|
9/11/2005 دراسة فكرية حقوقية (3-4) الفصل الثالث: قانون الطوارئ والأحكام العرفية في سوريا حسن جومي مقدمة الديمقراطية وحقوق الإنسان من أهم القضايا التي تشغل شعوب الشرق على مستوى الأفراد والأحزاب وكذلك على المستوى الدولي والمؤسسات الدولية بما فيها منظمة الأمم المتحدة . لأن الديمقراطية تجربة إنسانية أثبتت جدارتها وحقها في البقاء ، بالرغم من ظهور نظم سياسية كثيرة زالت أو في طريقها إلى الزوال . وهذا ما يثبت فكرة الفيلسوف الإنكليزي هربرت سنبسر القائلة بأن ((الصراع من أجل البقاء، ليس قانوناً ينطبق على الكائنات الحية، أو في ميدان البيولوجيا فحسب، وإنما يصدق كذلك في ميدان النظم السياسية والاجتماعية)) . اما المفارقة الغريبة التي أطلقها بعض فلاسفة الغرب ، وهي إمكانية تطبيق الديمقراطية في المجتمعات الشرقية غير واردة، إلا بعد إصلاح هذه الشعوب وتهيئتها لكي تكون قادرة على ممارسة الديمقراطية . هي افكار وطروحات قدمت مبررات لاستعباد الشعوب من قبل الاستعمار. كما استغلتها الانظمة والحكام في الشرق في قمع شعوبها وسلب حريتها وارادتها . ولدى الحديث عن حقوق الإنسان في المجتمعات الشرقية تصبح الصورة ِأكثر قتامة . فبعد الاستقلال أبقت معظم هذه الدول على قوانين القمع والقهر التي ورثتها عن الاستعمار بحجة مواجهة التحديات الخارجية والمؤامرات التي تحاك ضد نظمها . فشددت وفرضت قوانين الطوارئ والقوانين الاستثنائية ونظام الحزب الواحد . وانتشر الفساد في الحكم دون رقابة شعبية ومحاسبة , فزادت الحالة سوءاً في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية ، فكانت الضحية الأولى هي حقوق الإنسان . ومع الأسف مازال معظم الحكام في الشرق يرددون اسطوانة فلاسفة الغرب- باستحالة تطبيق الديمقراطية في هذه البلدان- لإلغاء دور الشعب وتأكيد سلطتهم المطلقة على كافة ميادين الحياة . ان حقوق الإنسان في جوهرها هي احترام كرامة الإنسان وإعلاء قيمته ، وإن الحرية- حرية الإنسان- ما هي إلا ((ماهية الروح)) كما يؤكد هيجل ، وإن تنازل الإنسان عن حريته للحاكم ، إنما يعني تنازله عن إنسانيته ، بمعنى أنه يتنازل عن حقوقه وواجباته كإنسان . فعقب المآسي والمجازر التي آلت أليها الحرب الكونية الأولى والثانية أنشئت هيئة الأمم المتحدة لتخفف الظلم والطغيان عن الشعوب ، وأصدرت جملة من المعاهدات والاتفاقيات بهذا الشأن ابتداءاً من معاهدة إعلان حقوق الإنسان وأوجد التوازن بين الحقوق السياسية والمدنية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وجعلها حقوقاً مترابطة لا تقبل التجزئة ، كما أضاف إليها حق الشعوب في تقرير مصيرها واستثمار ثرواتها وأخيراً وليس أخراً الإعلان العالمي للحق في التنمية (1986) والذي ربط بين التنمية كحق من حقوق الإنسان ، وجعل هدف التنمية تمكين الإنسان من الحصول على حقوقه أي أنه ربط بين التنمية وحقوق الإنسان بجميع أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية , وبذلك جعل الإنسان محور التنمية ، فهو غايتها ووسيلتها . وبالرغم من دخول معظم دول الشرق الأوسط الأمم المتحدة والمصادقة على المعاهدات الصادرة عنها ، إلا أنها مازالت تخرق وتخالف بنود