نوروز

 

Newroz

عدو للأكراد في داخلهم

"لا يمكن الاستمرار في استغباء الناس من خلال الإختباء وراء العموميات والتسلح بالشعارات التي تدغدغ العواطف"

نزار آغري

     الحياة 16/1/2005

 موقع نوروز 23/1/2005

التطورات التي تتوالى من حولنا هل تدفعنا، بوصفنا عناصر اختبار، إلى إعادة النظر في منظومة القيم الفكرية والسلوكية التي نصر على الاحتفاظ بها والقبض عليها بيد مرتجفة؟ كيف نتفاعل مع التقلبات الهائلة في الجوار القريب والبعيد، وكذلك في ما هو أبعد من الجوار؟ هل حان وقت التعرف على حقيقة المظالم التي تعرض ويتعرض لها الأكراد منذ أمد طويل؟

 

مهلاً: ليس المقصود مظالم الغرباء، من حكام وسلاطين وطغاة وجيوش وجيران وأصدقاء. المقصود هو ما ارتكبه ويرتكبه الزاعمون النطق باسم الكرد والساعون في تمثيله والنيابة عنه.

 

مهلاً، مرة أخرى:

 

نعرف «أن المرحلة دقيقة وحساسة وأن الأعداء يخططون ويتهيأون للانقضاض على الوليد في أية لحظة». نعرف أيضاً «أن المطلوب رصد الطاقات للمعركة المصيرية والوقوف صفاً واحداً أمام الأعداء الطامعين». نعرف «أن الأعداء بالمرصاد ليستغلوا كل خلاف ويدقوا الإسفين بيننا».

 

نعرف ذلك وغيره. لكننا نعرف أيضاً أن التكتم على الأخطاء والفساد والانتهازيين والمتملقين والمتسلقين والقتلة والمجرمين وأشباههم هو الطريق المخملي إلى الخراب.

 

لننظر في حال من سبقنا إلى الخراب: شعوب ذليلة في طول البلاد العربية وعرضها تئن تحت سوط القمع والكبت ومصادرة الحرية، فإن تأففت واشتكت من حالها كان الرد جاهزاً: الأعداء بالمرصاد.

 

يمكن أن نقاوم الأعداء وأن نكون أحراراً في نفس الوقت. يمكن أن نكشف عن الأخطاء ونلاحق المخطئين والفاسدين دون أن ندع الفرصة للأعداء لدق إسفينهم اللعين. يمكن أن نفضح الأعداء في الخارج والانتهازيين في الداخل في آن واحد. يمكن أن نكشف خبث المتآمرين من الخارج ونعرض غسيلنا الوسخ للشمس في اللحظة ذاتها. لا تعارض بين العملين. وفي القيام بذلك نعمل بوصفنا صحافيين ونشطاء في الرأي العام ودعاة حرية الأفراد وحقوق الإنسان، ليس في مواجهة القتلة المستبدين من الخارج فقط، بل في مواجهة مستبدي الداخل أيضاً. فبوصفنا هذا، لنا الحق في التدخل في الشأن العام ومتابعة نشاط المسؤولين والزعماء ومراقبة سلوكهم. فسلطة الصحافي ليست أقل من سلطة المسؤول السياسي. وواجب السياسي أن يحترم إرادة الناس وأن يلبي حاجاتهم فيما واجب الصحافي أن يتحرى الحقائق ويكشف النقاب عن الأسرار.

 

وقد يخطىء الصحافي. ولكن من قال أن السياسي لايخطىء. في الحالتين ينبغي أن يكون ثمة مكيال واحد لمعاينة الخطأ: القانون. العمل من أجل القضية الكردية ليس منة ولا يمنح حصانة. ينبغي ألا يكون مثل هذا العمل غطاء لأي سلوك مشين. ليس من حق أحد أن يسعى إلى إسكات الآخرين وكم أفواههم بذريعة أنه يناضل من أجل القضية الكردية. ينبغي الكف عن اللعب على الحبال والقول أن الآخر، الذي ينتقد، إنما يفعل ذلك لأنه مرتبط بجهة ما تحضه على فعل ذلك. لا يمكن الاستمرار في استغباء الناس من خلال الإختباء وراء العموميات والتسلح بالشعارات التي تدغدغ العواطف. يجب أن تتقوض ذهنية احتكار الرأي والاستبداد بالقرار والتلاعب بالغرائز وتشنيع الآخر وتكفيره والتحريض عليه والنيل منه جسدياً أو معنوياً. ينبغي التطهر من الأسلوب البعثي الذي تقلده جماعات كردية هنا وهناك: إهانة المتهم وركله وتحقيره قبل أن توجه اليه تهمة واحدة وقبل أن يصل إلى المحكمة.

 

نحن نحارب الأعداء بالضبط لأننا نريد أن نكون أحرارًا. ولايمكن السكوت عن المستبد في الداخل إذا ما أراد أن يسلب منا الحرية ذاتها التي نريد أن ننتزعها من مستبد الخارج. إن نزعة تمجيد الذات بوصفها ضحية الخارج وإغماض العين عن مواطن الخلل فيها وإسباغ الصفات الملائكية عليها هي السبيل الأقصر لخلق مستبد الداخل والتحول إلى قطيع عديم الإرادة أمامه.

 

الطغاة لايهبطون من السماء بل يظهرون رويداً رويداً بقدر ما يكثر المتزلفون ويتصاغر المتملقون من حولهم.

  

عودة