NEWROZ

نوروز


18/5/2007

مذكرة ميشيل كيلو الثانية( نص دفاعه الذي لم يسمح بقراءته)*

النداء: www.damdec.org 

الأثنين/14/أيار/2007

السيد/ رئيس محكمة الجنايات الثانية الأكرم

هيئة المحكمة الموقرة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يوجد في ملف الدعوى التي تنظرون فيها، رسالة رقمها 20558/42 تاريخها 15/5/ 2006، موجهة من إدارة المخابرات العامة الفرع 255 إلى السيد المحامي العام الأول بدمشق، تخبره بتحويلي إلى النيابة العامة موجوداً، وتشرح موقف الدفاع المذكور من اعتقالي ومسوغاته.

هذه الرسالة تتضمن مقطعاً على قدر عظيم من الخطورة، يبين على خير وجه العقلية التي يعتمدها الفرع في التعامل مع الرأي الآخر، ومع المعارضة، ومع الأنشطة التي لا تروقه، كائناً ما كانت.

يقول المقطع بالحرف الواحد: "أن المدعو ميشيل كيلو، الناشط السياسي المعارض، والموقعين السوريين على هذا الإعلان ينتهزون أية محاولة تصب في بوتقة رفع صوت الضجيج الإعلامي ضد سورية لتأكيد مواقفهم المعارضة للسياسة السورية على الصعيد الداخلي، وجاء توقيعهم على إعلان دمشق ـ بيروت ليضيفوا حلقة جديدة إلى مواقفهم تمثلت بتبني الإصلاح السياسي اللبناني المعادي لسورية في ظل المخطط الأمريكي الإسرائيلي لسورية بعد أن تم تهيئة الأجواء المناسبة لذلك منذ احتلال العراق مروراً باغتيال الحريري وصولاً إلى اتساع حلقات أنشطة وتشكيل حركات تسمي نفسها بالمعارضة السورية داخل القطر وخارجه"

أوردت النص الكامل المتعلق بالإطار العام، الذي يضع الفرع 255 الإعلان فيه، لأنه يركز علي وينطلق من فكرة جوهرية هي أن هناك مخططاً أميركياً/ إسرائيلياً معداً لسورية، تمثل المعارضة السورية في الداخل الحلقة الثالثة منه، ويعد توقيع الإعلان نقلة نوعية من نشاطها فلابد أن يعاقب من وقعوا الإعلان بالاعتقال أولاً ثم بالمحاكمة والسجن فيما بعد.

هذا النص يطرح أسئلة مقلقة في قسم منها ومحيرة في قسم آخر، منها: هل لدى الفرع 255 أدلة ملموسة على أن المعارضة السورية هي جزء من المخطط الأميركي/ الإسرائيلي المعد لسورية، وإن تزايد أنشطتها يتصل بهذا المخطط؟! إذا كان لديه أدلة كهذه، فلماذا يقف مكتوف الأيدي تجاهها، خاصة وأن نشاطها يتزايد باعترافه، ويشكل حلقة متقدمة في المخطط، بل ويضيف حلقة جديدة ‘إلى مواقفها كما تقول الرسالة بالحرف الواحد؟. وإذا لم تكن لديه أدلة، لماذا يتهم حركة سياسية متنوعة المنابت والعقائد، ذات تواريخ وطنية طويلة، بالعمالة لأميركا وإسرائيل، وهل يخدم هذا استقرار البلد والرغبة العامة في إيصاله إلى بر الأمان، عبر العواصف الهوجاء التي يجد نفسه في مواجهتها منذ نيف وأربعين عاماً؟!.

إذا كانت تهمة الفرع 255 للمعارضة صحيحة، فهذا يعني أنه لا يقوم بواجبه في حماية الوطن، وإذا كانت كاذبة، وهي كذلك قطعاً فهذا معناه أنه يخرب الأجواء اللازمة لحماية سورية، وينشر الفتنة بين السلطة والمعارضة، دون أي مسوغ أو مبرر، وفي الحالتين، نحن أمام أحجية مقلقة ومحيرة، الخطير منها أن الجهة المسؤولة عنها هي الجهة التي يجب أن يكون عملها الوحيد تخليص البلد، الدولة، والمجتمع والسلطة من الحيرة والقلق، وليس بعثهما في كيانها، والتسبب بهما.

السيد الرئيس، هيئة المحكمة الموقرة

انطلاقاً من هذه الفرضية الفظيعة، التي يمكن أن يترتب عليها تخريب واسع النطاق لعلاقات الداخل السوري، لأنها تضع معارضة لطالما اعتبرها النظام وطنية وامتدحها وأشاد بها وبمواقفها من أميركا وإسرائيل ومخططاتهما، في خانة الخيانة، خانة العدو الخارجي، بل أسوأ الأعداء الخارجيين، الذين جمع الفرع 255 أفعالهم وأدرجها في نسق واحد، فإذا باحتلال العراق حلقتها الأولى، وقتل الحريري حلقتها الثانية، ونشاط المعارضة السورية، وموقعي إعلان بيروت/ دمشق حلقتها الثالثة، على ما بين هذه الحلقات من تنافر وتناقض وبين الجهات الفاعلة في كل منها من تباين وعداء، ويبدو أن الفرع المذكور، نسي بيانات المعارضة  السورية ضد احتلال العراق، ونسي أن  حلقة المخطط الثالثة أدانت حلقته الأولى والثانية، واتخذت موقفاً شديد الوضوح من أميركا وإسرائيل في كل ما يتصل بهما، لكن الفرع 255 لا يأبه كثيراً لهذه الحقائق الساطعة لأنها تنقض وتقوض فرضيته حول الحلقات الثلاث، كما لا يأبه إطلاقاً للحقائق المتصلة بحديثه عن الإعلان، الذي يخالف كل بند من نصه ادعاءات الفرع المذكور، وإليكم الأدلة التي تؤكد ذلك:

1 ـ تقول الرسالة بالنص الحرفي: "إن ما جاء في وثيقة الإعلان يعتبر إساءة للسياسة السورية على الصعيد اللبناني كتحميل سورية مسؤولية تدهور العلاقات السورية اللبنانية منذ إجراء عملية التمديد للرئيس لحود، وانتهاك روح الدستور اللبناني". ويقول الإعلان بالنص الحرفي: "تشهد العلاقات اللبنانية/ السورية تدهوراً متسارعاً بات يهدد بتكريس شرخ عميق بين البلدين الجارين والشعبين الشقيقين. وقد اتسع نطاق هذا التدهور منذ إجراء عملية التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود، في انتهاك لروح الدستور اللبناني في استهتار برأي أكثرية اللبنانيين، ثم تصاعد بوتائر شديدة الخطورة، مع ارتكاب جرائم الاغتيال السياسي التي أودت بحياة شخصيات سياسية وحزبية وإعلامية ومواطنين، وطاولتهم، وفي المقدمة منها جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري (الصفحة الأولى، السطر 1 إلى 5).

هل يوجد في هذا النص كله كلمة واحدة تذكر سورية أو تحملها مسؤولية تدهور العلاقات السورية اللبنانية؟! وهل نسي الفرع 255 أن الحريري نفسه وافق على التمديد للرئيس لحود، وأن رسالته  إلى المحامي العام الأول، وليس نص الإعلان هو الذي يحمل سورية مسؤولية تدهور علاقات البلدين؟. يقول الإعلان أن تدهوراً  يثير القلق وقع بعد التمديد واغتيال الحريري، فهل هذا خطأ؟! وهل يقرن حديثه حول التدهور بأي حكم قيمة ضد سورية أو غيرها؟! ألا يكتفي بتأكيد مالا يمكن إنكاره: هو وقوع التدهور، وتسارعه. إن من يقرأ نص الإعلان لا يستخلص منه أن سورية مسؤولة. ومن يقرأ رسالة الفرع يصل إلى هذه النتيجة، فمن الذي يتهم سورية: الإعلان وموقعوه أم الفرع ورسالته؟!

2 ـ تضيف الرسالة: "وانتقاد الوجود السوري في لبنان دون الإشارة إلى ما تحملته سورية من آثار سلبية وتضحيات خلال هذا الوجود".

يقول الإعلان بنصه الحرفي: "لسنا بغافلين عن أن العلاقات السورية/ اللبنانية محملة بعدد من المشكلات تراكمت مفاعيلها عبر عقود منذ قيام الكيانين السياسيين ابتداء من العام 1920 "الصفحة الأولى، السطران 10 و 11)، ويضيف : "لكننا نود، في حيز هذا الإعلان أن نستعيد أيضاً ما يختزنه تاريخ شعبينا من نضالات وتضحيات مشتركة، متذكرين، في هذا الصدد، شهداء ساحتي المرجة في دمشق والبرج في بيروت، خلال العامين 1915 و 1916، والانتفاضات الوطنية والشعبية ضد الانتداب الفرنسي، عندما كانت المدن اللبنانية تقفل وتتظاهر ويتلقى شبانها الرصاص بصدورهم تضامناً مع انتفاضات المدن السورية والعكس بالعكس. ولقد توقفنا أمام المسؤولية الكبرى التي تتحملها الطبقات الحاكمة في البلدين في الدفع نحو القطيعة الاقتصادية عام 1950 ووأد الحلم المشترك لرواد الاستقلال في تأسيس دولتين مستقلتين تقيمان أوثق العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بينهما. على أن طغيان تلك المصالح الضيقة لم يمنع الشعبين من تجديد نضالهما المشترك من أجل قضية فلسطين وضد الأحلاف العسكرية الدولية والإقليمية وصولاً إلى تضامنهما، خلال العقود الأخيرة، في التصدي للعدوان الإسرائيلي عليهما واحتلاله لأجزاء من أراضيهما، وقد أثمر التصدي في لبنان تحرير جنوبه "المحتل".

يشيد الإعلان بالتضحيات والنضالات المشتركة ضد الأتراك والفرنسيين، ويدين "الطبقات الحاكمة التي وأدت في خمسينات القرن الماضي حلمهما المشترك في أوثق العلاقات، ويبرز تجديد  نضال الشعبين والبلدين المشترك من أجل فلسطين وضد الأحلاف العسكرية الدولية، وتضامنهما خلال العقود الأخيرة في التصدي للعدوان الإسرائيلي، الذي أدى إلى تحرير جنوب لبنان المحتل.

هل هذا إنكار لدور سورية وتضحياتها في لبنان، أم أنه إشادة به، وتأكيد عليه في تحرير الجنوب المحتل إسرائيلياً؟!

إنه لأمر غريب حقاً أن يكون الفرع 255 قد توصل إلى نتائج تتعارض والنص الحرفي للإعلان لإثبات مالا يمكن إثباته، كون الإعلان حلقة جديدة في نشاط المعارضة السورية ضمن المخطط الأميركي/ الإسرائيلي!.

3 ـ تضيف الرسالة: ".. ويتبناه (الإعلان) مفردات كأن تعترف سورية باستقلال لبنان وأن لا تكون مقراً أو ممراً في التآمر عليه".

ويقول نص الإعلان: ".. ويعلن الموقعون السوريون واللبنانيون تمسكهم الحازم بالحيلولة دون أن يكون لبنان أو سورية مقراً أو ممراً للتآمر على البلد الجار والشقيق أو على أي بلد آخر يقول نص الإعلان أن لبنان وسورية لا يجوز أن يتحول أي منهما إلى مقراً وممر للتآمر على الآخر أو على أي بلد آخر، فتزور الرسالة هذا النص وتجعله يطالب بعدم تحول سورية إلى مقر أو ممر للتآمر على لبنان، وفي هذا ما فيه من وضوح يغني عن أي تعليق.

أما اعتراف سورية باستقلال وسيادة لبنان، فهو ليس مطلباً يقتصر على ما تسميه الرسالة "زمرة 14 آذار" بل كان مطلب حزب الله وحركة أمل والجنرال عون خلال الحوار الوطني، وهو مطلب تبنته القوى المذكورة، الحليفة لسورية، وأعلنت على لسان للرئيس نبيه بري والسيد حسن نصر الله والجنرال عون، مثلما أعلن وتبناه زعيم معاد للزمرة المذكورة، هو الخصم الأكبر الرئيس بشار الأسد، الذي قال في مقابلة أجراها مع جريدة "الجزيرة" يوم 19/3 ونشرته الصحف السورية يوم 20/3/ 2007 بالحرف الواحد مخاطباً مراسل الجزيرة: "ستستغرب لو أنني قلت لك أني طرحت هذا الموضوع، ربما هم فوجئوا بهذا الطرح. قلت لهم خلال الاجتماع: تسمع من وقت لآخر حديثاً عن فتح سفارات بين سورية ولبنان، فإذا كنتم تعتقدون أن هذا الشيء مفيد، فنحن لا يوجد لدينا مانع، لا يمكن أن نقول: إن من الخطأ أن نفتح سفارة في لبنان، أو أن هذا الشيء مرفوض لدينا. فهل هذا كلام زمرة 14 آذار، وهل هو جزء من المخطط الأميركي/ الإسرائيلي.