هذه المعاهدات . ففي سوريا على سبيل المثال لا الحصر. مازال قانون الطوارئ والأحكام العرفية الصادر بموجب المرسوم التشريعي رقم /51/ تاريخ 22/12/1962 والأمر العسكري رقم /2/ تاريخ 8/3/1963 ساري المفعول حتى يومنا هذا . الذى أدى إلى تعطيل الدستور ومهام السلطات التشريعية والقضائية . لقلة الأبحاث الفقهية المتعلقة بموضوع بقانون الطوارئ فى سوريا. سنحاول فى هذه الدراسة القاء الضوء على قانون الطوارئ و الآثار الناجمة على حقوق الآنسان
- قانون الطوارئ والأحكام العرفية - اختلف فقهاء القانون في تعريف حالة الطوارئ فمنهم من قال : (إن حالة الطوارئ نظام استثنائي شرطي مبرر بفكرة الخطر المحيط بالكيان الوطني)) . ((إنها الحالة التي بواسطتها تنتقل صلاحيات السلطة المدنية إلى السلطات العسكرية)) . ويعَّرف المحامي عبد الله الخاني حالة الطوارئ ((إعلان حالة الطوارئ نظام دستوري استثنائي قائم بفكرة الخط المحيط بالكيان الوطني، يسبغ اتخاذ السلطات المختصة لكل التدابير المنصوص عليها في القانون والمخصصة لحماية أراضي الدولة وبحارها وأجواءها كلاً أو جزءاً ضد الأخطار الناجمة عن عدوان مسلح داخلي أو خارجي، ويمكن التوصل لإقامته بنقل صلاحيات السلطات المدنية إلى السلطات العسكرية)) . أما في سورية كما يؤكد الأستاذ عبد الله الخاني ((فليس هناك أي تعريف لحالة الطوارئ، لأن المشَّرع السوري الذي وضع قانون الطوارئ لم يثبت أية نظرية من النظريات حين اقتباسه النصوص الناظمة لإعلان قانون الطوارئ والتدابير والقيود المفروضة على الحريات في حالة إعلانها من القوانين الفرنسية. وحتى لم يقتبس التعريف الفرنسى )) .
لمحـة تاريخيـة : لم يعرف قانون الطوارئ في أوربا إلا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وخاصة روسيا القيصرية وفرنسا وإيطاليا عهد الفاشية وألمانية عهد النازية. أما على صعيد الشرق الأوسط، لم يعرف قانون الطوارئ بشكله الحالي إلا في الآونة الأخيرة. ففي العهد العثماني كانت أولى محاولات هذا القانون في الإجراءات القضائية المتمثلة في المجلس العرفي الذي ألفه جمال باشا السفاح- حاكم إيالة سورية- لمحاكمة زعماء الثورة العربية، بموجب فرمان خاص. أما في عهد الانتداب الفرنسي على سورية فقد تم إخضاع الأراضي السورية للأحكام الصادرة عن رئيس الجمهورية الفرنسية ومن ضمنها النصوص الناظمة لإعلان الأحكام العرفية . وبتاريخ 10/9/1920 وبموجب القرار رقم /415/ تم إحالة كل عمل يرتكب ضد قوات الاحتلال إلى المحاكمة العسكرية الفرنسية ومن ثم تتالت القرارات الصادرة عن الإدارة الفرنسية المتعلقة بالأحكام العرفية بحسب ظهور الأحداث وظروفها وحاجاتها . بعد خروج الاستعمار الفرنسي من الأراضي السورية، وبمناسبة حرب فلسطين ، صدر بتاريخ 15/5/1948 القانون رقم /400/ بشأن إعلان الأحكام العرفية، كما صدر القانون رقم /401/ بإعلان الأحكام العرفية في أراضي الجمهورية السورية، حُدد مفعوله بستة أشهر ابتداءً من تاريخ نشره. والحق به مجموعة من القرارات التنفيذية لهذا القانون. مثل القرار رقم /5/ تاريخ 23/5/1948 القاضي بمنع التجوال في منطقة العمليات الحربية والقرار رقم /18/ تاريخ 26/5/1948 القاضي بمنع