NEWROZ

نوروز


1/9/2005

مبارك والرهان الأخير

فكيف يستطيع الرئيس حسني مبارك (أعانه الله ) أن يستمر في المراهنة على نشر الديمقراطية والديكتاتورية في آن واحد

شكري احمد

ما من مراقب منصف للحقيقة إلا ويقرُ أن شمس الأنظمة الشمولية بدأ بالأفول إلى غير رجعة, فبنظرة فاحصة إلى حالة المخاض السياسي الراهن في العالم العربي يمكننا تلمس الحالات المرضية التالية:

1ـ ترعرعت الأفكار الاستبدادية عبر تاريخ طويل ومظلم , حيث سياد حكم الفرد على مختلف مستويات المجتمع العربي كسلطة أبوية بدأت تنمو في الأسرة والقبيلة والعشيرة وحتى الطائفة الدينية , ثم انتهت إلى حكم الفرد في الإمارات والممالك ثم رئاسة الجمهورية في العصر الحاضر.

2ـ عانى المواطن في ظل الحكومات والممالك العربية من ديكتاتورية حكم الفرد وزبانيته , حيث ساد الفقر والجهل والمرض فساد التخلف الفكري والثقافي والاجتماعي مما خلق مناخاً مظلماً من الإحباط واليأس للوصول إلى مستقبل مشرق للعالم العربي.

3ـ ترعرع الفكر الانقلابي الدموي في عقل قادة الحكم الفردي وساستهم في جميع الدول العربية , فساد نظام الحكم الشمولي في ظل أدواته الظلامية من إعلام و أجهزة أمنية لا ترى سوى قوة الاستبداد والتعذيب في الأقبية , فكانت المؤسسات الحكومية ( نقابات ـ جمعيات ـ منظمات ـ أحزاب ....) أبواقاً لتدجين المجتمع العربي ليهتفوا عاش ( الملك ـ الرئيس ـ الأمير ...)

4ـ جسدت الأنظمة الشمولية العربية مصالح الدول الغربية ( أوربا و أمريكا) إلى جانب مصالح المنظومة الاشتراكية السوفيتية سابقاً ، وابتعدت عن مصالح شعوبها ، لذلك كانت مصالح تلك الدول هي الداعمة والمؤيدة لما يسمى بالأنظمة المستقرة في الشرق الأوسط من المغرب إلى العراق ، وضمن توافق للمصالح الإقليمية والعالمية من روسيا والصين وحتى أوروبا وأفريقيا مروراًً بإسرائيل.

5ـ تركزت الرساميل  الكبيرة في يد قادة الأنظمة الشمولية وزبانيتهم وأبواقهم مما خلق مناخاًً جديداً للمزيد من السلب والنهب للثروات في البلدان العربية من قبل تلك الفئة المتسلطة , أما بقية الشعب فغرق في متاهة البحث عن لقمة العيش وبالتالي افرز هذا المناخ حالة من اللامبالاة للحالة الوطنية العامة وفقداناً لأدوات النضال السياسي القادر على دفع المجتمع نحو بناء أدوات التغيير السياسي الديمقراطي المنظم , وهذا بدوره أفسْح المجال أمام ظهور العديد من التيارات الحزبية التي لم تدم طويلا فانهارت  عند أضعف الصدمات أو فتته النظام إلى جملة أحزاب متعارضة وغير قادرة على الاتفاق , لذلك لم تشهد الساحة الجماهيرية العربية قيام جبهات سياسية قوية لأحزاب المعارضة السياسية , وبالعكس وعلى خط مواز للسلوك الديكتاتوري للأنظمة الشمولية شهدت الساحة الشعبية في العالم العربي تكوين جبهات ظلامية عسكرية معارضة للنظام عساها تصل إلى السلطة كنظام إنقلابي جديد وكل تلك المساعي فشلت لأنها لم تنل رضا أوروبا  أو أمريكا أو السوفييت سابقاً ، وفقط نجح الذين نالوا رضا المصالح والقوى الخارجية.