بالمناسبة : تحدث الدكتور بشار الأسد عن تبادل التمثيل الديبلوماسي، أما الاعتراف الديبلوماسي فقد حسمه الرئيس الراحل حافظ الأسد خلال زيارة قام بها الرئيس اللبناني السابق الياس الهراوي لدمشق، عندما قال في تصريح شهير: إن سورية تعترف باستقلال لبنان وسيادته، وما بينها وبينه أكبر وأهم من أي تمثيل ديبلوماسي. لكنه يبدو للأسف الشديد، أن الفرع 255 نسي قول الأسد الآن، ولم يقرأ قول الأسد الابن، رغم أنهما قالا ما قالاه من موقع المسؤولية، وعبرا فيه عن رأي وموقف الدولة السورية الرسمي، والذي ليس تكتيكاً سياسياً أو إعلانات تضليلية بأي حال من الأحوال.

4 ـ تقول لرسالة في عرض الإعلان، أنه يطالب بـ "ضرورة سيادة نظم ديموقراطية في لبنان وسورية، وبتحرير اقتصاد لبنان وسورية من النهب المنظم لثروات البلدين، الذي كانت تمارسه ولا تزال مافيات مشتركة مستفيدة من مواقع حماية وانتفاع في سلطة البلدين".

لا يطالب الإعلان بسيادة النظام الديموقراطي في سورية وحدها، بل هو يطالب به في لبنان أيضاً، ولا يطالب بتحرير اقتصاد سورية وحدها من النهب المشترك، بل يطالب بتحرير اقتصاد لبنان منه كذلك، فهل هذه المطالبة مما تريده زمرة 14 آذار وهل تطالب هذه الزمرة بالديموقراطية في لبنان وتعترف حقاً أن نظامها القائم هناك ليس ديموقراطياً؟! وهل تطالب أيضاً بتحرير اقتصاد البلد الذي تحكمه من النهل الذي تمارسه عليه المافيات المشتركة؟!. إذا كانت تطالب بهذا، وتعترف أن حكمها ليس ديموقراطياً، وان اقتصاد بلدها تنهبه المافيات، فهي زمرة غريبة حقاً، إلا إذا كان الفرع255 ضد الديموقراطية في لبنان أيضاً، وضد تحرير الاقتصاد اللبناني من المافيات!.

أنا، سيادة الرئيس، طالب ديموقراطية في الوطن العربي، هذا ليس أمراً جديداً، وليس ابن إعلان بيروت/ دمشق، وأجدد أمامكم مطالبتي بالديموقراطية في سورية ولبنان وكل بلد عربي، كما أجدد إصراري على تحرير الاقتصاد العربي كله، واقتصاد كل بلد عربي، من نهب المافيات المشتركة المنظم، الذي تحميه مواقع انتفاع في السلطة العربية الراهنة. إن ما يقوله الإعلان صحيح وما يطالب به صحيح، ولا أحد يعتذر عن مطالب وأقوال صحيحة أو يتنكر لها إن كان مواطناً شريفاً بحق.

5ـ تضيف الرسالة : "كما أن ما ورد في الإعلان عن المشكلات التي يثيرها العمالة السورية في لبنان هو طرح لبناني محض للزمرة المعادية لسورية تبناه أيضاً ميشيل كيلو (بدون "المدعو" هذه المرة، شكراً!) غافلاً عن ما ساهمت فيه هذه العمالة إيجابياً وركز على ما هو سلبي فقط.

يقول نص الإعلان الحرفي ما يلي : "نستنكر أشكال التمييز والعنف، التي تمارس ضد العمال السوريين في لبنان، ونطالب السلطات اللبنانية بتعقب المتهمين بجرائم الاعتداء على هؤلاء العمال واعتقالهم وتقديمهم إلى المحاكمة ليلقوا الجزاء الذي يستحقون". ويضيف: "لسنا بغافلين عن المشكلات التي يثيرها وجود العمالة المتبادلة بين البلدين، وخاصة العمالة السورية في لبنان وما تتركه من آثار على أوضاع الفئات العاملة ولاسيما في موضوع الأجور والضمانات الاجتماعية، وما يتطلب ضرورة سن قوانين تنظم انتقال العمالة واستخدامها بين البلدين لضمان مصالح العمال وحقوقهم" (الإعلان، الصفحة 2، الفقرتان 8 و9). لا حاجة إلى التعليق على القسم الأول، الذي يبدو أن الفرع لم يقرأه، وأكتفي بقراءة وتزوير القسم الثاني، متجاهلاً أن الإعلان يتحدث عن عمالة متبادلة، وأنه يطالب بتنظيم انتقالها بين البلدين، وأنه لا يطلق أي حكم سلبي على الآثار المترتبة على العمالة السورية في لبنان، التي يؤكد بحق أن لها نتائج على أجور العمال اللبنانيين وضماناتهم الاجتماعية، مثلما يحدث في كل بلد يعرف فائض عماله، رخيص وكبير، وحدث في أوروبا  وأميركا ,آسيا وأفريقيا، وفي كل بلد عرف تنمية سريعة أو عشوائية، ومثلما يجب أن يستخلص في حالة كهذه، لا مفر من تنظيم انتقال فائض العمالة قانونياً من اجل حفظ مصالح عمال البلد الأصليين والعمالة الوافدة.

ما الخطأ في قول هذا ضمن الإعلان؟! أليس وجود العمال السوريين في لبنان بحاجة إلى تنظيم قانوني، وكذلك وجود العمالة اللبنانية في سورية، باعتبار أن الإعلان يطالب بتنظيم قانوني للانتقال المتبادل للعمالة ولوجودها المتبادل في البلد الآخر؟ أم أن الفرع 255 يفضل بقاء العمالة السورية في لبنان دون تنظيم، ودون ضمانة لمصالحها وحقوقها، لأن تنظيمها قد لا يتفق مع مصالحه وحقوقه على العمال هناك؟! أخيراً، هل صحيح أن الحديث عن مشكلات العمالة السورية في لبنان، والمطالبة بتنظيم الانتقال المتبادل للعمالة من أجل الحد من قدرة البرجوازية اللبنانية تحديداً على تقليص أجور وضمانات عمال لبنان الاجتماعية، والتعدي على مصالح وحقوق العمال السوريين هو طرح لبناني محض للزمرة المعادية لسورية، كما تقول الرسالة؟!

6 ـ تسترسل الرسالة فتقول: ".. إضافة إلى بند مطالب السلطات لسورية باتخاذ الإجراء الفوري لإطلاق سراح جميع المساجين والمعتقلين اللبنانيين في السجون والمعتقلات السورية، والكشف النهائي عن مصير المفقودين منهم".

هنا أيضاً، تتحدث الرسالة عن "طرح لبناني محض للزمرة المعادية لسورية". وسأتجاوز هنا أن هذا الطرح هو مطلب لبناني عام، يشارك فيه حزب الله وحركة أمل وسأكتفي بإيراد أقوال أحد حلفاء سورية في لبنان، الجنرال ميشيل عون، خلال احتفال نظم يوم 14 آذار الماضي وحضره حشد هائل من حزب الجنرال المذكور.

يقول عون: ".. ونتذكر الموقوفين الذين مازالوا في السجون السورية.. لا يحق للبناني أن يشعر باستقلاله وسيادته وحريته في ظل أي حكم كان قبل إيجاد حل لهذه الحالات الإنسانية الثلاث، مادام هناك شخص واحد لم يعد إلى الجبل، أو من إسرائيل أو من السجون السورية". بعد أن يشبه وجود المساجين في سورية بوجود جماعة لحد في إسرائيل، يضيف  الصديق عون: "إن المسيحيين تهمشوا خلال مرحلة الوصاية السورية، وأن شرط الصداقة مع سورية هو الاحترام المتبادل والتمثيل الديبلوماسي وترسيم الحدود (جريدة الديار، الخميس في 15 آذار 2007 الصفحة 5، محليات).

إن قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية تثير الكثير من الشجون لدى جميع قوى لبنان السياسية والاجتماعية، بدلالة ما يقوله رجل تريده سورية حليفاً لها، لذلك تتجاوز ما قاله حول ارتباط سيادة لبنان واستقلاله وحريته بعودة المعتقلين من السجون السورية وهي تتعامى عنه، وبينما تسارع  إلى اعتباره تهمة خيانة تلصقها بمن وقعوا الإعلان بزعم أنهم من الزمرة المعادية لسورية، فأي منطق وأي تهافت وأي تناقض!.

هذه قضية جدية، سواء كانت حقيقية أم لم تكن، ولابد من حلها، بالتصدي لها بكل صراحة ووضوح، داخل إطار اللجنة السورية/ اللبنانية المشتركة، المكلفة بحلها وتوضيح ملابساتها، والتي يبدو أن الفرع 255 لم يسمع بها! وليس التذكير بها وليست الدعوة إلى حلها خيانة، بل لصالح الشفافية فالأخوة والتاريخ المشترك بين البلدين وهي واجب وطني وقومي لكل من يريد تنقية علاقات البلدين مما لحق بها من شوائب وعيوب، خلال الحقبة العاصفة الماضية.

والآن، وبعد الرد على الرسالة كلمة كلمة، وبنداً بنداً، هل هذا كل ما تضمنه الإعلان؟!

لنقرأ ما قفز الفرع 255 عنه في نص الإعلان: ".. شعوراً بالقلق الشديد من هذا التدهور الخطير، توافق عدد من أصحاب الرأي في سورية ولبنان على العمال من أجل التصحيح الجذري للعلاقات السورية اللبنانية بما يلبي المصالح ولتطلعات المشتركة للشعبين في السيادة والحرية والكرامة والرفاه والعدالة والتقدم"، أما مبرر هذه الضرورة، فهو زمن تتكاثر فيه العوامل الضاغطة من أجل المباعدة بين السوريين واللبنانيين، ونعلن فيه إصرارنا على الحوار والضامن والعمل المشترك من أجل التصحيح الجذري للعلاقات بين البلدين والشعبين وفقاً لرؤية وطنية مستقبلية مشتركة ثم يدعو الإعلان إلى "علاقات ممأسسة وشفافة تخدم مصالح الشعبين وتعزز مواجهتهما المشتركة للعدوانية الإسرائيلية ومحاولات الهيمنة الأميركية" ويؤكد الموقعون تمسكهم بحق سورية في استعادة كامل أراضيها المحتلة في الجولان واستعادة لبنان أرضه التي لا تزال محتلة في مزارع شبعا وتلال كفر شوبا بكافة الوسائل المتاحة وتمسكهم بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وبما يضمن لفلسطيني الشتات حق العودة إلى وطنهم التزاماً بالمواثيق وتنفيذاً للقرارات الدولية" ويضيف النص في موقع آخر القول: ".. نؤكد أن اختلاف الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين بلدينا قابل لأن يكون مصدر غنى وتنوع وتكامل لا يحول إطلاقاً دون التعاون والتنسيق والتكامل بينهما، على أن هذا يشترط إجراء تصحيح لتلك الأنظمة بناء على مراجعة نقدية شاملة للتجارب الماضية في البلدين معاً. وإننا نعلن اقتناعنا العميق إن البلدين قادران على ابتكار رؤية للتنسيق والتكامل بينهما، بما يحقق تزخيم الطاقات والإمكانات والمزايا التفاضلية التي يزخران بها خصوصاً في مواجهة التحديات المتعددة التي نطرحها العولمة، أخيراً، يصر نص الإعلان على "تأكيد الأهمية الاستثنائية التي تكتسبها مسارات التحول الديموقراطي في حماية الاستقلال وتقرير قدرات شعبينا في معركتهما الوطنية والقومية، ويصر على أن سيادة نظم ديموقراطية في البلدين تشكل أفضل ضمانة لقيام ورسوخ علاقات متكافئة وسلمية بينهما، لكنه يتمسك في الآن ذاته، بحق الشعبين في أن يختارا بكامل الحرية، النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يتلاءم وتطلعاتهما من دون أي إكراه".