دخول المصورين للأماكن المجاورة للمنشآت والمراكز العسكرية والقرار رقم 31/5/1948 الذي يحظر على موظفي الدولة والمؤسسات التابعة لها مغادرة أماكن عملهم والقرار رقم /41/ تاريخ 7/6/1948 القاضي بمنع السفر خارج الأراضي السورية بدون إجازة ……الخ . وفي 22/حزيران/ 1949 صدر المرسوم التشريعي رقم /150/ القاضي بتنظيم الإدارة العرفية . حيث تضمن هذا المرسوم التشريعي كامل مواد القانون رقم /400/ ولقد جاءت الأسباب الموجبة لسن هذا القانون على لسان المشَّرع السوري ((لا يوجد في التشريع السوري النافذ نص قانوني يحدد اختصاص السلطة العسكرية والقضاء العسكري وعلاقتها بالسلطة الإدارية وبالقضاء المدني في حالة إعلان الأحكام العرفية ، وقد وجدت وزارة الدفاع الوطني من الضروري تلافي هذا النقص، بأعداد مشروع المرسوم التشريعي المرفق ، وهو يتضمن تحديد اختصاصات القضاء العسكري وتنظيم الإدارة العرفية على أسس واضحة)) . لكن هذا المرسوم لم يدم طويلاً، حيث صدر القانون رقم /162/ تاريخ 27/9/1958 بشأن حالة الطوارئ حيث ألفى هذا القانون ، المرسوم التشريعي رقم /150/ . وعندما فشلت الوحدة المصرية السورية ، فقد أصدرت حكومة الانفصال في سوريا بتاريخ 22/12/1962 المرسوم التشريعي رقم /51/ والمسمى بقانون الطوارئ . حيث ألفى هذا القانون بموجب المادة /12/ من الفصل الثالث القانون رقم /162/ الصادر بتاريخ 27/9/1958، ومازال هذا القانون- أي القانون رقم /51/ ساري المفعول حتى يومنا هذا. وهنا لا بد لنا من تثبيت نص المرسوم التشريعي رقم /51/ كما ورد في الجريدة الرسمية :
* المرسوم التشريعي 51 تاريخ 22/12/1962 قانون حالة الطوارئ . أصدر مجلس الوزراء ونشر رئيس الجمهورية المرسوم التشريعي التالى : الفصـل الأول- إعـلان حالـة الطـوارئ . مادة 1 آ- يجوز إعلان حالة الطوارئ في حالة الحرب أو قيام حالة تهدد بوقوعها أو في حالة تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي الجمهورية أو في جزء منها للخطر، بسبب حدوث اضطرابات داخلية أو وقوع كوارث عامة . ب- يمكن أن تتناول حالة الطوارئ مجموعة الأراضي السورية أو جزءاً منها . مادة 2آ- تعلن حالة الطوارئ بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية وبأكثرية ثلثي أعضائه على أن يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له . ب- يحدد المرسوم القيود والتدابير التي يجوز للحاكم العرفي اتخاذها والمنصوص عليها في المادة الرابعة من هذا المرسوم التشريعي دون الإخلال بأحكام المادة الخامسة منه . مادة 3 آ- عند إعلان حالة الطوارئ يسمى رئيس الوزراء حاكماً عرفياً وتوضع تحت تصرفه جميع قوى الأمن الداخلي . ب - للحاكم العرفي تعيين نائب أو أكثر له مرتبطين به وذلك بمرسوم . ج - يمارس نواب الحاكم العرفي الاختصاصات التي يفوضهم بها ضمن المناطق التي يحددها لهم . مادة 4 للحاكم العرفي أو نائبه أن يصدر أوامر كتابية باتخاذ جميع القيود أو التدابير الآتية أو بعضها وأن يحيل مخالفيها إلى المحاكم العسكرية . آ- وضع القيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور في أماكن أو أوقات معينة ، وتوقيف المشتبه فيهم أو الخطيرين على الأمن والنظام