NEWROZ

نوروز


17/1/2006

كردستان وديموقراطية العراق

نزار آغري

المستقبل - السبت 14 كانون الثاني 2006

مازالت الديموقراطية شيئاً غامضاَ في هذه المنطقة من العالم. وفي العراق تنتاب الحيرة الجميع أمام هذا الشيء الغريب الذي أطل عليهم فجأة. ويجد أكراد العراق أنفسهم أمام تجربة غير مسبوقة: للمرة الأولى في تاريخ الدولة العراقية يفسح لهم المجال للتدخل بأمر الحكم المركزي.

لا تزال أفكار المناخ الاستبدادي عالقة بالأذهان ومن الصعب التخلص منها دفعة واحدة وبقايا هذه الأفكار تجعل الأكراد يظهرون في هيئة الغرباء الذين يسعون في الاستحواذ على مغانم وامتيازات كانت محظورة عليهم في ما سبق. من الصعب أن يتقبل الناس، دفعة واحدة، الفكرة البسيطة التي تتمثل في أن الأكراد يشكلون جزءاً من الجسم الحاكم.

لقد نظر بعضهم الى دخول الأكراد الحلبة السياسية وشروعهم في طرح تصوراتهم وكأنه أمر شاذ. بدا ذلك خرقاً لقوانين غير مكتوبة ولكن راسخة في الأذهان وسارية مسرى البداهة.

ومن أثر ذلك يجد كثيرون في السلوك السياسي الكردي تعدياً غير مقبول على الأعراف ونوعاً من ممارسة الابتزاز ولي الأذرع من أجل السيطرة على البلاد والحكومة.

وبطبيعة الحال فإن الأحزاب الكردية ترى أن أفضل سلطة سياسية هي تلك التي تحقق مطاليبها وتستجيب لتصوارتها عن شكل إدارة البلاد. وفي هذا الشأن لايختلف حال الأحزاب الكردية عن غيرها من الأحزاب في العراق. غير أن ما تنفرد به الأحزاب الكردية هو أنها تعكس، أو تحاول أن تعكس، طموحات السكان في جزء محدد من البلاد. ويجري الانطلاق هنا من واقع أن العراق يضم في كيانه إقليم كردستان الذي تم إلحاقه بالمركز عند تأسيس الدولة العراقية. لقد شابت العلاقة بين المركز وإقليم كردستان توترات مزمنة انعكست بشكل سلبي على العراق كله. وتعرضت كردستان في مراحل محددة الى القمع والحروب والمجازر وعمليات التغيير الديموغرافي. وبلغت هذه الممارسات أوجها في فترة الحكم البعثي حين جرت عمليات التطهير العرقي المسماة بالأنفال وتعرضت مدن وبلدات كردية للقصف بالسلاح الكيماوي وشهدت محافظة كركوك أكبر عملية تغيير سكاني إذ أجبرت العائلات الكردية على الرحيل منها وأسكنت مكانها عائلات عربية جرى استقدامها من أماكن أخرى من البلاد. وكان ذلك ناتجاً من السياسة الخاطئة التي تم اتباعها إزاء ما سميَّ بالمسألة الكردية. وبدلاً من حل تلك المسألة، التي هي مسألة قومية شأن المسائل القومية الأخرى في العالم، بالسبيل السلمي والتنازلات المتبادلة تم اللجوء الى العنف والبطش. ومن الطبيعي أن يكون التخلص من الآثار المأسوية للسياسة العنصرية لحكومة البعث في قائمة مطالب التحالف الكردستاني. غير أن العنصرية كانت تغلغلت في الأذهان وتحولت الى ممارسة سلوكية خفية. وقد أضحى التعامل مع الواقع الكردي من منظار الاستعلاء والترفع عن الأشياء الأساسية سلوكاً معاشاً ومقبولاً بحيث لايتم الالتفات إليه. واليوم إذ تنهض حتمية مواجهة المشكلة وضرورة حلها بشكل نهائي يلوح الأمر وكأن الأكراد يسعون في الاستحواذ على مكاسب تفيض عن حاجتهم. وينبع هذا من واقع أن الأكراد لم يحظوا في أي يوم من الأيام بأي امتياز.

تظهر الدعوة الكردية الى تطبيع الأوضاع في كركوك وعودة المرحلين الى بيوتهم وكأنها سعي في الهيمنة على المدينة.

ويكثرالحديث عن "ضم" كركوك الى كردستان و"تكريدها" وطرد العرب منها وما شابه ذلك من أقوال تستنفر المشاعر وتستفز العقول ويتم التلاعب بالغرائز العنصرية والعرقية والقومية بحيث يلوح الأمر في هيئة غزو بربري يهدف الى زحزحة كل شيء. إن اللغة المستعملة لوصف الأشياء تتعرض للتحريف المقصود بحيث يبدو أي سلوك عملي كأنه عدوان ومؤامرة. فبدلاً من القول بعودة كركوك الى إقليم كردستان، وهو ما كانت عليه الحال قبل فصلها عنه، يتم الحديث عن ضمّ قسري وكأن ثمة دولة معادية تريد استقطاعها من البلاد. وفي مكان الحديث عن إزالة أثار التغيير الديموغرافي يقال أن هناك عملية تكريد. وبدلاً من إبداء الرضا والارتياح إزاء ضرورة عودة السكان الذين أجبروا على الرحيل الى أرضهم ودورهم يتم التهويل بأن الأكراد عازمون على طرد العرب من المدينة....الخ.

في البلدان الديموقراطية تسعى الأحزاب والتيارات السياسية الى تطبيق برامجها وتعميم رؤيتها للأمور بحيث تتشكل الحكومة وفقاً للصيغة التي تعتقد أنها الأنسب لخدمة البلاد. وترى هذه الأحزاب والتيارات، بالطبع، أن ما تطرحه يعد أفضل ما يمكن تحقيقه. فالبلد ليس شيئاً مجرداً بل هو جسم اجتماعي يتم تنظيمه من جانب السلطة السياسية.

من الطبيعي أن يكافح الأكراد من أجل إقناع الآخرين بأن أفضل طريق لحل مشاكل العراق هو ذلك الذي يمر من كردستان بإزالة ذلك الإرث الدموي والعنصري المقيت. وحين يعمل الجميع من أجل أن يتعافى أهل كردستان من الجراحات العميقة التي أحدثها النظام البعثي في أرواحهم فإنهم إنما يعملون من أجل أن يتطهر العراق كله من الوباء الذي استوطن روحه.

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]