في النهاية يقفز  الفرع 255 من فوق جملة هامة هي خاتم البيان تقول: "الإعلان يكتسب شرعيته وقوته من قبل الموقعين عليه".. وليس من قبل أية جهة خارجة سياسية كانت أم غير سياسية.

سيادة الرئيس، هيئة المحكمة الموقرة

تقول الرسالة (في الصفحة الثانية، السطر 10 و11 و12) ما يلي:

"وبصورة أوضح، إن هذا الإعلان بما تضمنه هو بالأصل مطالب أميركية/ إسرائيلية" وجاء بإعداد وصياغة الطرف اللبناني المادي والموجه خارجياً ضد سورية".

والآن اسمحوا لي أن أسألكم : هل المطالبة بوحدة جهود البلدين من أجل تحرير الجولان والمحتل من ارض لبنان وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس مع تفعيل حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم "مطالب أميركية/ إسرائيلية"؟! وهل تصحيح علاقات البلدين وفقاً لرؤية وطنية مستقبلية مشتركة" مطلب أميركي/ إسرائيلي؟! وهل المطالبة بمواجهتهما المشتركة للتحديات التي تطرحها عليهما العولمة أميركية/ إسرائيلية؟! وهل اعتبار تحرير جنوب لبنان المحتل عبر التصدي اللبناني/ السوري المشترك رؤية أميركية/ إسرائيلية؟! وهل المطالبة بإزالة ما يشوب علاقات البلدين من مشكلات، وبوقف التدهور الذي أصابها، مطلب أميركي/ إسرائيلي؟! وهل شعور من وقعوا الإعلان بالقلق لعميق من تكريس الشرخ في علاقات البلدين مطلب أميركي/ إسرائيلي؟! وهل هذا كله، في الختام  مما تريده "زمرة 14 آذار" المعادية لسورية،  ومما يتفق مع كون المعارضة السورية حلقة أخيرة في المخطط الأميركي/ الإسرائيلي، كما يقول الفرع 255 للأسف الشديد؟! " لماذا لم ير من كتبوا رسالة الفرع هذا كله،، ولم يتوقفوا عنده، وسارعوا إلى لي عنق النص كي يدخل في المخطط، الذي يعتبر الخطأ في قراءته جزءاً من نجاحه، وهل هناك خطأ أعظم من خطأ تحويل ما تسميه الرسالة "فعاليات سورية ناشطة في الميادين الأكاديمية والإعلامية والسياسية وفي لجان المجتمع المدني وفعاليات لبنانية أكاديمية وإعلامية وثقافية" أي عملاء لأميركا وإسرائيل، إلى أعداء لسورية منخرطين في مخطط أميركي/ إسرائيلي معد لها؟!

السيد الرئيس، هيئة المحكمة الموقرة

سأتوقف قليلاً عند هذه النقطة، بالنظر إلى اعتراف الرسالة بأن لهذه الفعاليات" أهميتها وحضورها في الشارع السوري واللبناني" (الصفحة الأولى، السطر 11 و 12 من الرسالة). أقول بصدق، تمنيت لو أن رئيس الفرع 255 كلف ضباطه بإجراء تقويم موضوعي للموقعين اللبنانيين، لمعرفة هويتهم والوصول إلى حكم صحيح قدر الإمكان عليهم، أعبر عن هذه الأمنية لأن الأغلبية الساحقة من الموقعين من محبي سورية وأصدقائها، ومن الضعف الوطني / القومي/ التقدمي، الديموقراطي، المعادين تاريخياً للإمبريالية والصهيونية، والذين احتسب قسم كبير منهم على العروبة ونزعاتها السياسية (قوميين عرب، بعثيون سابقون، شيوعيين، قوميين.. الخ)، بل وقاتل بعضهم ضد العدو الإسرائيلي، وقبل وبعد عام 1982، وحتى عام 2000، وأنني أود أن أسأل الفرع 255، من هذه المحكمة: هل كريم مروة ومسعود ضاهر وفواز طرابلسي وحبيب صادق ونضال الأشقر ومحمد دكروب، وشوقي بزيغ وميشال جحا ومحمود سويد وجهاد الزين وكمال حمدون وخالد حدادة وغيرهم وغيرهم من "زمرة 14 آذار" ؟ وإذا كانوا كذلك، لماذا دعي على سبيل المثال "خالد حدادة" أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني وصديق سورية إلى إلقاء محاضرة في مكتبة الأسد يوم 25 شباط الماضي حول "مستقبل الخطة الأميركية في المنطقة العربية" ولماذا حضر المحاضرة لفيف كبير من قادة البلد." يتقدمهم وزير الإعلام صاحب الدعوة؟! وكيف يستقيم أن يكون خالد حدادة، موقع الإعلان من "زمرة 14 آذار" وفي الوقت نفسه، عدواً للإمبريالية وللمخطط الأمريكي/ الإسرائيلي تستحق آراؤه أن تعرض على الشعب والمسؤولين في سورية، التي يلعب هو ذاته دوراً ما في هذا المخطط ضدها، بصفته أحد موقعي الإعلان؟!

كيف فات الفرع 255 إجراء دراسة تقويمية كهذه، مادام يعترف أن موقعي الإعلان ليسوا سياسيين، بل هم فاعليات أكاديمية وإعلامية وثقافية ذات أهمية وحضور في الشارع السياسي والثقافي، قبل أن يجرمهم بتهم العمالة لـ "زمرة 14 آذار" والضلوع في المخطط الأميركي/ الإسرائيلي؟. أعتقد أنه لم يفعل هذا عن عمد، لأنه لو كان فعله لما توصل إلى الاستنتاجات الواردة في رسالته، ولما كان اعتقل من اعتقل، ولاعتبر الإعلان وثيقة مهمة، تعبر عن قلق نخبة مثقفة وأكاديمية وإعلامية مميزة وفاعلة، لها حضورها الجدي جداً في الشارع السياسي بسب بتدهور علاقات البلدين والشعبين، ولكان سارع في النهاية إلى إصدار توجيه بتوجيه الشكر لهم، ولدعوتهم إلى نقاشات مفتوحة حول سبل تصحيح هذه العلاقات.

كلمة أخيرة : كتبت وغيري من مثقفي سورية مقالات ودراسات كثيرة حول الخلل في العلاقات السورية/ اللبنانية، وحول سبل تصحيحه، وكانت أولى المقالات التي نشرتها حول هذا الموضوع قديمة بعض الشيء، ترجع إلى عام 1990، أي قبل تشكل جماعة أو زمرة 14 آذار بحوالي خمسة عشر عاماً، لذلك، أشعر بالأسف الشديد، لأن مسئولي الفرع 255 نسوا هذه المقالات أو تجاهلوها أو لم يقرؤوها. لوا فعلوا ذلك، لكانوا اجمعوا على الأرجح عن توجيه تهمة  بتبني خط وفكر هذه الجماعة أو هذا التيار اللبناني، الذي تشكل عام 2005 بعد مقتل الحريري.

لست من تبنى مقولات أحد. وليس الإعلان تبنياً لمقولات أية جماعة غير جماعة المثقفين الذين وقعوه ليعبروا من خلاله عن رؤيتهم كديموقراطيين لمستقبل علاقات العرب عامة، وسريا ولبنان خاصة، وهما بلدان شقيقان يجمعهما ما لا يجمع أي بلدين غيرهما من أواصر وصلات حميمة ومصالح راسخة لكنهما انتقلا بين عشية وضحاها من إعلانات المودة والحب والوئام إلى نقيضها، إلى عداوة غير مفهومة وغير مبررة، تقلق وتؤلم كل وطني وقومي، مثلما أقلقت موقعي الإعلان وجعلتهم يقدمون على إصداره، لاعتقادهم أنه إسهام يفرضه عليهم واجبهم تجاه لبنان وسورية، وولاؤهم لأمتهم وقضاياها، وخوفهم من أن يخرج واقع و مصير البلدين الجارين والشعبين الشقيقين على السيطرة، وأن لا يفيد من تدهور علاقاتهما أحد غير العدو الأميركي/الإسرائيلي، الذي كان المستفيد الرئيس من جميع الحالات السابقة المشابهة للحالة التي نشأت بينهما.

السيد الرئيس، هيئة المحكمة الموقرة

بسبب الخوف من تردي العلاقات، اقدم الموقعون على قبول الإعلان وتوقيعه، فهل يتفق مع مقصدهم الانحياز إلى أحد جانبي النزاع: سورياً كان أم لبنانياً، علماً بأنهم ينتمون جميعهم إلى تاريخ انهياري تردى فيه حال العرب بلا انقطاع وعرضهم لمصائب وهزائم سببتها خلافات حكامهم وأحزابهم وقواهم وقادتهم؟! وهل يستقيم مع سعيهم إلى وضع حد للتردي السوري/ اللبناني وقوفهم مع أحد طرفي هذا التردي، وانحيازهم إليه، علماً بأنهم ضد التردي بذاته، وليسوا جهة تعتبر نفسها حكماً فيه؟! لقد عانى العرب الكثير من خلافات زعمائهم، غير المفهومة وغير المسوغة، التي غالباً ما اتسمت بطابع شخصي، فهل تعتقدون أن مثقفين وأكاديميين عضويين، ملتزمين بمصالح بلدانهم وأمتهم، وساعين غلى أحسن أنواع العلاقات بينهما، يسقطون في فخ الوقوف مع جانب ضد جانب، وتبنى رؤية وأفكار جهة لبنانية أو سورية، أياً كانت: وهم الذين يرون في أنفسهم صناع رأي عام وفكر وتجديد ومعرفة للحاضر والمستقبل؟!. إن من أرسل الرسالة لا يعرف على ما يبدو إلى أين وصل انفكاك المثقفين العرب عن الواقع الرسمي العربي الراهن، ويجهل للأسف الشديد إن رفضهم لحال العرب وبلدانهم لا يطال اتجاهاً دون غيره، بل ينصب على كل ما هو رسمية في عالم العرب اليوم، فمن العبث والسخف أن ينحازوا إلى جانب من جوانبه وطرف من أطرافه، وإلا أقلعوا عن أن يكونوا أصحاب رأي ومعرفة وثقافة. وتخلوا عن العبرة الرئيسية في وجودهم، وهي أن من يتبنى رأي غيره لا يكون مثقفاً مبدعاً، ومن يجري وراء طموحات ومكاسب سياسية آنية لا يكون صاحب رأي حق، ومن يواجه عصره عامة، والمستقبل منه خاصة، يغير معرفة تسبق زمنها السياسي، لا يكون خليقاً بالعمل في الشأن العام،  ولا ينجح في تحقيق أي هدف، بل ويفقد احترامه الذاتي واحترام الناس، ويضع أهميته ودوره للفاعل في التاريخ السياسي الذي تعترف الرسالة له به.

بكلام آخر، لسنا، ولا نرضى بأن نكون من أية زمرة أو جماعة كانت  لبنانية أم سورية، ولسنا ولا نرضى أن نكون من جماعة بأي حزب لبنانياً كان أم سورياً، ونحن لا نعارض نظام بلدنا بأي ثمن وحال بل نعارض ما فيه من فساد وانعدام مسؤولية وتعسف وخروج على القانون وشخصنة، ونعرف تماماً أين تلتقي مصالحه مع المصالح العليا للدولة والمجتمع في سورية، فتصير معارضة محظورة من وجهة نظرنا، وأين تفترقان، فتصير واجبة، بل وجزءاً تكوينياً من أي موقف وطني وقومي وديموقراطي.