6ـ استمر الخلاف بين الدول العربية بشكل ثنائي أو جماعات متكتلة لأسباب سياسية عقائدية أو جغرافية حدودية أو مذهبية دينية أو اقتصادية حفاظاً على مصالح الفئات الحاكمة وعلى حساب مصالح الوطن والمواطن .

7ـ القضية الفلسطينية أصبحت حجة رخيصة لدى الأنظمة الشمولية العربية لأنها تحولت إلى حجة واهية كبقعة دم على قميص يوسف عليه السلام لإسكات عاطفة الشعوب العربية دينيا وقوميا, حيث عسكر القادة العرب نظمهم بحجة تحرير بلاد المقدس , بينما لم تحارب أية دولة عربية إسرائيل من اجل تحرير القدس الشريف وبالعكس حاربت الأنظمة العربية فيما بينها لتحقيق المصالح الإقليمية أو الدولية وضد مصالحها الوطنية وحتى القومية.

8-عدم اعتراف الأنظمة العربية الشمولية بالتعدد العرقي والديني في أوطانها كونها أنظمة عربية قومية إسلامية،حيث ساد الفكر الشوفيني في بلدانها موجهة الغالبية العربية أو المستعربة المسلمة ليشككو بوطنية كل من يقر بأنه ليس عربي الجنسية أو انه ليس مسلما أو كل  من يفتخر بقوميته و ثقافاته الغير العربية من( كرد وأشور و كلدان وجركس وأقباط وبربر .......) وهنا يكمن أهم عامل من عوامل إضعاف اللحمة الوطنية في البلدان العربية إلى جانب هيمنة عقيدة السلطة الحاكمة ومذهبه الديني والسياسي على المذاهب الأخرى التي يؤمن بها الآخرون خارج إطار السلطة الديكتاتورية .

وتوافقاً مع أمراض وأزمات العالم العربي والتي ما برحت تنخر في جسمه المريض يمكن أن نستقرأ التحولات التالية في العالم كعوامل أساسية تستدعي التغيير في أسس بناء الأنظمة العربية إلى جانب العوامل الداخلية :

1ـ انهيار النظام السياسي والاقتصادي في الاتحاد السوفيتي لأنه لم يتمكن من تحديث آلياته وفق متطلبات التطور الفكري والاجتماعي لشعوبه. وبالتالي تكالبت المصالح الغربية عليه من الداخل وفجرت الأزمات الاجتماعية من الداخل على شكل أزمات اقتصادية وثقافية ( دينية ـ قومية ـ فكرية ـ حريات ـ ديمقراطية ......) فانهارت المنظومة الشيوعية وشعوبها تحلم بالنموذج الغربي لمجتمع حر ديمقراطي مرفه.

2-تغير أدوات التحكم  بالسيادة والمصالح على مستوى الأفراد والجماعات والدول ،حيث السياسة الفعالة في مجال الفكر والثقافة والاقتصاد بسبب سيادة أدوات التكنولوجيا المتقدمة وتمركز الخبرة في يد عدد محدود من دول العالم , إلى جانب التقدم المذهل في العلوم التطبيقية الاقتصادية منها والفكرية حيث سيادة الشركات الكبرى وسيطرتها على الاقتصاد العالمي وسيادة دور الإعلام في تحريك الرأي العام الوطني والعالمي وتحريك ثقافة  العولمة الجديدة التي تمكنت من امتلاك أحدث أدوات التحكم والتغيير في العالم من صحافة وإعلام مريء ومسموع والتي لعبت دوراً رئيسيا ًفي انهيار العديد من النظم الشيوعية أو الاشتراكية بالرغم من ترسانتها العسكرية التي لم تفلح بالحفاظ على تلك النظم الاستبدادية .

3- تمركزت القوة العسكرية العالية التقنية في العالم الغربي بشقيه الأوربي والأمريكي ، ولكن القوة الاقتصادية للشركات الأمريكية جعلت من أمريكا  القوة العظمى الوحيدة المتحكمة في مصير العالم ككل (أحادية القطب ). ومن هنا بدأ عصر الهزات الارتدادية في العالم الثالث عبر سلسلة من النتائج التي تمثلت في :

أ‌-         تفكك جمهوريات الاتحاد السوفيتي وحكوماتها ( انهيار نظام ثنائية القطب ومكتسباتها ).