العام توفيقاً احتياطياً والإجازة في تحري الأشخاص والأماكن في أي وقت . وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال . ب- مراقبة الرسائل والمخابرات أياً كان نوعها ، ومراقبة الصحف والنشرات والمغلفات والرسوم والمطبوعات والإذاعات وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها ، وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإلغاء امتيازها وإغلاق أماكن طبعها . ج- تحديد مواعيد فتح الأماكن العامة وإغلاقها . د- سحب إجازات الأسلحة والذخائر والمواد القابلة للانفجار والمفرقعات على اختلاف أنواعها والأمر بتسليمها، وإغلاق مخازن الأسلحة . هـ- إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل التنقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة . و- الاستيلاء على أي منقول أو عتاد وفرض الحراسة المؤقتة على الشركات والمؤسسات وتأجيل الديون والالتزامات المستحقة والتي تستحق على ما يجري الاستيلاء عليه . ز- تحديد العقوبات التي تفرض على مخالفة هذه الأوامر، على ألا تزيد على الحبس مدة ثلاثة سنوات وعلى الغرامة حتى ثلاثة آلاف ليرة أو إحداهما . وإذا لم يحدد الأمر العقوبة على مخالفة أحكامه، فيعاقب على مخالفتها بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ليرة أو بإحدى هاتين العقوبتين . كل ذلك مع عدم الإخلال بالعقوبات الأشد المنصوص عليها في القوانين الأخرى . مادة 5 آ- يجوز لمجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية توسيع دائرة القيود والتدابير المنصوص عليها في المادة السابقة عند الاقتضاء بمرسوم يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له . ب- ويجوز لهذا المجلس تطبيق دائرة القيود والتدابير المشار أليها ، بحسب الحالة التي استدعت إعلان حالة الطوارئ . مادة 6 في المناطق التي أعلنت فيها حالة الطوارئ تحال إلى القضاء العسكري مهما كانت صفة الفاعلين أو المحرضين أو المتدخلين الجرائم الآتية : آ-مخالفة الأوامر الصادرة عن الحاكم العرفي . ب- الجرائم الواقعة على أمن الدولة والسلامة العامة (من المادة 260 حتى المادة 339 من قانون العقوبات) . ج- الجرائم الواقعة على السلطة العامة (من المادة 369 حتى المادة 387) . د- الجرائم المخلة بالثقة العامة (من المادة 427 حتى المادة 459) . ه - الجرائم التي تشكل خطراً شاملاً (من المادة 573 حتى المادة 586). مادة 7 يجوز للحاكم العرفي أن يستثنى من اختصاص القضاء العسكري بعض الجرائم المحددة في المادة السابقة. مادة 8 يفصل الحاكم العرفي بقرار مبرر في تنازع الاختصاص بين القضاء المدني والقضاء العسكري . مادة 9 الأحكام القاضية بالإعدام والتي تصبح مبرمة، لا تنفذ إلاّ إذا صادق عليها الحاكم العرفي بعد استطلاعه رأي لجنة العفو في وزارة العدل .
الفصل الثاني – إنهـاء حالـة الطوارئ – مادة 10 يكون إنهاء حالة الطوارئ من قبل السلطة المختصة بإعلانها، ووفقاً للأحكام المنصوص عليها في المادة (2) من هذا المرسوم التشريعي . مادة 11 تستمر المحاكم العسكرية ، بعد إنهاء حالة الطوارئ على النظر في القضايا الداخلة في اختصاصها سواءً أكانت محالة إليها أم لم تكن .