والآن هل الدكاترة صادق جلال العظم وطيب تيزيني وعبد الرزاق عيد وبرهان غليون.. الخ، والأساتذة عمر أميرلاي وعباس عباس وصبحي حديدي وياسين الحاج صالح ومعاذ حمور وحسين العودات وأكرم البني وأصلان عبد الكريم وعلي العبد الله وخالد خليفة وحكم البابا وحمدان حمدان ومنير الشعراني وحبيب عيسى.. الخ والأدباء والشعراء شوقي بغدادي وعزيز العظمة وفرح بيرقدار والمفكر والناقد رياض نجيب الريس.. الخ من المعروفين بتقلب الآراء وتبديل المواقف، وبتقرير قناعاتهم انطلاقاً من عوامل واعتبارات كيدية؟! ليت الفرع 255 أجرى دراسة حول هؤلاء وليته دعا بعضهم إلى لقاءات حوار وتعارف، إذن لكان علم أنهم ليسوا بائعي قناعات وزلم زمر وجماعات، بل هم من خيرة أبناء سورية وبناتها علماً ومعرفة وتمسكاً بما طوروه من آراء وثقافة ومواقف، إذا كان هؤلاء ممن يسهل كسبهن لآراء غيرهم، لماذا عجز النظام عن كسب أي منهم خلال  نيف وأربعين عاماً. رغم الضغط والتخويف والإغراءات والمنافع؟!.

لسنا من زمرة أحد، ولا نقبل أن نحتسب على أحد. وقد طالبنا بما جاء في الإعلان، أي بإرساء علاقات سورية ولبنان على أسس تتجاوز كثيراً الأسس الأمنية الوحيدة الجانب، وعقيدة المركز/ المحيط، التي لا تليق ببلدان لديها أراضي محتلة من العدو الإسرائيلي، ودعونا إلى إقامتها على أسس جامعة لحمتها وسداها وحدة التاريخ والثقافة والدين واللغة والآمال المشتركة والمطامح الجامعة والأهداف الموحدة، التي تربط البلدين والشعبين برباط يتخطى السياسة إلى الوجود، ويكفل وحده أن لا تهتز أو تتدهور وتنهار بين ليلة وضحاها، وأن لا يتلاعب بها المتلاعبون، إلى أية زمرة أو جماعة أو حزب انتموا لأنها ستكون فوق قدرتهم على إلحاق أي ضرر بها، عكس ما هو عليه اليوم، وما كانت عليه بالأمس. وأنه لأمر يحز كثيراً في نفسي كمثقف أن يكون نظام سورية لعب الدول الأول في تقرير أمور لبنان طيلة قرابة ثلث قرن، دون أن يخطر بباله دعوة مجموعة ما من مثقفي أو اقتصاديي أو معلمي أو صحفيي.. الخ، لبنان إلى سورية، للتعرف عليها وإقامة صلات مباشرة مع مثقفيها واقتصادييها ومعلميها وصحفييها وأساتذتها، كما يحز في نفسي كثيراً أن يكون الاتصال الوحيد على صعيد المسرح مثلاً قد اقتصر دعوة ممثل سوري إلى الاشتراك في مسرحية لبنانية، فهل وضع لهذا النمط من العلاقات أي اللاعلاقات، يضر حقا بمصالح سورية، وهل تفكير النخبتين الثقافيتين بمصير البلدين، ودعوتهما إلى وضع حد لتدهور علاقاتهما المقلقة، مما يضر بسورية ومصالحها، ويخدم المخطط الأميركي/ الإسرائيلي؟!

في واحدة من جملها تقول الرسالة: "كما أن اللافت في هذا الإعلان تبرئة أميركا وإسرائيل من كل ما يجري في لبنان حالياً".

أوردت في فقرة سابقة، هي جزء من النص الحرفي للإعلان ما يكذب هذا الزعم، فالإعلان كله يمليه القلق على مصير سورية ولبنان والعرب عموماً في عصر سقوط الدول وتفشي ظاهرة الاحتلالات الأميركية للبلدان العربية، في سباق استراتيجي أعتقد أن السياسة السورية لم تستوعبه إلى لحظتنا الراهنة، ولم نطور ردود أفعال واستراتيجيات ملائمة لإحباطه.

وعلى كل حال، فإنني أورد هنا فقرات من خطاب الرئيس بشار السد يوم 5 آذار عام 2005، الذي أكد أنه تم خلال السنوات الخمس السابقة سحب 63% من الجيش السوري من لبنان، حيث كانت علاقات سورية مع أميركا عادية، ولم يكن هناك ضغوط أم مطالب أميركية متصلة بسحبه، واليوم صار من الضروري أن يستكمل انسحاب الجيش من البلد الشقيق لسببين هما:

1 ـ أنجز مهمته بالكامل فلم يعد هناك ما يبرر بقاءه في لبنان.

2 ـ وجود إجماع لبناني على انسحابه، الذي لن يتسبب في وقوع انقسام أو انشقاق بين اللبنانيين.

في هذا الخطاب، أكد الرئيس أن الخطوة تعبير عن استقلالية القرار السوري، وليس استجابة لمطالب أو ضغوط خارجية عامة، وأميركية/ إسرائيلية خاصة، إلى هذا سبق الإعلان بشهرين زيارة قام بها رئيس وزراء لبنان الحالي فؤاد السنيورة إلى دمشق، حيث قابل كبار المسؤولين، وفي مقدمتهم الرئيس، وامتدحته في اليوم التالي للزيارة الصحافة السورية كرجل ذي ماضٍ قومي عربي، وأعلنت عزم القيادة في سورية على دعمه ومساندته، لأن حكومته تمثل واحدة من  ضمانات عروبة لبنان.

في ذلك الزمن، أي في مطالع عام 2006، لم يكن في الخطاب السوري ما يعيد أحداث لبنان إلى مخطط أميركي/ إسرائيلي، بدلالة تأكيدات الرئيس على عدم وجود ضغوط خارجية نجم عنها الانسحاب، ومانشيتات صحف البعث وتشرين والثورة حول السنيورة وعروبته وقوميته، هل نسيت الرسالة هذا، أم أنها كانت تجهله؟ أم هي تستخدم عامدة متعمدة ازدواجية المعايير، بخصوص الإعلان من جهة، الذي تراه بعين، وبخصوص مطالب وتصريحات قوى سياسية لبنانية وازنة، ومعادية علناً لسورية في خطابها، ولطالما تباهت بأنها كانت وراء قرار الكونجرس بتحرير لبنان وكذلك القرار 1559، أبرزها وأكثر صراحة الجنرال عون، الذي تراه بعين الرضا، التي هي عن كل عيب كليلة، برغم أن الإعلان ومن وقعوه لم يفعلوا واحد بالمائة مما فعله ضد سورية، ورغم أن كل ما فعله كان منضوياً في إطار أميركي صريح، لطالما تفاخر من يحارب المخطط الأميركي/ الإسرائيلي به؟!.

السيد الرئيس، مقام المحكمة الموقرة

 

هذه قصة ملفقة، ليس فيها ما يبرر اعتقال أي سوري، لاسيما وإن تحقق ما يقول به الإعلان سيكون لصالح العرب عموماً وسوريا ولبنان خصوصاً، وبالأخص منهما سوريا: الطرف الأقوى في أية علاقة مستقبلية تلبي مصالح وتطلعات الشعبين والدولتين، حتى إن كانت قائمة على الندية والمساواة بما أنها ستتسم بصفات نضالية ووطنية، وستنضوي في سياق لا يقبل النقض أو الإلغاء، حدده الإعلان وعيّن بنوده وشروطه، وطالب به، ولعله مما يحزن أن الاعتقالات وقعت في البلد الذي يخدمه الإعلان ولم تقع في لبنان، وان سورية هي التي خافت من "زمرة 14 آذار"، بينما لم يخف لبنان، الأضعف منها بكثير، منها، كما لم تتهم "زمرة 14 آذار" التي تحكمه موقعي الإعلان اللبنانيين بتبني منظور للعلاقات بين البلدين يخدم سورية بالأحرى، مادامت أية علاقة متكافئة بين طرفين غير متكافئين تخدم دوماً أقواهما، ومادام حال التناغم والانسجام والتكامل بين البلدين سيشدهما أحدهما إلى الآخر، وسيجعل مصالح وسياسات سورية هي المقررة والحاكمة!.

السؤال الآن: ألا يعرف الفرع 255 هذا؟! ألا يعلم أن دخول سورية إلى قلب وبيت كل لبناني أفضل بكثير لمصالحها من أي نمط آخر من أنماط وجودها هناك، وخاصة منها الوجود العسكري/ الأمني الوحيد الجانب، وان تحول العلاقات اللبنانية/ السورية إلى مصلحة شخصية لمواطني البلدين، وخاصة لمواطني لبنان، وإلى ركيزة سياسية تبنى عليها الجماعات والكتل والأحزاب سياساتها، وترسم استراتيجياتها في إطارها، هو الضمانة الوحيدة الكفيلة بتحقيق مصالح سورية ولبنان معاص، وبتعزيز حضور كل من البلدين لدى الآخر.

والآن، لماذا وقعت الاعتقالات واستهدفت أشخاصاً ومثقفين بعينهم؟ هذا ما سأجيب عليه في نهاية هذا الدفاع، علي أن أتوقف عند بعض المفارقات التي صاحبت الاعتقالات، ودلت على وجود إرباك يقترب من انعدام الحرفية عند من قاموا بها.

ولعل أول هذه المفارقات اقتصار التوقيف والسجن على عشرة من السوريين المائة وسبعة وثلاثين، الذين وقعوا الإعلان حتى يوم 20 أيار من عام 2006، علماً بأن بين المعتقلين أربعة أنكروا توقيعهم وبين غير المعتقلين من لم ينكر توقيعه، بل جاهر به وتفاخر، مع انه اكثر أهمية بكثير من المتنكرين، وله من الرمزية والفاعلية ما يفوق رمزية وفاعلية معظم المعتقلين. فبأي معيار تمت الاعتقالات، وهل توقيع س وع من المثقفين الإعلان يجعل أولهما من "زمرة 14 آذار" وثانيهما بريئاً منها ويتطلب إنزال العقاب وإبقاءه غيره بمأمن من المساءلة والملاحقة؟! كيف تفسر هذا، وهل القيام به عمل جدير بجهاز رسمي تابع للدولة، والسياسة تعرف ما تريد حقاً، ولا ترتجل وتتخبط؟!

ـ أما ثانية المفارقات فهي انتهاج سياسة تجاه المعتقلين تحاكمهم على تهم لم توجه إليهم وهي ستدينهم  وكأنها مثبتة ضدهم/ مع أنها ليست ظاهرة أو واردة في أي تكييف قضائي، ومع أنه يبدو وكأن الموقوفين لا يحاكمون ولا يدانون بسببها!! ولعله صار معروفاً أن المحامي العام الأول بدمشق الأستاذ محمد مروان اللوجي، ساوم أربعة من الموقوفين، هم الذين أنكروا تواقيعهم، وعرض عليهم توقيع إقرار يقول أن ميشيل كيلو اتفق مع عبد الحليم خدام على الإعلان، قبل عام من مغادرته القطر! وأن الإعلان خدم الإمبرياليين والصهاينة مقابل ذهابهم الفوري إلى منازلهم.

هذا الاتهام لم يوجهه أحد لي، وهو ليس مذكوراً في أي تكييف قضائي، لكنه تم الترويج له على أوسع نطاق عام، وتمت الإشارة إليه في تصريحات مسؤولين كثر، فهل تضمن محكمتكم أن لا يصدر الحكم ضدي بناء على هذه التهمة غير المعلنة، وما شابهها من تهم جاءت في كتب عديدة بعث بها الفرع 255 على القضاء ـ النائب العام ـ وأخذت بعين الاعتبار في كل مرة طالبت فيها إخلاء سبيلي لكنها لم ترد في تكييف قضائي.

3 ـ لا أعتقد ـ وهذه ثالثة المفارقات ـ أن من المصادفات الصرف أن منعي من إقامة دعوى قضائية ضد السيدة ماريا معلوف، التي زعمت في مقالة نشرتها جريدة الثورة يوم 11/8/ 2006 أنني زرت قبرص للقاء الوزير اللبناني مروان حمادة، وحصلت منه على أموال دفعتها لمن وقعوا الإعلان. ما مصلحة الأستاذ اللوجي من فعل ما فعل، ولماذا يحمي كاذبة افترت علي وشهرت بي، مع أنني أريد مقاضاتها أمام القضاء السوري، وبماذا نفسر امتناع جريدة الثورة عن نشر تكذيب يلزمها قانون المطبوعات بنشره، بينما كنت أتعرض شخصياً لحملة منسقة ومنظمة، اتهمتني في وطنيتي، وطعنت في كرامتي، وتعرضت لشخصي بالسوء والافتراء، ووصل إيذاؤها إلى والدي الذي تحول على عميل فرنسي معروف، مع انه أحد الذين انضموا إلى الدرك السوري بعد معاهدة 1936، وواحد من أربعة رفضوا العودة على الجيش الفرنسي بعد إلغاء المعاهدة؟.

