العاصمة إلى حد الإختناق. الشعارات الكبيرة التي تمتلىء بلغة القوة والتحدي تملأ الشوارع. وعلى جدران البنايات صور ضخمة لقادة البلاد. الاستعراض العسكري الكبير في ذكرى الحرب مع العراق، والذي بدا فخماً على الطريقة السوفياتية والكورية الشمالية، كان في تناقض صارخ مع واقع الحال في الشارع. كانت ساحة الاستعراض تمتلىء بالمهابة والبذخ والطاعة والنظام. وكان الجنود وحراس الثورة، وكذلك حارساتها، يسيرون متراصين، حاملين البنادق وقد خلعوا على وجوههم أمارات الجدية والصرامة. أما الصواريخ "العملاقة" والمجسمات المروعة فكانت صورة طبق الأصل من الاستعراضات التي كانت حكومة صدام حسين تحرص على إجرائها في الذكرى نفسها في الغالب. في الشارع صورة أخرى: فقر وحرمان وفوضى وتلوث بشكل يفوق الوصف. البؤس يظهر جلياً في كل ركن. ولكن كيف نفسر التظاهرات الصاخبة والمسيرات الضخمة التي تخرج تأييداً للحكومة؟ أسأل السائق. لاتغرنّك المظاهر، يجيب ضاحكاً. هذه تظاهرات مصنوعة، مثلها مثل خطب الجمعة، يجري إعدادها بدقة وإتقان. الموظفون والعمال والتلاميذ والطلاب مضطرون للخروج تحت طائلة الحرمان من الوظيفة والعمل والمدرسة والجامعة. ثمة لجان تدوّن أسماء من يخرجون ومن لايخرجون. فمن يغامر بإضاعة مصدر رزقه؟ التظاهرات نوع من العمل الإجباري الذي لايمكن التملص منه. من يسير في شوارع طهران يعتقد أنه يعيش في بلد أوروبي، ولكن فقير. من النادر أن تجد رجلاً معمماً ولايعرف المرء من أين يخرج كل هؤلاء المعممين في الحكومة وأثناء خطب الجمعة. والمحجبات يرتدين سراويل الجينز التي تظهر واضحة من تحت الجلباب. الشباب الإيراني أقرب إلى الشباب الأوروبي في الملبس والمسلك وتسريحة الشعر ونوع الموسيقى التي يستمع إليها . محلات بيع الملابس تعرض آخر الصرعات الأوروبية، للرجال والنساء، على السواء. ثمة ازدواجية فاقعة في كل ركن. هناك الظاهر وما وراء الظاهر. ازدوراجية هي الاسم المخفف للنفاق الذي يغطي الأشياء ببرقعه الصارخ. في الطائرة كانت النساء يرتدين الأزياء الاوروبية وقد أطلقن شعورهن للملأ وأبرزن مفاتنهن دون حرج. كنت غفوت في الرحلة الطويلة وحين استيقظت على الصوت الذي يقول بقرب الوصول إلى طهران ونظرت حولي رأيت النساء وقد التحفن عباءات سوداء وغطين رؤوسهن فبدون كما لو كن ذاهبات إلى مجلس عزاء. قبل قليل كان كل شيء مختلفاً. لاشك أن تبديل المظهر جرى أمام أعين المضيفين. المسألة أشبه بمسرحية يتفق الجميع على فحواها ولايملك أحد تبديل فصولها. مع هذا تستمر اللعبة كما لو أنها من طبيعة الأشياء. في الحديقة القريبة من ساحة وليّ العصر عُلّقت لوحة كبيرة تشرح طرق انتقال مرض الإيدز. لم نستطع أن نفهم سبب تعليق اللوحة هناك إلا حين رأينا أحدهم وقد افترش الأرض وراح يستنشق شيئاً من ورقة مطوية مدها له رفيقه أمام الأعين وفي وضح النهار. وحين مضينا قليلاً مرّ بالقرب منا رجل كاد أن يصطدم بنا وقال بصوت خفيض ولكن واضح: دارو دارم. أي لدي دواء. والمقصود بالدواء هو المخدرات. وأكثر المخدرات انتشاراً في إيران هو الأفيون الذي يباع رخيصاً مقارنة بالأشكال الأخرى. وطبقا لتقرير المخدرات العالمي عام 2005 الذي أصدرته الأمم المتحدة عن مدمني الأفيون توجد في إيران أعلى نسبة من المدمنين في العالم. و تشير الإحصاءات إلى أن عدد المدمنين في إيران يصل إلى 4 ملايين شخص، وهذا يضعها على قمة الدول من حيث عدد السكان المدمنين على المواد المخدرة بما في ذلك الهيروين. وينتشر تعاطي المخدرات بين الشباب على نطاق واسع ويعد نوعاً من الهروب من مشكلات البطالة والفراغ والفقر. حين خرجنا من طهران أوقفت سيارتنا نقطة تفتيش تابعة لما أطلق عليه اسم عسكر حمزة. قال السائق أن الأمر يتعلق بإجراء يومي يطلب فيه الجنود رشوة من المسافرين. فإذا رفض المسافر دفع الرشوة سببوا له المشاكل. دفعنا حصتنا ومضينا من دون مشاكل. تبدو إيران من الخارج مجتمعاً متماسكاً وقوياً غير أن نظرة متفحصة عن قرب تكشف الهشاشة التي تسري في مفاصلها. هذا مجتمع تنتشر فيه الأوبئة: الفساد والاحتيال والرشوة والمخدرات والبطالة والقمع وغياب الحريات وقسر الناس على تبني آراء وأذواق وأزياء من دون إرادتهم. مجتمع تديره عصا السلطة التي تلتحف بالإيديولوجيا وتتحدث عن الأخطار الخارجية وتلح على الشجاعة وتلوح بالقوة. ولكنها قوة المظهر. القوة التي هي كناية عن ضعف. القوة التي يتم بها تمويه الهزال الذي يعاني منه المجتمع في بنيانه. |
|
الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية بيانات وتصريحات | مختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن |
|
Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne |
|
Despêk 6-ê Gulana 2004-an copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz] |