الفصل الثالث – أحكـام مؤقتـة – مادة 12 يلغي قانون حالة الطوارئ رقم 162 الصادر في 27/9/1958 وجميع تعديلاته . مادة 13 آ- في جمع الأموال تبقى محاكم أن الدولة المحدثة بالقانون رقم 162 المشار إليه مختصة بالنظر في الجرائم الداخلة في اختصاصها المرتكبة قبل صدور هذا المرسوم التشريعي سواءً أكانت محالة إليها أم لم تكن. وتتبع بشأن التحقيق والإحالة والمحاكمة فيها وحفظها والتصديق على الأحكام الصادرة أو التي تصدر فيها وتعديلاتها نفس الأصول والإجراءات المتبعة بموجب ذلك القانون . ب- تبقى الحراسة المفروضة على بعض الشركات والمؤسسات استناداً إلى القانون رقم 162 قائمة حتى يتم إلغاؤها وفقاً لأحكام المادة العاشرة من هذا المرسوم التشريعي . مادة 14 ينشر هذا المرسوم التشريعي ويعمل به من تاريخ صدوره. دمشق في 26/7/1982 و 22/12/1963
وعندما اعتلى حزب البعث سدة الحكم في سوريا في 23/شباط 1962 أصدر المجلس الوطني لقيادة الثورة قراراً عسكرياً هذا نصه . قرار المجلس الوطني لقيادة الثورة رقم (2) الصادرة في يوم الجمعة الموافق 13 شوال 1382 و 8/3/1963 أمر عسكري رقم (2) إن المجلس الوطني لقيادة الثورة يقرر ما يلي : المادة 1 تعلن حالة الطوارئ في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية ابتداءً من 8/3/1963 وحتى إشعار آخر . دمشق في 8/3/1963 المجلس الوطني لقيادة الثورة
يعتبر قانون الطوارئ واحداً من أكثر بحوث القانون الدولي العام دقة وحساسية لتأثيره البالغ على مسألة الحريات العامة ويندرج نظام الطوارئ تحت طائلة أعمال الحرب والظروف الاستثنائية من أهم الحالات التي تتوزع فيها صلاحيات الإدارة حيث تمارس (الإدارة) امتيازات وصلاحيات هي في الأصل محظورة عليها وبالتالي فإن هذا النظام يشكل امتيازاً للإدارة ، لامتلاكها حرية أكبر في أعمالها وتصرفاتها . ويترجم نظام الطوارئ إلى ممارسة عملية من خلاله الأوامر العرفية الصادرة عن الإدارة العرفية استناداً إلى قانون الطوارئ . إن قرار إعلان حالة الطوارئ هي مسألة تتعلق بالسياسة العليا للدولة استناداً إلى المادة الأولى من القانون رقم /51/ . من هذه المادة نجد أن المشَّرع السوري قد وسع من دائرة المبررات لإعلان حالة الطوارئ، أي أنها تتصف بالشمولية . أما الإدارة العرفية فهي استناداً إلى المادة الثالثة الفقرة الأولى- من قانون /51/ هي أجهزة السلطة التنفيذية ((المدنية والعسكرية)) . مع تمتعها بصلاحيات واسعة بموجب المادة الرابعة من هذا القانون . إن أولى الآثار الناجمة عن إعلان حالة الطوارئ هي انتقال اختصاصات السلطات التنفيذية إلى السلطات العرفية بموجب المادة الثالثة الفقرة آ من قانون الطوارئ . إن هذا النص القطعي والذى بموجبه تغدو السلطات التنفيذية أداة بيد الحاكم العرفي وسيفاً مسلطاً على رقاب الجماهير. وليس بخافٍ على أحد أن كل التدابير التي نصت عليها هذه المادة والمادة الرابعة هي أصلاً من اختصاصات السلطات التنفيذية. فإخضاع الاجتماع إلى الترخيص ومراقبة الرسائل والمخابرات أياً كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات والمؤلفات والمطبوعات والإذاعات وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإلغاء امتيازاتها وإغلاق أماكن طبعها …… الخ . كل هذه الاختصاصات أصبحت بيد رجل واحد ، ألا وهو الحاكم العرفي . هذا يؤدي بلا شك إلى تعطيل كافة المؤسسات بما في ذلك الدستور السوري . لأن كافة مواد قانون الطوارئ مخالفة للدستور السوري والقوانين الأخرى النافذة (قانون الجنسية- قانون العقوبات…… الخ) .لإن : 1 - القرار العسكرى رقم 2 الصادر عن مجلس قيادة الثورة عام 1963 , هى جهة غير شرعية دستوريا لإصدار هكذا قرار و اى انها صدرت من جهة غير مختصة اه دستورية . 2 – بعد صدور الدستور الدائم لعام 1973 , وبموجب المادة , 101 والتي يعطي الحق لرئيس الجمهورية بإعلان حالة الطوارئ وعرضه على مجلس الشعب . لم يقم رئيس الجمهورية بلإعلان حالة اتلطوارئ , مما يجعل الأمر العرفي بإحالة المتهمين الى المحاكم العسكرية بموجب المادة الرابعة من قانون الطوارئ باطلة وغير قانونية و غير دستوية . 3 – بصدور الدستور الدائم تنتهي مفاعيل القرارات السابقة الصادرة بشكل غير دستوري . وفيما يلي سنورد بعضاً من مواد قانون الطوارئ والدستور السوري على سبيل المثال فالمادة /101/ من الدستور السوري تنص على ((يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ ويلغيها على الوجه المبين في القانون)) . أما المادة الثانية الفقرة آ من قانون الطوارئ ((تعلق حالة الطوارئ بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية وبأكثرية ثلثي أعضائه على أن يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له)) . إن هذا الاختلاف الظاهر بين الدستور وقانون الطوارئ لا بد أن يبرز إشكالات كثيرة . الفقرة آ من المادة الرابعة من قانون الطوارئ تنص ((وضع القيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور في أماكن وأوقات معينة ، وتدقيق المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام توقيفاً احتياطياً والإجازة في تحري الأشخاص والأماكن في أي وقت، وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال)) .