من المعلوم، سيادة القاضي، أن الموقوف الذي لم تصدر ضده إدانة يكون مشمولاً بولاية القضاء وحمايته فلماذا لم يقم القضاء بحمايتي، ولماذا لم يرد على الذين نسبوا إلي تهماً لست موقوفاً بسببها أو ليست موجهة إلي؟!. إن الحملات التي تعرضت لها هي ضرب من القتل المعنوي المحظور، وتمهيد الأجواء لقبول أي حكم يصدر ضدي، مهما كان مجحفاً، فكيف يمكن للقضاء تجاهلها، ولماذا مرة أخرى، حال الأستاذ اللوجي بيني وبين الدفاع عن نفسي، أمام قضاء هو أحد رموزه؟!

ـ ورابعة المفارقات هي إلغاء إخلاء سبيل استئنافي، وإذن قطعي وغير قابل للنقض، صدر لصالحي عن قاضي الإحالة الأستاذة منيرة حيدر، لقد ألغى الأستاذ اللوجي إخلاء سبيلي، وقام بلعبة لا تليق بمقامه الرفيع، حبكها مع مسؤول أكبر منه في وزارة العدل، تزعم كذباً أمام نقابة المحامين أنه لم يسمع بإلغاء إخلاء سبيلي، وقام بدعوة الأستاذ ميشيل شماس لمناقشة الأمر معه في مكتبه، بعد الاستفسار منه عن حيثياته. كم كنت أود لو أن هذا المسؤول اعترف بتلاعبه بإخلاء سبيلي، وقال أن المصلحة العامة، كما يفهمها، كانت تتطلب منه ذلك، إذن، لكنت قلت أنا المتفهم دوماً لمقتضيات المصلحة العامة، هذا أمر كان يجب أن يحدث ولا تنتهي بالنسبة إلى الأمر برمته.

ما الخيط الذي يربط هذا كله، ولا يوحد هذه الإرادات؟!.

إنه خليط من كتب الرسالة وإرادته، فليس من المعقول إخلاء سبيل مثقف له تأثير على الشارع السياسي، لأن إخلاء سبيله سيفضح القصة من ألفها إلى يائها، وسيكشف ما تعرض له وزملاءه من تلفيق وإجحاف، وقد يفتح باب الأسئلة حول الأسس المعتمدة في الاعتقال، وحول قدرة من يقررون على فهم ما يجري، ونزاهتهم عند اتخاذ قراراً والقيام بخطوة ما، خاصة ضد المعارضة.

المشكلة إن هذه الإرادة ليست ظاهرة في أي سياق قضائي. وان القضاء ـ أقله المحامي العام الأول ـ يغطيها ويحجبها عن أعين الرأي العام، مع أنها هي التي تحركه وتوجهه، وهي التي أصدرت حكماً بالسجن خمسة أعوام ضد الزميل والصديق المحامي أنور البني، مع أن محكمة أمن الدولة أصدرت حكماً بسجن متهم آخر ينشر أخباراً كاذبة ـ تهمة الأستاذ أنور ـ ثلاثة أعوام فقط، ومع أن هذه الإرادة ستعمل على إصدار حكم شديد ضدي أيضاً.

أخيراً سيدي القاضي

كان الرئيس بشار الأسد قد قال أننا حولنا إلى القضاء العادي، حيث سنحظى بمحاكمة عادلة. فهل هذا مما يفعله قضاء عادي، وهل يعقل أن يكون القضاء العادي أشد من القضاء الاستثنائي، وأن يقوم أشخاص مفتاحيون فيه باحتقار القانون والتلاعب به، ويحولوه إلى أداة إضافية بيد قوى تقيم وجودها كله خارجه وتعمل ضده شرا ًوجهاراً؟!

سيادة الرئيس، هيئة المحكمة الموقرة

ما هي الآن التهم الموجهة إلي، بناء على رسالة الفرع 255، التي تبناها قاضي الإحالة، وتتهمني بالتهجم على القيادة في سورية. و تحريض الرأي العام والتأثير على الروح المعنوية للمواطنين، الأمر الذي يؤدي إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي وزعزعة الأمن في القطر إضافة إلى دس الدسائس والاتصال بجهات معادية لسورية (تبني أفكار زمرة 14 شباط في لبنان).

بعد أخذ ورد وانتظار، وجه قاضي الإحالة إلي تهمتين هما: إضعاف الشعور القومي في سوريا، وجنحة إثارة النعرات العرقية والطائفية.

لن أدع هذه الفرصة تمر دون السخرية من لغة الرسالة التي تزعم أن توقيعي على إعلان بيروت / دمشق هو تهجم على القيادة في سوريا، وتحريض الرأي العام وتأثير على الروح المعنوية للمواطنين، وأنه يؤدي، ليس قد يؤدي أو يمكن أن يؤدي، بل هو يؤدي حكماً وقطعاً ـ إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي وزعزعة الأمن في القطر، إضافة إلى دس الدسائس والاتصال بجهات معادية لسورية.

بداية، أحمد الله لأن ما تنبأ به الفرع 255 لم يقع، رغم مقالاتي وما أكتبه على الانترنت، لم تقع حرب أهلية ولم يقع اقتتال طائفي ولم يتزعزع الأمن في القطر، ومع أن الفرع لا يذكر أسباب ذلك، لأنه كان مقتنعاً بأن هذا كله سيحدث، فإنني أعزوه إلى حقيقة جوهرية هي أن الإعلان ومقالاتي لا يدعوان إلى الحرب الأهلية والاقتتال الطائفية ولا يريدان أن زعزعة الأمن في القطر، بل يدعوان إلى عكس هذا بالتمام والكمال، ولو تكرمت المحكمة وقرأت المقالات التي أرفقها الآن في إضارتي، لوضعت يدها بكل يسر على هذه الحقيقة الجوهرية، وهي أنني داعية تسامح وحوار ووحدة وطنية، ولست داعية حرب أهلية واقتتال طائفية وزعزعة لاستقرار القطر، لكنني لن أفوت هذه الفرصة، قبل أن أسأل: إذا كانت بضع مقالات وتوقيع إعلان على الانترنت يشيران إلى الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي ويزعزعان الاستقرار في القطر، ففي أي أحوال مزرية يعيش بلدنا، وما هذا الجهاز الأمني، الذي يمكن لمقالة من هنا وتوقيع من هناك أن يدمر عمله ويطيح بأمن واستقرار القطر، الذي مهمته حمايته؟!. أخيراً، ما الوضع، الذي يتصوره الفرع 255، إذا كان يعتقد أنه يمكن إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي دون زعزعة استقرار القطر، وكان يجعل الاستقرار بنداً منفصلاً عن الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي؟!.

أحمد الله واشكره مرة أخرى، لأن توقعات الفرع لم تتحقق ولأن بلدنا ينعم بالاستقرار، رغم تشاؤم الرسالة وتوقعها حدوث الأسوأ، وهل هناك ما هو أشد سوءاً من الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي؟!. نعم، هناك ما هو أكثر سوءاً، إنه التهويل على الطالعة والنازلة بخطرهما، وعدم الإقلاع عن اتهام المواطنين بإثارتهما، والنظر إلى كل سوري باعتباره مصدراً محتملاً لهما والتعامل معه بمنظار الشك وسوء الظن، وتحميله مسؤولية ما قد يتجاوز كثيراً قدراته، كإثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، في بلد كبلدنا، المعروف شعبه جيداً بوحدته الوطنية وتآلفه ووعيه!.

هل صحيح الآن أنني أضعف الشعور القومي لدى السوريين؟!. وهل صحيح أن أي رأي مغاير للرأي الرسمي هو تهجم على القيادة السياسية، وأنه تحريض للرأي العام ويؤثر على الروح المعنوية للمواطنين؟!. هل الرأي الأخر يجب أن يحترم أصلاً، إذا كانت له هذه المفاعيل؟!. أليس قمعه عملاً من أعمال الوطنية وحماية البلد وليس أمراً موجهاًَ ضد الحرية والرأي الآخر، كما يؤكد النظام في صحفه وإعلامه؟. وتالياً ألا يكون القمع هو روح السياسة الوطنية والمصلحة العامة، كما يقول الواقع وتؤكد قرائنه المختلفة منذ عقود كثيرة؟

كنت بصراحة، أريد تسجيل اعتراضي الشديد على اعتبار ما أقدمه من أفكار وآراء ومعارف فنيت عمري في تحصيلها ومعالجتها ونشرها، دس دسائس، لكنني أرجأت ذلك بانتظار أن يشرح لي أحد ما كان سيحدث لو أن العقل الأمني السائد عندنا كان سائداً في مكة زمن الرسالة النبوية الشريفة، وماذا لو أن الأمن سيتهم، سيدي ومولاي محمد بن عبد الله ( ص ) مؤسس الأمة العربية وجدها، والرجل الوحيد في التاريخ البشري الذي جاء بدعوة جديدة وعاش لتحققها، لذلك يعتبره فلاسفة ومفكرون كثيرون أعظم إنسان أنجبته البشرية؟!.

أنا على ثقة من أن سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله (ص) كان سيتهم بالتهجم على القيادة في جزيرة العرب عامة ومكة وقريش خاصة، وأنه كان سيعتبر ناشر أخبار كاذبة، تمس بشعور الرأي العام وتؤثر على روحه المعنوية، وأن ما يدعو إليه يثير الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي ويزعزع أمن واستقرار الجزيرة العربية، وأن قوله بضرورة عبادة إله واحد أحد هو تحريض على آلهة القبائل والمعتقدات السائدة، فهو إذن دس دسائس واتصال بجهات معادية خارجية (فرس ورومان)، خاصة وأنه تاجر يذهب في القوافل إلى خارج الجزيرة العربية، ويلتقي بأغراب ويتناقش معهم، أي يتبنى آراءهم، في هذه الحالة، كان سيدنا محمد سيعتقل، وسيرسل إلى السجن، لأنه يريد تحطيم الآلهة، وتنظيف الكعبة منها، ويشكك في معتقدات القوم الدينية، بل وفي أدوارهم الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والمستمدة منها، ولا يتوقف عن الدعوة أو هجرها، ويتوعد بعذاب النار المقيم في من يصر على التمسك بها. وكانت تهمه الجاهزة هذه ستقضي إلى إدانته، بالنظر إلى التغيير الهائل والانقلاب الذي يترتب على دعوته، وإلى نشاطه الدائب في سبيل نصرتها، ورفضه كل ما قدم له من مغريات للتخلي عنها، ترى، لو كان لدى قريش جهاز أمني كالفرع 255، هل كان محمد بن عبد الله عاش تحقق دعوته، أم كان مات (أي قتل) دونها؟!. ولو أن الإمبراطورية الأموية والعباسية عاملت مثقفيها وأهل الرأي من أبنائها ومجتهديها بالمعايير ذاتها، وهل كنا سمعنا بابن سينا والرازي والكندي والفارابي وإخوان الصفا والمعتزلة والأشعري ومالك وأبي حنيفة وجلال الدين الرومي والغزالي وابن تيمية.. الخ، وهل كان العرب بلغوا ما بلغوه من حضارة وتقدم، وهل كان ممكناً الحديث أصلاً عن تقدم وحضارة لديهم؟! إن الفكر ليس ولا يجوز أن يعتبر مجرد تحريض وتهييج، لمجرد أنه مختلف عن العقل السائد والايدولوجيا الحاكمة، ومن ينظر إلى الفكر بمعيار سياسي لا أمني صرف لا يحمي وطنه بل يقتله ويقتل قدرات الإبداع والخلق والتجديد لدى شعبه. وليس تحويل القمع الفكري إلى أيديولوجيا وطنية ومصلحة عليا لنظام من الأنظمة غير قتل للنظام ذاته أيضاً، أقله لأن القمع يحتجزه في قوالب ضيقة لا تثني تزداد قدرة على خنقه وإفقاده ما قد يكون باقياً لديه من مواهب وقدرات، فهو إذن قتل لما منحته له الطبيعة واغتيال لما اكتسبه في سياق التطور، وليس من العقائدية في شيء أن ينظر المتنفذون في نظام من النظم إلى العقل باعتباره وكر مؤامرات، وإلى الفكر بصفته عمالة لهذه الجهة أو تلك، خاصة أن كان هذا الفكر طليعياً ومجدداً، ومنكباً على الشأن العام، ومهتماً بالواقع، وموجهاً نحو اكتشاف السبل والدروب الكفيلة بوضع حد لأزمة تاريخية مستعصية، وبشق طرق جديدة أمام الشعب والوطن، في عصر صراعات لا ترحم، سيحسمها الأكثر تقدماً، والأكثر حرية، كما بينت هزيمة السوفييت، وإذا كان القائلون بهذا الفكر لا يريدون شيئاً لأنفسهم!.