ب‌-     الوحدة بين شطري ألمانيا .

ت‌-     انفصال التشيك عن السلوفاك .

ث‌-     انهيار النظام الشمولي في رومانيا .

ج‌-      انتهاء دور البترول العربي كقوة اقتصادية للدول العربية على المستوى السياسي بسبب جملة الاتفاقيات العسكرية والسياسية مع الغرب ، وكان مقتل الملك فيصل أول تجربة اختبارية لفقدان تلك القوة ، حيث جاءت عملية الاغتيال بعد تصريحه بأنه سيدفع ثمن فاتورة حرب تشرين من رصيد أمواله في البنوك الأمريكية .

ح‌-      توريط النظام العراقي والإيراني في حرب دام أمده ثمان سنوات لم ينتج عنه سوى انهيار البنية الاقتصادية والعسكرية والبشرية  للنظامين العراقي والإيراني وخدمة اقتصاديات الدول التي اشتركت في الدعم اللوجستي للحرب من روسيا إلى أوربا وأمريكا وحتى إسرائيل. 

خ‌-      عقد صفقة السلام بين مصر وإسرائيل ثم الأردن وإسرائيل كشر لابد من تجاوزه للدخول في مرحلة سياسية جديدة في الشرق الأوسط .

د‌-        فدفع الرئيس المصري  أنور السادات حياته ثمناً للتجربة التي لم يستطع الشارع السياسي المصري قراءة أسبابه ونتائجه والذي بدوره لم يفلح في إنتاج حركة سياسية مصرية معاصرة قادرة على قراءة ملامح العصر وبالتالي لم تتمكن من توفير أدوات التغيير المناسبة للمتغيرات الإقليمية والدولية لا من داخل السلطة ولا من صفوف المعارضة .

ذ‌-        استمرت عمليات المخاض السياسي في معظم الدول العربية حيث دخل النظام السوري في صراع عقائدي مع النظام العراقي خدمة للمصالح الإقليمية واحتلت لبنان باسم إلغاء الطائفية خدمة للشعب اللبناني والتي تبلورت في نهاية الأمر على أنها مصلحة ذاتية للنظام السوري وإقليمية دولية تصب في مبدأ لعبة التوازنات وبقيت النعرات والخلافات الطائفية في لبنان أكثر حدة والمصالح الإقليمية والدولية في لبنان أكثر اختلافاً وتصارعاً.

كما انفجرت الحرب الطائفية والعرقية في الجزائر في ظل حكومته العسكرية ولم يدفع ثمن ذلك سوى الشعب الجزائري بكافة انتماءاته ولم يستفد منه سوى طغيان الحكم الشمولي وظهور عناصر الإرهاب المتأسلم وكذلك الصراع القومي والقبلي والمذهبي في السودان الذي دفع ثمنه  الشعب السوداني كثيراً .

كل ما تقدم من أحداث ساعدت البقية الباقية منَ أصحاب الفكر الديمقراطي المتحرر المتأتي من النسيج الوطني لشعوب المنطقة في العالم العربي ساعدهم على الإيمان بأن البقية الباقية من أوراق التوت التي تستر عورات الأنظمة الشمولية في المنطقة بدأت بالسقوط لتكشف كامل العورة , ترافقا مع ظهور أخطاء وعيوب ما سمي بالمعارضة الوطنية العربية التي غالباً ما تحولت إلى مجموعات متحزبة فاقدة للبصر والبصيرة ليتحكم بمصيرها قادة أقسموا :أن لا يتحركوا إلا على مسار مواز لمسار النظام الحاكم وبنفس الاتجاه .

