نوروز

 

Newroz

العنف اللفظي والمثقفون الأكراد

"العنف اللفظي ليس سوى الشكل الأولي أو التمهيدي للعنف الجسدي"

نزار آغري

      الحياة    4/12/2004

 موقع نوروز 8/12/2004

صحافي عراقي يعمل معلقاً في صحيفة عربية وله زاوية ثابتة فيها. وهو يتميز عن غيره من المعلقين بأسلوبه الساخر الذي يمزج فيه الجد بالهزل. لاشيء يفلت من قلمه فهو يسخر من كل شئ بما في ذلك ما يعتبر خطوطاً حمراً في العقل العربي الذي ما يزال رهن المحرمات والرقابات بسائر أشكالها. وقد تعرض بالسخرية للشعارات المنتفخة التي يرفعها القوميون العرب عن الأمة العربية الواحدة والخالدة والماجدة وما شابه. ولطالما سخر من القوميين العرب والعقلية الاستعلائية التي يقاربون بها الأشياء, وبالروح الساخرة نفسها كان قارع الشوفنيين العرب الذين يضطهدون الأكراد ويصادرون حقوقهم القومية.

 

ولكن حدث أن تطرق هذا الصحافي في تعليق ساخر للشأن الكردي أيضاُ فدعا الأكراد إلى هجر اللغة الكردية لأنها لا تغني ولا تسمن من جوع. فهي في عصر العولمة أعجز من الوصول إلى شيء مفيد. وككل تعليق صحافي صغير, لاسيما إن كان ساخراً, شاط سهم الكاتب وجاور الخطأ والصواب. وعلى حين غرة انهالت كتابات بعض المثقفين الأكراد تندد بتعليق الصحافي. وليس في هذا ما يضير بحد ذاته. أعني أن يندد المرء بتعليق أو رأي أو مقال يعتبره مخالفاً للحقيقة ومجافياً للصواب. فكتابات الصحافيين والمعلقين وكتاب الرأي والباحثين ليست أشياء منزلة بل هي تحبل على الدوام بإمكانية الخطأ. غير أن المثقفين الأكراد اعتبروا الأمر اعتداء على حياض الأمة الكردية وتجاوزاً لخط أحمر كانوا رسموه (من دون علم الصحافي) وراحوا يصبون اللعنات على رأسه. ووجد المسكين نفسه في قفص الاتهام باعتباره ممثلاً للقومية العربية وناطقاً باسمها. وجرى اعتبار تعليقه مؤامرة عربية تنطلق من حقد قومي عربي يريد الثأر من الأكراد والنيل من مكتسباتهم. ويمكن تقبل كل ذلك لو أن المثقفين الكرد الغاضبين ركزوا في ردودهم على الأفكار التي أوردها الصحافي وأظهروا أخطاءها آخذين في الاعتبار أن الأمر يتعلق بتعليق صحافي ساخر لا بنظرية علمية. بدلاً من ذلك أخذ هؤلاء يقذفونه بشتائم مقذعة في نبرة مسعورة تشبه كثيراً نبرة إعلام النظام الصدامي الذي يؤكد المثقفون الكرد أنهم يكافحون لإزالة آثاره: نظام العلوج الشهير الذي كان يعتبر خصومه من الساسة والمفكرين والمثقفين مجرد كلاب وخنازير.

 

الحال أن الهجمة على الصحافي العراقي لم تكن حالة فريدة أو استثناء عابراً. المؤسف أن الأمر يتعلق بظاهرة تكاد تكون راسخة في صفوف عدد لا بأس به من المثقفين الكرد أو من يعتبرون أنفسهم كذلك. وبالطبع يمكن تفهم هذه الظاهرة وتفسير أسبابها. فهؤلاء تربوا في مناخات العقلية البعثية (في العراق و سورية), في المدرسة والمجتمع والجامعة وكذلك في صفوف بعض الأحزاب الكردية التي تعد نموذجاً صغيراً عن الحزب البعثي من جهة النظام الداخلي والذهنية والسلوك.

 

عقلية كهذه تقسم البشر صنفين لا ثالث لهما: الصنف الجيد الذي يتكون منّا وممن يؤيدنا. والصنف السيء الذي يختلف معنا و ينتقدنا. إنه التقسيم الأصولي ذاته الذي يرى العالم فسطاطين, فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر, أو دارين, دار الإيمان ودار الكفر. ولا عجب إن تشابه القاموس الكلامي إلى حد التطابق. فالأصوليون يعتبرون المختلفين معهم والمنتقدين لوجهة نظرهم مرتدين وكفرة وقروداً. ألم يكن النظام البعثي يعمد إلى تصفية خصومه ومعارضيه بزعم أنهم مرتدون وخونة لا يستحقون الحياة؟ حين قيل لأحد مسؤولي حركة فتح الفلسطينية إن صدام حسين استعمل السلاح الكيماوي ضد الأكراد قال على الفور: يستحقون ذلك لأنهم ارتدوا عليه وخانوه ووقفوا إلى جانب إيران.

 

والعنف اللفظي ليس سوى الشكل الأولي أو التمهيدي للعنف الجسدي. وحين تتم المبادرة إلى تشنيع المخالف وإظهاره في صورة الشيطان فذلك من أجل تسهيل استئصاله.

 

من المؤسف أن يفعل ذلك المثقفون الأكراد هم الذين ينتمون إلى شعب ما برح يدفع باهظاً ثمن معارضته للنظم الطاغية التي لم توفر جهداً لتصويره في هيئة غير هيئة البشر.

 

عودة