أصل الآن إلى التهمة الموجهة إلي: جناية إضعاف الشعور القومي وجنحة إثارة النعرات العرقية والطائفية في سوريا.

اتهمتني الرسالة بإضعاف الشعور القومي، فأكد القضاء تهمتها لشديد الأسف، ومع أن هذه التهمة، مثلها مثل جنحة إثارة النعرات، لا تصح إلا في زمن الحرب، ونحن لسنا في زمن حرب، لأن السلام خيارنا الاستراتيجي منذ عام 1974، ولأننا نفضل السلام على أي أمر آخر، كما قال الرئيس الأسد في حديثه مع ((الجزيرة))، فإنني سأحجم عن الرد على التهمة الثانية، لأنه يراد بها توجيه إهانة شخصية إلي، إن الداعي إلى إرساء النظام السياسي على مفهوم المواطنة، والداعي إلى تعريفه وتعريف المواطنة بالحرية، بما هي الخصيصة التي تتحدد بها وحدها هوية الإنسان، مهما كان لونه وجنسه ودينه ووضعه الاجتماعي والطبقي والثقافي، والتي يجب أن يتساوى فيها بنو البشر جميعاً، إلى أية ملة وشعب أو أمة انتموا.

أنا، في الموقف والمعتقد، ضد أي تمييز بين بني الإنسان، ضد تعريف للإنسان بدينه أو مذهبه أو جنسه أو لونه.. الخ، وقد اعترضت على التجربة السوفييتية، وعارضتها وانتقدتها في زمن صعودها وألقها، لأنها رفضت تعريف الإنسان بالحرية وحددته انطلاقاً من وضعه الطبقي، مع أنني كنت شيوعياً آنذاك، أي أنني كنت أحد ممن ينتمون إلى هذه التجربة، فكيف أكون طائفياً وأي تجن أن اتهم بالطائفية، أنا الذي وقفت مع الفلسطينيين خلال حرب لبنان الأهلية، ومع العراق ضد أمريكا، وأقمت مجلس عزاء لوالدتي رحمها الله وطيب ثراها ـ على آيات من الذكر الحكيم، واعتبر القرآن الكريم كتاب العرب القومي، ومحمد بن عبد الله ( ص ) سيدي ومولاي وجدي الأكبر، مثلما هو جد الأمة المحمدية..

أما أضعاف الشعور القومي فهو تهمة عجيبة غريبة لا تقل منها عن التهمة الأولى، بالنظر إلى ما يؤكده النظام حول صفاء وسامية الشعور القومي في سوريا، بعد نيف وأربعين عاماً من حكم البعث، وحول استحالة أن يؤثر أحد كائناً من أن حزباً أم جهة أم شخصاً، على شعور السوريين القومي، لأن هذه الجهات جميعاً عاجزة عن إضعاف هذا الشعور أو التأثير عليه، ولأنها إن حاولت ذلك، وجدت بالضرورة الصد والبنذ وستعامل كعميلة للخارج وستكون تالية دون تأثير أو فاعلية.

سيادة الرئيس، هيئة المحكمة الموقرة

هل بعد ما منينا به من هزائم وطنية وقومية على الصعيدين المحلي والعربي، وبعد سقوط فلسطين والجولان والعراق، وانتشار  جيوش الاحتلال الأجنبية في كل أرض عربية، وفشل مشاريع التنمية، وتراجع مكانة العرب في كل مكان ودار وقضية، وانقلاب كل ما يمت إلى الوحدة والحرية والاشتراكية إلى نقيضه، وبعد إفقار الشعب ونهبه وحرمانه من حقوقه السياسية والمدنية، ومن عوائد عمله وكده وثرواته، وبعد تجريده من حرياته جميعاً، يكون هناك بعد جهة قادرة على إضعاف الشعور القومي؟.

وهل يبقى شعور كهذا أصلاً من يضعفه هذا أو ذاك من الخلق؟ وهل يستحق الشعور الذي يضعفه توقيع إعلان مثقفين، صفة قومي أو غيرها من الصفات الإيجابية؟! أليس من المزاح الإدعاء أن توقيعي على إعلان بيروت / دمشق أضعف الشعور القومي، بينما لن تؤثر فيه الهزائم والكوارث التي حلت به على كل صعيد وفي كل مجال وميدان، مما عددته قبل أسطر.

السيد الرئيس، هيئة  المحكمة الموقرة.

لي ملاحظات أربع على النظام السياسي العربي، تنطبق بصورة خاصة على النظام السياسي في بلادنا، لطالما وجهت فكري وعملي، وأملت علي مواقفي، وشغل حلها بالي واحتل مركز اهتمامي، أوردها هنا كي تفهموا الخاصة الفكرية والروحية، التي دفعتني إلى توقيع الإعلان، بين أشياء كثيرة كتبتها وفعلتها خلال العقد الأخير.

هذه الملاحظات هي باختصار شديد:

1) إن النظام في سورية وضع منذ ولادته في ستينيات القرن الماضي المسألة القومية في مواجهة المسألة الديمقراطية، وأقام تعارضاً لا سبيل الى جسره أو تجاوزه بينهما، جعل إحداهما تلغي الأخرى، يفسر هذا انتقاد مفاهيم ومقولات الإنسان وحقوقه والمواطنة والمجتمعية بما هي أساس أي نظام سياسي حديث. لم يأتي حزب البعث بها كان يعد به من حقوق وحريات مواطنة ونظام سياسي ركيزته الإنسان كذات حرة وجديرة بالحرية، بغض النظر عن تعييناتها الموضوعية، كما كان يقول أرسطو، بل قلص ووأد ما كان متوفراً من بداياتها في سورية بين عامي 1946 و1963، بذريعة أنها حقوق برجوازية وحريات تنتمي إلى العصر البرجوازي/ الرأسمالي، الذي يريد تخطيه بالاشتراكية، وبما أن الفكرة القومية هي التي أتت بمفاهيم وحقوق الإنسان والمواطنة، وهي التي أرست النظام السياسي الاجتماعي عليها، فإن العداء المفتعل بين المسألة القومية والمسألة الديمقراطية، والذي دام طيلة نيف وأربعين عاماً حتى الآن، قوض الفكرة القومية وثلم فاعليتها وطابعها، وحولها إلى قطرية عضوض، معادية لوعدها الوحدوي، الذي انقلب إلى وعد لفظي لا ترجمة له في واقع العرب عامة وسورية خاصة، ونحن عالقون اليوم في أزمة حقيقية، لأننا نجعل الديمقراطية التي تحرر أمريكا اللاتينية من الإمبريالية الأمريكية وتعيد إنتاج وتجديد اليسار فيها، مجرد مؤامرة أمريكية علينا، من الضروري قمعها ودحرها بأي ثمن، وتجعل المعارضة الديمقراطية عميلة لأمريكا، حسب قول الرسالة، مهما كانت وطنيتها وكان دورها في حماية بلدها، تريد المعارضة جسر الهوة بين المسألتين القومية والديمقراطية، لأنها تعتبرهما مسألة واحدة تعبر عن نفسها بطريقتين متمايزتين بسبب اختلاف الحاضنة والمسالك، بينما أدى التعارض المصطنع بينهما إلى كبح النهضة العربية الثانية، ودفعها إلى تراجع انهياري متزايد، وكان قد أدى إلى انهيار المعسكر الاشتراكي، في بلاد السوفييت وأوروبا الشرقية، رغم ما كان لديه من قوات مسلحة وأمن وأحزاب منظمة، وأنا على ثقة من أن هذا التعارض وراء الانهيار التدريجي في سائر نواحي جبهاتنا السياسية والعامة والحزبية، وهو الذي تحول بصورة متزايدة إلى سكين ذبح النظام بها، لا داعي للقول إن مصالحة المسألتين القومية والديمقراطية هي شرط أي نهوض عربي جديد، وأي حراك شعبي/ وطني/ قومي فاعل، وأن ما تكفله الديمقراطية من حريات وحقوق وآليات سلمية وحوارية، والقومية من حراك شعبي ومجتمعي وتحرري يتكامل ليشمل أرضية ملائمة لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، دون هذا التكامل، لا سياسة ولا مجتمع ولا دولة ولا حداثة ولا تقدم.

2) إن الدولة، بما هي تكوين عام وشامل ومجرد، لا يجوز أن تخضع لتكوين جزئي ومحدود وعابر هو الحزب، والصحيح أن يحدث العكس، ما دام خضوع الدولة لحزب ينفي صفاتها  كدولة ويحولها إلى سلطة عضوض، مشخصنة وإقصائية، فاسدة ومفسدة، دون أن يرفع الحزب فوق سمائه كتكوين جزئي ومحدود وعابر.

3) إن السلطة ترى كل ما عداها بدلالتها، ولا ترى نفسها بدلالة المجتمع والدولة والمواطن، لهذا نراها، تعتبر نفسها معيار فكرة وفصل ومصلحة سياسية، حتى أنه قيل بعد هزيمة حزيران أن العدوان الإسرائيلي على سورية (ومصر) فشل، لأنه لم يحقق هدفه الحقيقي: إسقاط الدولة، ولأن احتلال الأرض ليس إنجازاً كافياً للصهاينة، يبرر تشدقهم بالنصر، ما دامت الأرض قابلة للاستعادة، بينما السلطة لا يمكن تعويضها إن سقطت، واليوم، يبدو جلياً أن الأرض كانت هدف العدو، الذي يرفض الانسحاب منها، وإن النظام الذي لم يسقط، عجز عن استعادتها حرباً أو سلماً، وأنه يرجح أن لا يتمكن من تحريرها بالحروب غير المباشرة والمعارك الصغيرة أو عبر سياسات تستخدم القضية القومية لخدمة السلطة، معيار ومقياس كل شيء.

4) إن السلطة أدخلت العنف إلى السياسة، وأخرجت منها الثقافة، رغم كثرة الحديث عن النظام العقائدي، وللعلم، فإن السلطة التي تدخل العنف إلى السياسة كانت على مر التاريخ السلطة الأكثر فشلاً، ما دام نجاح أية سلطة يقاس بقدرتها على إدارة أمورها وأحوال وطنها بأقل قدر من العنف، وأعظم قدر من الأدوات والأساليب السلمية والتوازنية، إن اللجوء إلى العنف من أجل تنظيم المجال العام وعلاقاته يعني الافتقار إلى وسائل وأساليب تمكن أصحاب الأمر والنهي من إدارته بالتوافق والحوار والوسائل السلمية، فمن المفهوم أن يصير من يركزون على هذه الوسائل والأساليب، وعلى مصالحة القضيتين القومية والديمقراطية، وعلى ضرورة إخضاع الأحزاب للدولة بدل إخضاع الدولة لأي حزب، في نظر الرسالة خصوماً لوطنهم، وجزءاً من مخططات معادية له.

إذا أضفت إلى ما تقدم أن سنوات حكم البعث لم تنجح، للأسف الشديد، في الحد من ميول ثلاثة دمرت حياة العرب العامة وأودت بفرص نهوضهم، بل وأخرتهم من عصرهم، ومن التاريخ، كما يقول كثيرون من مفكريهم، هي:

1) نشوب وتفاقم التناقضات العدائية بين دولهم.

2) نشوب وتفاقم التناقضات بين شعوبهم وحكوماتهم.

3) بروز عوامل تفتت وتهتك داخل مجتمعاتهم أفقدت كل واحد منهم الكثير من لحمته الداخلية وتماسكه الأهلي والوطني.

أدركنا حجم الدور الذي يجب على مثقف محب لوطنه وشعبه القيام به، ونوع هذا الدور، وعلى أن ((راحة الضمير تصير ضرباً من النذالة)) كما كان يقول تولستوي عن أوضاع من كلمة لوضعنا الحالي.