هذا الكشف المتأخر جداً لجملة السلبيات في العالم العربي تم ترافقاً مع رياح التغيير القادمة من الغرب المتحرر عبر التواصل الفكري والثقافي والإعلامي بين المجتمعين , حيث لم يعد العالم سوى قرية صغيرة , تتأثر التفاعلات فيما بينها مباشرة على مختلف المستويات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مكونة ثقافة عالمية جديدة. ويظهر تأثير هذا التفاعل الكلى الشامل على مستوى العالم جلياً من قراءة أسباب ونتائج أحداث 11ـأيلول عند تفجير مبنيي التجارة العالمي في نيورك والهجوم على البنتاغون :

1-       اصطدام العاصفة الفكرية الغربية بالفكر العاطفي الديني المتخلف في العالم العربي والإسلامي الذي أنفجر بظهور تيار ديني متخلف تجسد بالسلوك الإرهابي المتأسلم ، حيث منعت الأنظمة الشمولية نمو وتطور الفكر والثقافة لدى شعوبها حفاظا على بقاء الكرسي الذهبي بيدها كسلطة أبدية .

2-       التقاء الثقافة الغربية بالرؤية الثقافية والفكرية المتحررة لدى بعض المفكرين في العالم العربي والإسلامي ساعد على ظهور تيار ديمقراطي وطني ليبرالي أو علماني يقر بضرورات التغيير العصرية في العالم العربي .   

وبالعودة إلى عنوان المقال :لا بد من الإقرار بأن مصر كدولة تشكل مركز الحراك السياسي والاقتصادي والبشري في العالم العربي وبالرغم من كل المكاشفات السابقة والتحولات المعاصرة في البنية السياسية والاقتصادية للعالم العربي بشكل عام نجد أن مصر كنظام سياسي قد أوقع نفسه في شرك رهان مؤلم يتجسد في جملة من التناقضات :

أ‌-         الحفاظ على السلطة الأبوية الشمولية ومواجهة الديمقراطية كضرورة تاريخية معاصرة .

ب‌-     الحفاظ على مواكبة تطوير مؤسسات الدولة لتتلاءم مع ضرورات العصر  بالتوازي مع محاربة الديمقراطية في مواجهة أحزاب المعارضة كقوة سياسية أخذت بالنمو بين صفوف الشعب .

ت‌-     الحفاظ على مصالح زبانية السلطة الشمولية والاصطدام مع مصالح معظم أبناء الشعب المصري حيث الحرمان والمعاناة بسبب رفض النظام لبناء مؤسسات حقوق الإنسان وعدم تنفيذ مبادئ الحرية الفكرية والسياسية.

فكيف يستطيع الرئيس حسني مبارك (أعانه الله ) أن يستمر في المراهنة على نشر الديمقراطية والديكتاتورية في آن واحد , ومشهد الاستفتاء الأخير لم يكن إلا مهزلة جديدة تؤكد أن نظام مبارك يصر على وضع مصير الشعب المصري في رهان خطير يفتح أبواب صراع سياسي دموي من اجل تجاوز مرحلة الإحباط الشامل في العالم العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص حيث أطراف المواجهة للنظام السياسي القائم أصبحت قوية بالتأييد الشعبي الداخلي والتأييد السياسي الإقليمي والعالمي.

فالشعب يريد ديمقراطية كاملة وحرية شاملة والنظام يحاول تقديم نماذج منقوصة حفاظاً على مصالح حاشية النظام الشمولي المستهلك بالتقادم.

وبدوري كعاشق للحرية أتمنى أن يتنازل الرئيس حسني مبارك عن عرشه الفرعوني لئلا يبتلعه البحر, ليفسح المجال أمام شعبه الجبار ابن الثقافة المصرية العريقة كمنبت حضاري منذ فجر التاريخ ليساهم في بناء الحضارة العالمية المعاصرة وليشق طريق الحرية والديمقراطية أمام شعوب بقية الدول العربية التي تنظر إلى مصر كقوة عظيمة في الشرق الأوسط مشرقاً ومغرباً.

وندائي لمبارك هو إلغاء قانوني الطوارئ والإحكام العرفية والعمل بمبادئ حرية الفكر والعمل السياسي , والبدء ببناء المؤسسات الديمقراطية للدولة , وعندها فقط سيشهد التاريخ الوطني المصري فجراً جديداً من العلم والفكر والتطور في كافة مجالات الحياة لأبناء الشعب المصري العظيم.

حلب 30/8/2005

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]