وبمقارنة هذه المادة مع بعض مواد الدستور السوري . الفقرة /1/ من المادة /25/ التي تنص ((الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم)) . الفقرة /2/ من المادة /28/ ((لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا وفقاً للقانون)) . الفقرة /3/ من نفس المادة تنص على ((لا يجوز تعذيب أحد جسدياً أو معنوياً أو معاملته معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك)) . المادة /31/ تنص على ((المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون)) . المادة /32/ تنص على ((سرية المراسلات البريدية والاتصالات السلكية مكفولة وفق الأحكام المبينة في القانون)). المادة /39/ تنص على ((للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلمياً في إطار مبادئ الدستور وينظم القانون ممارسة هذا الحق)). من خلال هذه المقارنة نجد أن مواد قانون الطوارئ مخالفة لمواد الدستور السوري ومتعارضة على طول الخط معه . فهل يوجد لدى المشَّرع السوري الذي وضع قانون الطوارئ ترمومتر يوضع على الأشخاص لمعرفة المشتبه به أو الخطر على الأمن والنظام؟!. أليس هذا القانون مستمد من أعمال الأمويين وخاصة عصر معاوية؟.
إن أي نظام حكم ، يقوم على ثلاث ركائز وهي: السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية . فالأولى تسن القوانين ، والثانية تنفذ هذه القوانين والثالثة تفصل في المنازعات على ضـوء تلك القوانين . يـقول الفيلسوف الفرنسـي مونتسيكو صاحب نظرية تقسيم السلطات ، والتي تعتبر حتى اليوم أساساً للديمقراطية ((أي تسلط من سلطة على أخرى يشكل ديكتاتورية مبطنة وخللاً في الديمقراطية وتعدياً علـى الفرد والمجتمع ، ولا يمكـن للديمقراطية أن تتطور إلا في حال الفصل بين السلطات الثلاث ، وإن طغيان سلطة على أخرى يؤدي إلى زعزعة النظام الديمقراطي)) . إن الغاية من فصل السلطات هي توزيع وظائف الدولة على ركائزها الأساسية لأن جـمع السلطات يؤدي إلى الاحتكار وبالتالي إلى إساءة استعمالها حيث يقول الفقيه الألمانـي روبرتو ميشيل في هذا الصدد: ((إن التاريخ يبين بصورة واضحة أن أغـلب الزعماء السياسيـين في مختلف الأزمنة والأمكنة بدؤوا حياتهم السياسية بنزعة مثالية وهي التضـحية في سبيل مبادئ عزموا الأمر على العيـش من أجلها أو الفناء من دونها ، فإذا ما ركبوا صهوة الحـكم وجمعوا السلطة المطلقة بين أيديهم أفسدت عقولهم . هذه السلطـة وهذه الحقيقة قام عليها الـبرهان فـي التاريخ . فإن دلـت على شيء فإنما يدل علـى الطبيعة البشرية التي لـن تجد أمامـها سياجـاً يحول دون التمادي سوى مبدأ فصـل السلطات الذي تخفف إلى حد كبيـر من مسـاوئ هذه الطبيعة البشـرية)) . وبما أن المشَّرع السوري قد أخذ بمبدأ فصل السلطات فيجب أن يكون العمل بهذا المبدأ بصورة كاملة وأهمها عدم قيام السلطات التنفيذية بوظيفة التشريع . لو عدنا إلى الفقرة (ز) من المادة الرابعة من قانون الطوارئ والتي تنص على ((تحديد العقوبات التي تفرض على مخالفة هذه الأوامر ……)). إن فرض أي عقوبة وبموجب الدستور السوري هي اختصاص القضاء وليس الحاكم العرفي . إن القيود والتدابير الواردة في المادة الرابعة من قانون الطوارئ، تحتوي في ثناياها أكثر مقومات