وقد كنت خلال السنوات الأربعين الماضية من الداعين إلى معالجة هذه التشوهات البنيوية، وإلى التخلص منها، وقد مر موقفي في طورين:

ـ استمر إلى نهاية تسعينيات القرن الماضي اعتقدت فيه أنه لا خلاص منها بغير الخلاص من النظام نفسه.

ـ طور ثان  توطد مع نهاية هذه الفترة آمنت فيه أن لا خلاص للنظام وحده من عيوبه، ولا خلاص للبلد منه بغير جهد رئيسي يقوم هو نفسه به وأن أي طريق أخرى ستورط سورية في معارك وتناقضات داخلية لن تخدمها أو تخدم أي طرف من أطرافها، سلطة أم معارضة، وستضعها على كف عفريت بسبب حجم المشكلات الداخلية التي تواجهها، والتي غدت جميعها من طبيعة بنيوية، راسخة ومستعصية، والتحديات الخارجية التي تجد نفسها في مواجهتها، في لحظة سقوط عربي عام، أفظع تجلياته احتلال العراق بعد احتلال فلسطين، واختفاء دولته وتمزيق شعبه، والعمل على تفكيكه إلا كيانات " دولوية " ذات أسس  طائفية، هي التجديد العملي لحقبة ما بعد سايكس / بيكو، والترجمة الفعلية لحقبة قادمة تريد أمريكا أن تسيطر فيها لعقود كثيرة قادمة على مفاتيح ومفاصل وثروات وإرادة شعب عربي مفتت، ويلفظ أنفاسه الأخيرة، ولم تنجح أية سياسات وطنية أو قومية حتى الآن في وقف انهياره ولأن سورية ستكون، على عكس ما ظن أرباب النظام آنذاك، بعد زيارة كولن باول في أيار من عام 2003 إلى دمشق، الحلقة القادمة لسببين:

1) إنها تمثل مع العراق وإيران عازلاً سياسياً غير مرغوب فيه أمريكياً، يمسك بالمنطقة الاستراتيجية المفتاحية دولياً، التي تريد أمريكا السيطرة عليها، بدءاً من احتلال العراق.

2) لأن كسر هذا العازل/ المحور، الذي بدأ مع احتلال العراق، ضروري لإزالة قوى غير مرغوب  بها أمريكياً من حوض النفط، الذي يمتد من الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي السابق إلى جنوب الخليج العربي، ولا يجوز أن يكون لأية قوى غير أمريكا حضور أو وجود فاعلاً فيه، يكون مستقبلها ومستقبل سيطرتها الدولية يتوقف على انفرادها به.

كي لا تضيع سورية كما ضاع العراق، توجه تفكيري وعملي في هذه السطور إلى محورين:

1) محور أول يكمن في ضرورة تخليص الوضع من عيوبه، دون هزه أو تعريضه للمخاطر، ليس فقط لأن بديله الفوضى أو الاحتلال، وهو أفضل منهما ولا سبيل إلى التخلص من هذه العيوب بغير وحدة قوى السياسة السورية جميعها، معارضة وموالاة، على أسس توافقية يمكن الانطلاق منها قطعاً لتشخيص مشكلات البلاد والعباد، لإيجاد حلول بتوافق عليها لها، والتصدي لها كجهة واحدة، وليس كطرفي مقص وعلى خلاف، على أن يتم هذا كله بطرق متدرجة وهادئة وآمنة ومدروسة وسلمية، وإلا فإن هذه الصيرورة الجديدة لن تنجح، مع أن فشلها قد يواجه بما بقي لدى البلد  من قدرات وفرص نجاة، فلا يجوز إلا أن تنجح، عبر نكران متبادل للذات واستعداد مفتوح إلى أبعد حد للتفاهم ولنسيان الماضي المؤلم، وفتح صفحة جديدة تخلو من جهة من القمع ومن جهة أخرى من الإرهاب، وتقوم على  اعتراف الجميع بالجميع، وعلى أوسع مصالحة بينهم، بل وعلى السعي إلى توحيد تنظيماتهم بعد قواهم، في إطار سياسة يأخذ الجميع بها شعارها، ((اليد الممدودة للآخر والقلب المفتوح له)) أما هدف هذا المحور، فهو طي صفحة التناقضات بين الحكومة والشعب، وبين السلطة والمجتمع، وتأسيس لحمة وطنية تعزز أوضاع البلد الداخلية على أسس جديدة وسليمة هي وحدة الدولة والمجتمع والسلطة، أرضيتها المواطنة وحقوق الإنسان وأعلى حد ممكن من التوافق الداخلي بين سائر مكونات الدولة السورية والحياة الوطنية العامة.

2) محور ثاني يطوي صفحة التناقضات العربية/ العربية ويضع حداً لهذا الميل القاتل، الذي طبع الحياة الرسمية العربية بطابعه، وانعكس على المواطنين العرب في كل مكان، وشحن الحياة القومية بالعداء وعوامل التفجر والاقتتال، وجعل العدو حكماً على علاقاتنا، والأخ عدواً لا سبيل إلى مهادنته.

انطلاقاً من هذه الحسابات، كان من الضروري في نظري تخليص بلدنا من حمولات العداء الزائدة أو المفاجئة مع العرب، دولاً وبلداناً، لذلك دعوت حتى قبل وفاة الرئيس حافظ الأسد إلى تطبيع العلاقات مع العراق وفلسطين ولبنان، وإلى انتهاج سياسة تقوم على ما يجمع في السياسة المعمول بها، التي تبحث عن ما يفرق، بحجج مختلفة يبدو بعضها مبرراً ومعقولاً، لكنها أدت جميعها إلى  إضعاف العرب عموماً، بما في ذلك بلادنا، وسادت بنا من هزيمة إلى أخرى، ومن فشل إلى آخر، حتى صرنا إلى ما نحن فيه من غرائب، بفضل انخراطنا في خلافات لا معنى لها وظيفتها الوحيدة إعدادنا للسقوط النهائي، وخلافات لها معنى، لكنها تدار بالطريقة التي تقودنا إلى السقوط، أبرز نماذجها الخلاف السوري/ العراقي بين عام 1970 وعام 2003.

سيادة الرئيس، هيئة المحكمة الموقرة:

ينضوي إعلان بيروت/ دمشق في هذا السياق، ويراد به وقف تدهور علاقات سوريا ولبنان، كما تقول مقدمته، هذا هو القصد الذي أملاه ووقف وراءه، وجعلني أوقعه، فقد كان من غير المعقول مراقبة البلدين الشقيقين وهما ينزلقان إلى صراع مفتوح، بعد حقبة قبل خلالها إن علاقاتهما تسمو على أي خلاف، وكان من الضروري أن يصرخ أحد ما: كفى، لا تأخذونا إلى صراع عربي آخر، بينما يمكن تصحيح الخلافات السورية اللبنانية بطريقة جذرية، على أسس توافقية تقوم على وحدة تاريخهما ولغتهما  ودينهما وثقافتهما ومصالحهما ومواقعهما ضد العدو المحتل (إسرائيل) والعدو الآتي على ظهور الدبابات وفوق حاملات الطائرات، بقصد  الاحتلال والسيطرة (أمريكا). وبالمناسبة، فإن الإعلان ليس قرآناً كريماً، وهو لا يخلو من نواقص وهنات، لكنه بكل تأكيد ليس جزءاً من المخطط الأمريكي الإسرائيلي، وليس تعبيراً عنه تبني ميشيل كيلو أو غيره من الموقعين آراء أية زمرة من الزمر أو جهة من الجهات، في لبنان وسورية على حد سواء، لقد رأيت من واجبي توقيع الإعلان، لا لكي أنصر زمرة هنا وفريقاً أو جماعة هناك، بل لأساهم في وضع حد لصراع ليس السوريون واللبنانيون بحاجة إليه، وسط ما تتهددهم من مخاطر قاتلة، ولن يكن أحد على حق، إن احتدم وأخذ البلدين إلى العنف (لا سمح الله)، كما لن يكون أحد على حق، إن سكت عليه أو سمح بتمريره، أو انضم إلى أحد طرفيه.

السيد الرئيس، هيئة المحكمة الموقرة

لقد كتبت مئات المقالات والدراسات وألقيت عشرات المحاضرات من أجل نشر هذا الخط، وإقناع الناس به، والحق أنه حظي بقبول واسع من الذين احتكوا به أو قرؤوا عنه، لأنه لم يدع إلى إسقاط النظام، بل أعطى الأولية لحل المشكلات التي ترتبت على سياسته بالدرجة الأولى، وبدا وكأنه قادر على طي صفحات الماضي القريب، التي حفلت بالنزاعات والصراعات الداخلية، خاصة بعد أن بلور الإسلاميون رؤية قريبة منه ومتفاعله معه، وكي أثبت صدق توجهي كمعارض، فقد دخلت في كل حوار عرض علي مع الموالاة والسلطة، وأعدت طرح ملفات عديدة وقراءاتها في ضوء الفكر الجديد والنهج الإصلاحي، رغم أن بعضها أثار حنق المعارضين حيناً، وأنصار السلطة حيناً آخر، ودعمت منذ أول يوم وعد الإصلاح الذي قطعه بشار الأسد على نفسه في جلسة مجلس الشعب يوم 17 تموز من عام 2000، لحظة توليه رسمياً منصب الرئاسة، ولم أتوقف كثيراً عند حقيقة أنه لم يبدأ من الحقل السياسي، كما كنت أطالب (وغيري)، كما لم أتحفظ على قبوله من أي مجال بدأ اقتصادياً كان أم إدارياً أم تعليمياً أم اقتصادياً أم قضائياً أم ثقافياً أم اجتماعياً، مقدراً أنه سيصل في النهاية إلى حقل السياسة، ويكون مسك ختامه، أي بداية الخروج من العيوب البنيوية الأربعة، التي اعتبرت الإصلاح بمعناه الحقيقي مساوياً للتخلص منها، ولم أر له هدفاً آخر غير الخروج من السياقات والأجواء والحسابات، التي دفعت بنا إليها.

بسبب هذا الخط، وما بذلته من جهود لإنجاحه، صرت مرة عميل مخابرات مركزية (نهاد القادري في جريدة المحرر، عندما كان صديقاً لبعض دوائر الأمن السوري)، وأخرى عميلاً للمخابرات السورية (نزار نيوف في موقعه الالكتروني)، أي مرة عميلاً أمريكياً بالنسبة لأوساط بعينها في النظام، ومرة أخرى عميل أجهزة سورية بالنسبة لأوساط من المعارضة، ربما لأنني جسدت في الشأن العام فاعلية الثقافة والمعرفة الجديدة، الملتزمة بقول الحقيقة، والتي لا ينظر صاحبها إلى ما تتطلبه منه من تضحيات، علماً بأنه لا يرى فيها مجالاً لجني المنافع أو للبروز الشخصي والمادي. وأنا الذي دعوت، بين أوائل من دعوا في الثقافة العربية، إلى فك المجال الثقافي عن الحقل السياسي المسيطر والرسمي، وقلت بضرورة إنتاج مشروع ثقافي قادر على التأسيس لمشروع تنويري/ نهضوي عربي جديد، يجب أن يكون غير قابل للكسر، وللفشل، ما دام مصير الأمة ومصيرنا الشخصي يتوقف على نجاحه، وخروجنا من مأزقنا التاريخي الراهن، يرتبط به.

السيد رئيس المحكمة، هيئة المحكمة الموقرة

تعلمون دون شك، أن للإصلاح خصوماً في السلطة والمعارضة، وإن هؤلاء الذين منهم في السلطة يرفضون أي نهج أو مسعى يرمي إلى بلورة حلول غير تلك التي يقترحونها هم لمشكلات سوريا، هذا إن اعترفوا أن فيها مشكلات، وبما أن ما دعوت إليه (مع غيري من معارضين ومثقفين) يمثل بديلاً لسياساتهم، ويكذب دعواهم حول عدم وجود ما هو أفضل منها، فإنهم يتهمون حملة الإصلاح ودعاة المصالحة والتوافق إما بمحاولة شق الصف الداخلي أو بمد اليد إلى الخارج، أي بالعمالة، كما تقول الرسالة جهاراً نهاراً، ولقد انتهز هؤلاء سانحة الإعلان كي ينقضوا عليَّ وعلى ما أرمز إليه وأمثله، ولعله مما يلفت النظر أن بعضهم حولني بين ليلة وضحاها من مثال للمعارض الوطني إلى مثال للمعارض الذي يتبنى أفكار زمرة 14 آذار اللبنانية، متجاهلين ما كانوا يعرفونه عني وهو أنني اعتبر المثقف أكثر أهمية من السياسي، وأرى أنه لا يجوز بحال من الأحوال أن يتبع له أو يسايره، وأن مائة مثقف عربي حقيقي أكثر أهمية من أي حزب سياسي بما في ذلك الأحزاب الحاكمة، وإنني أنا نفسي، في ظروف بلدي الراهنة، يحق لي أن أعتبر أكثر فاعلية وتأثيراً ووعياً من أي حزب سياسي، موالي أو معارض، أقله لأنني أعمل بدلالة المستقبل، وتحت حيثية الحقيقة، منارتي الوحيدة، بينما تطارد الأحزاب مصالحها وتميل في أحيان كثيرة مع النعماء حيث تميل.