الاختصاصات الممنوحة أصلاً إلى الإدارات العامة . فمثلاً الإدارة العامة المختصة لا تملك اتخاذ أي إجراء بشأن الرسائل والمخابرات والصحف والنشرات إلا ما صدر منها ما يسيء للنظام العام . أي أن سلطتها تأتي بعد ارتكاب الفعل المحظور. أما السلطة العرفية فتمتلك كل الحق بموجب هذه المادة . وهنا لا بد من طرح السؤال التالي : من المقصود بالمشتبه به والخطر على الأمن العام والنظام . هل لدى المشَّرع السوري أي مقياس أو ضابط. أم لدى السلطات العرفية قدرة خارقة لمعرفة ما يدور في نفوس البشر. لقد تحول الإنسان السوري إلى آلة يخاف من خياله ، لما لهذه المادة من القوة في التطبيقات اليومية على الساحة السورية . مما تقدم فإن استقلال القضاء هو الضمانة الوحيدة لسيادة القانون وسيادة القانون هي الضمانة الوحيدة لحقوق المجتمع بأفراده وهيئاته ، وكل انتقاص من استقلاله ، فإن حقوق الفرد والمجتمع تكون مهددة وكذلك حرياتهم وبالتالي تكون الدولة متخلفة عن ركب الحضارة والتقدم ونعني بسيادة القانون : 1. خضوع كل فرد سواءاً أكان شخصاً عادياً أو موظفاً أو محكوماً وعلى قدم المساواة للأحكام التي ينص عليها القانون . 2. ممارسة الحكم من خلال القانون وضمن إطاره . قال أحد فقهاء القانون ((إن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد فرض النظام واستتاب الأمن ، إذا لم تحمل هذه السيادة في طياتها معنى تقيد الحكام وإلزامهم باحترام القانون ، وإن سيادة القانون تتحقق بإخضاع الدولة للقانون . وكفالة الرقابة القضائية لهذا الخضوع . بحيث يكون من حق كل فرد أن يلجأ إلى القضاء متى تأثرت مصالحه بتصرف صادر عن السلطة أو الفرد)) . قيل للزعيم الإنكليزي تشرشل ((ظهر الفساد في أجهزة الدولة . فقال : والقضاء؟! قالوا له : إن القضاء الإنكليزي ممتاز جدا ً. فأجاب لا خوف على بريطانيا )) . ومرة تقدم طالب زنجي إلى جامعة تكساس، فمنعت إدارة الجامعة دخول هذا الطالب ، فتقدم بدعوى إلى المحكمة الاتحادية، فقررت المحكمة قبول الطالب في الجامعة إلاّ أن حاكم ولاية تكساس رفض قرار المحكمة الاتحادية ومنع تنفيذ الحكم مستعيناً بشرطة الولاية . فما كان من الرئيس الأمريكي جون كندي إلا أن أرسل جيشاً اتحادياً مؤلفاً من ثلاثة آلاف جندي وأدخل الطالب الزنجي تحت اسنة الحراب . ويردد موقفه هذا أمام مؤتمر صحفي (( إن عدم تنفيذ حكم المحكمة الاتحادية يشكل سياسة خطيرة في التاريخ الأمريكي )) . أما في سوريا وفي ظل هذا القانون اللعين ، فكم من الطلبةوالعمال الأكراد فصلوا من المعاهد ومؤسسات الدولة لا ذنب لهم سوى إن الله خلقهم أكراد اً، وكان الفصل تحت الذريعةالأزلية (خطر على أمن الدولة) . ان الآثار الناجمة من جراء استمرار قانون الطوارئ إلى يومنا هذا بعد أن فقد كل مبررات وجوده ، والذي يخول الحاكم العرفي صلاحيات استثنائية تسمح له بتعليق الأحكام المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية الواردة في الدستور والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها سوريا هي مدمرة على الانسان السوري والمجتمع السوري والدولة السورية ايضا. أن مبرر استمرار وجود هذا القانون هي (حالة الحرب مع إسرائيل) . إلاّ أن فرض هذه الحالة لهذه المدة الطويلة هي من أجل خدمة أهداف سياسية سلطوية بحتة بعيدة عن قضية الحرب وتحرير الارض أو تعرض الأمن أو النظام العام للخطر، لأن حالة الحرب مع إسرائيل قد تطول لسنوات عديدة اخرى ، بينما تنجم عن هذه الحالة العرفية تعليق الديمقراطية ومصادرة الحريات العامة والشخصية بكافة أوجه استعمالاتها وصورها . ان من المتفق عليه كما ورد في المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الفقرة آ انه((في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد حياة الأمة والمعلن قيامها رسمياً يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ في أضيق الحدود والتي يتطلبها الوضع تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي .
نستنتج مما تقدم بأن هذه الحالة (حالة فرض الطوارئ) المتصفة بالديمومة والاستمرارية منذ حوالي 40 سنة قد فقدت كل مبرراتها الدستورية ، وهي قد اتخذت أصلاً لمصادرة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، لأن هذه القوانين (الاستثنائية) جمد ت كل القوانين الاعتيادية الاخرى في سوريا طيلة هذه الفترة الطويلة . المراجـــــع : 1. كتاب قانون الطوارئ والأحكام العرفية – عبد الله الخاني ، دمشق 1973 . 2. مجلة المحامون السورية مجلدات أعوام 1971-1972-1978-1979 . 3. حقوق الإنسان في الوطن العربي، مجموعة مؤلفين – مركز دراسات الوحدة العربية. 4. قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية- المحامي محمد إبراهيم الكويفي، دار الميلاد، دمشق. 5. دستور الجمهورية العربية السورية لعام 1972، دار الرازي عام 1979 . 6. قانون الطوارئ والأحكام العرفية – عبد الله الخاني – دمشق 1973 . الرسمية. 7. الجريدة الرسمية. 8. مجلة المحامون السورية مجلد عام 1978 -1979 9. حقوق الإنسان مجلدات 1-2-3. د. محمود بسيوني- ومحمد سعيد الدقاق- وعبد العظيم وزير منشورات العلم للحلابين- الطبعة الأولى 1990. 10. حقوق الإنسان في الوطن العربي- حسين جميل- مركز دراسات الوحدة العربية. 11. حقوق الإنسان والحريات في القانون الدولي. بحث قانون أعداد المحامي عارف جابو. 12. ما هي الديمقراطية- حكم الأكثرية أم الأقلية- تأليف آلان تدرين- ترجمة حسن قبيسي- دار الساقي دمشق. 13. مجلة عالم المعرفة العدد 183 لعام 1994 والعدد 192 لعام 1994. 14. مجلة عالم الفكر العدد 22لعام 1993 والعدد 27 لعام 1999. 15. مجلة الطريق العدد 3 لعام 1996 والعددان 2-4 لعام 1998. 16. دستور الجمهورية العربية السورية الصادر بالمرسوم التشريعي /208/ تاريخ 13/12/1973. 17. قانون الجنسية العربية السورية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969 وتعديلات 18. تقرير لجنة مراقبة حقوق الإنسان وقسم الشرق الأوسط- لعام 1996.
* هذا المقال هو فصل من دراسة بعنوان ( الديموقراطية و حقوق الإنسان في ظل القوانين الإستثنائية ) حلب كانون الثاني 1998 |
|
الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية بيانات وتصريحات | مختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن |
|
Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne |
|
Despêk 6-ê Gulana 2004-an copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz] |