هذا هو السبب الحقيقي لاعتقالي، فأنا وما أقوم به أمثل فسحة أمل في الظلام القاتم، ونحن نبدو مستقبليين في وضع يصير أكثر فأكثر من الماضي، وبما أنني لست على استعداد للمساومة على دوري وثقافتي، فإنه كان من الضروري إسكاتي، باعتقالي وزجي في السجن، بذريعة توقيع إعلان لطالما وقعت ما هو أشد نقدية منه، وكتبت مقالات أكثر تحديداً ووضوحاً من نصه. لكن مشكلة من اعتقلوني تكمن في أن اعتقالي، والاعتقالات عامة، لا تحل أزمات البلد بل تفاقمها، لسبب جلي هو أن أزمة سورية هي أساساً وجوهرياً أزمة سلطة، قبل أن تكون أي شيء آخر، وقبل أن تكون نتاج بيانات وإعلانات، أو حتى أزمة معارضة. إن الأزمات، الناجمة عن التشوهات الأربعة التي ذكرتها، والميول الثلاثة التي عرجت عليها، لن تحل باعتقالي أو بضرب المعارضة وإسكاتها، والسعي إلى حلها عن هذه الطريق لن يكون غير جري وراء سراب، خاصة وأن أحداً في سورية لا يقبل خطاب السلطة، الذي يربط الوطنية بالملاحقات والقمع، والديمقراطية والحوار والتوافق باللاوطنية، وأن السوريين يتذكرون اليوم أيضاً أن العقل الأمني أخذ وطنهم إلى مواضع وسياسات قوضت شعورهم القومي، وعجزت عن استرداد المحتل عن أرضهم، وزجتهم في تشابكات وتجاذبات لا مصلحة لدولتهم ومجتمعهم فيها، وأخرجتهم من الشأن العام، واعتدت حتى على لقمة أطفالهم. إن اعتقالي هو خير دليل على عدم جدوى الاعتقالات كحل لمشكلات البلد والسلطة، فقد أنتج مشكلة حقيقية داخل سوريا وخارجها، وعاد بضرر شديد على السلطة والمعارضة، حتى أن كثيرين من أهل الأولى اعتبروه غلطة ارتكبتها جهات بعينها، تحت ذريعة الدفاع عن النظام، مع أنني  آخر شخص في سورية والعالم يشكل تهديداً له ويفكر بزعزعته.

ليست الاعتقالات والسجن حلاً، ولن تحل الملاحقات والسجون أزمات البعض حتى لو أدت إلى اختفاء المعارضة بصورة تامة وكاملة. الأزمات هناك، في أبنية النظام الأيديولوجية والإدارية والسياسية والاقتصادية. وفي عقليته وطرق اشتغاله، ولا مفر من حلها حيث هي بجهود بنات وأبناء وطننا جميعهم، دون أي تمييز بينهم وعلى الأسس التي يجب أن نتوافق عليها، وتتطلب الأخذ بسياسة "اليد الممدودة إلى الآخر والقلب المفتوح له". أنا لازلت مؤمناً، بعد عام من السجن، بهذا النهج، لاعتقادي بأنه الوحيد الصحيح والملائم لبلدنا ووضعنا، والقادر على إخراجنا من وحول هزائمنا، وتعزيز وتوطيد ما لدينا من إيجابيات كثيرة، أهمها على الإطلاق شعبنا الذكي والمحب لوطنه وللحرية.

أوقفوا الاعتقالات والملاحقات، لأن حبلها القصير يمكن أن يلتف حول أعناق الجميع، تعالوا إلى سياسة جديدة تقوم على الحوار والندية والاحترام والرغبة في بداية مختلفة لوطننا: مواطنين ودولة ومجتمع وسلطة وأحزاب ونقابات.

أما ما يوجه إليّ من تهم، فأنا لا أعتبره جدّياً ولا أكترث به، ولو شئت لأتيت بالآلاف من الشهود السوريين والعرب والأجانب، وكلهم من أصحاب النظام، ليكذّبوا ما تقوله الرسالة عني، وتتهمني به، ولعل موجات التضامن الهائل معي ومع زملائي تثبت صحة ذلك، مثلما يؤكده قول صديقي الراحل الصحافي والكاتب جوزيف سماحة، رئيس تحرير جريدة "الأخبار" اللبنانية، القريبة جداً من حزب الله: "ميشيل كيلو في السجن، هذا يعني أن سورية ليست بخير"، وللعلم، فإن صديقي رفض زيارة سورية بدعوة من وزير الإعلام وأبلغه أن قدماه لن تطئا أرض سورية مادام ميشيل في السجن.

لن أختم قبل التعبير عن تضامني الأخوي والرفاقي مع جميع مثقفي العرب والعالم، الذين يقومون بدورهم الرائد أو يتعرضون للملاحقة والاعتقال، وأخص بالذكر منهم مثقفي فلسطين وفي مقدمتهم الدكتور عزمي بشارة، أحد رموز النضال الوطني والقومي هناك، وأحد رواد الفكر الوحدوي الديمقراطي الجديد في الثقافة العربية. كما أعبر عن تضامني مع المثقفين والإعلاميين الذين يقاومون القهر والطغيان، ويقاتلون من أجل إيصال الحقيقة إلى غيرهم، وأتوجه من هنا إلى خاطفي مراسل الـ BBC في غزة راجياً أن يخلو سبيله دون إبطاء. وبما أننا اليوم في السادس من أيار، فإنني لن أدع هذه المناسبة تفوت قبل الترحم على واحد من سادة الكلمة الصادقة والموقف الشجاع شيخنا طاهر الجزائري، الذي كان مثلاً مبكراً لما صار يعرف بـ "المجتمع المدني" وأنشأ أجيالاً على حب الحرية والوطن واحترام الإنسان.

أود كذلك، الإشادة بمثقفي العرب الذين يقومون بدورهم في وضع تاريخي عصيب، يموت فيه عالم السياسة السائد ويولد عالم جديد، تنويري ونهضوي، عبر رؤوس وعقول وأرواح أنبياء الفكر الجديد، الذي يحملون ثقافة مختلفة، لنا ومن أجلنا جميعاً، كي لا يكون العرب طيفاً عبر التاريخ واختفى.

سادتي الكرام، مثقفو العرب

  لقد كنا رجال أنوار في الزمن الاشتراكي الكاذب، وسنكون اشتراكيين حقيقيين في الزمن التنويري الآتي، الذي نريد له أن يكون مغايراً، لأنه سينهض على ما نهضت عليه السياسة الحديثة في كل مكان، على الإنسان كذات حرة وجديرة بالحرية، والمجتمع المدني كمجتمع مواطنين أحرار.

في الختام، سادتي الأفاضل.

أرجو أن تعيدوني إلى هناء وسعادة الحياة اليومية البسيطة، حيث الزوجة، حبيبة العمر وصنو الروح، والأولاد فسحة الأمل، بعد أن ربيتهم على قيم الأخلاق، ورسخت في دمهم احترام إنسانيتهم وإنسانية غيرهم، وأفهمتهم أن الله منّ عليهم بالقدوم إلى الحياة في منطقة طورت جميع المفردات التي قامت عليها الحضارة البشرية، فلا بد أن يكونوا جديرين بها، وبرمزيها العظيمين: عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله، وآخراً الأحفاد، رام وميشيل رحمه هنا، وأناييس كيلو في فرنسا، الذين أعادوا إليّ مرح الحياة وأشعروني أن الإنسان لا يتقدم في العمر ولا يشيخ، لأن الأطفال يستطيعون بعث الدفء والبهجة في روحه، والحيوية في حنايا نفسه.

أعيدوني إلى بيتي وأسرتي وأصدقائي، وضعوا حداً لهذه المهزلة التي طالت.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ميشيل كيلو

ملحق

السيد الرئيس/ هيئة المحكمة الموقرة

وكم ذا بمصر من المضحكات  ولكنه ضحك كالبكا

طلبت بعد اعتقالي أن يقوم ممثلو اتحاد الصحفيين واتحاد الكتاب بزيارتي والاهتمام بقضيتي، وباعتبار أنني متهم لم تتم إدانته بعد، وأنني قد أكون بريئاً، وأنهم الجهة التي يفترض بها الدفاع عني، لأنهم "منظمتي الشعبية"، لكن الرد كان سلبياً في الحالتين، رغم أن الدكتور حسين جمعه، رئيس اتحاد الكتاب، لامس قضيتي في مقالة نشرها خلال شهر حزيران من العام الفائت، قال فيها أن الفكر لا يرد عليه بغير الفكر، والرأي بغير الرأي، وأنه لا يوافق على القمع، خاصة أنه طال أشخاصاً نجلهم ونحترمهم!.

بعد حين، نظّم اتحاد الكتاب العرب احتفالاً بالرواد الذين أسسوه، كان اسمي بين أسمائهم، بينما قال الأستاذ رئيس الصحفيين في ندوة حول الإعلام السوري ما معناه: إن الصحافي السوري لا يواجه مشكلة الحرية، وأن مشكلته مهنية!.

بكلام آخر، إذا كان من المفهوم وغير المقبول، أن يتخذ رئيس اتحاد الصحفيين موقف رفض لأي تضامن معي، وكان يرفض زيارتي للاستماع إلى وجهة نظري، الأمر الذي يتعارض مع وظيفته ومهمته كرئيس "منظمة شعبية"، فإنه ليس مفهوماً وليس مقبولاً أن يتخذ اتحاد الكتاب موقفاً شبيهاً، وأن يحتفي بي وأنا في السجن، كأن شيئاً لم يحدث لي، أنا الذي أعيش وسط أكوام من المجرمين الجنائيين والقتلة والجانحين، وأواجه مخاطر جمة يعرف الله وحده نوعها ونتيجتها، بصراحة، كنت أنتظر أن يبادر الاتحادان المذكوران إلى زيارتي في سجن عدرا، أقله للاطمئنان على أن ظروفي هناك، صعبة ولا إنسانية، أما أن يحتفي بي باعتباري من الرواد في عالم الثقافة، ثم أُترك لمصير مجهول وسط أجواء مشحونة بالكراهية والهلوسات الأمنية، فهذا ليس مما يؤكد احترام الثقافة والمثقفين، الذين لا يجد تعبيراً عنه في أيامنا غير زيارات وزيري الثقافة والإعلام المتكررة للمرضى والأموات منهم، مع عدم الاكتراث بمصير الأحياء، خاصة إن كانوا مثلي من أصحاب الرأي الذين لا يحبهم أصحاب الفروع.

لست عاتباً على أحد، لكنني أردت قول بضع كلمات حول ما تحفل به حياتنا "الثقافية" الرسمية من نفاق وكذب، وحول دور ما يسمى "المنظمات الشعبية"، التي ليست غير أذرع للفروع تعمل في المجالات الثقافية، تتجاهل من يُعتقل من مثقفي البلد وتشارك في تشويه سمعته، وترفض إبداء قدر من التضامن الوطني أو المهني أو الإنساني معه.

ميشيل كيلو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*النداء : كان الأستاذ ميشيل قد طلب السماح له بالكلام وإلقاء دفاعه استنادا  لحقه الشخصي يوم 7/5/07، لكن تسريع الجلسة لم يترك مجالا له، وانفضت هيئة المحكمة وسط استغرابه، فسلم أوراقه إلى محاميه الذي قام لاحقا بتسليمها لمكتب المحكمة، وهي التي تضمنها هذا النص.

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]