نوروز

 

Newroz

العقلية الإقصائية والحالة السياسية في سوريا

"فلنجعل من سوريا طيفاً ديمقراطياً تتمتع في ظله كل القوميات بالتألق كما تتألق ألوان القوس قزح"

 

 افتتاحية - جريدة الوحدة العدد /137/

موقع نوروز 2/1/2004

لقد أثبتت تجربة العالم المتمدّن بأنّ مبدأ التعالي القومي والتفكير الأناني  ( الأكثري ) والسلوك الإقصائي السلطوي  ومنهجية الشطب على الآخر(الأقلّي ) والتهرب من لغة الحوار ما بين الحضارات واعتماد أشكال العنف والعنف المضاد في حل مختلف المسائل العالقة و ...الخ , كلّها أنماط غوغائية  لاعقلانية بل مؤذية ولا تؤدي إلى خيار الديمقراطية في العيش والحكم، بل تقود لا محال إلى الدكتاتورية وفي نهاية الأمر إلى السيادية والأوتوقراطية المطلقة التي عفا عليها الزمان في أنحاء كثيرة من المعمورة باستثناء بعض الدول في مشرقنا الذي لا يزال يغرق حتى رأسه في براثن التخلف العلمي والمجتمعي والسياسي و الاقتصادي و...إلخ.

ولمّا كان الإنسان الشرقي سواءاً أكان عربياً أم كردياً أم أعجمياً أم تركياً أم ...،  يحمل في مكنونه  الداخلي إرثاً متراكماً لثقافة شمولية يمتد عمرها إلى قرون من الزمن , فإنّه بطبيعته يُعتبر حاملاً بالوراثة لعراقيل كثيرة تقف عائقاً أمام  دمقرطة المجتمعات  التي ينتمي إليها , فمسلكية السيد والعبد وعقلية القومية المتميزة السائدة و ومنهجية تبني العقيدة الوحيدة الصائبة و الإنتماء الأعمى للحزب القائد والولاء الأبدي للزعيم المطلق الأوحد ...، ما زالت هي المسيطرة على عقول معظم أبناء الشعوب الشرقية الى حدٍّ نستطيع فيه القول بأنّ الجميع ـ أقلياتنا و أكثرياتنا ـ مصابون بهذه الآفات الصميمية الناخرة حتى العظم بشكل سلبي مخيف في أعماقنا المقموعة بسياط و سيوف سياسة حتمية إطاعة العبد المطيع للسيد المطاع ...!؟، حتى غدا من الصعوبة  بمكان الوقوف على أخطائنا الذاتية بواقعية وإنصاف، دون اللجوء إلى تسفيه أو تكفير الآخرين أو النظر إليهم برؤى دونية ليس إلاّ .                                     

في حين نجد بالمقابل أنّ المجتمعات الديمقراطية غدت بمثابة نقاط ضوء متألِّقةً و تزداد ألقاً من حيث الرقي والتقدم والحضارية ، بفضل إبعادهم لهكذا أمراض مجتمعية سارية بل فتاكة عن عقولهم ونفوسهم و أنماط حياتهم ، وبفعل اجتثاثهم لجذور مختلف فيروسات وخيوط التخلف والفساد والإفساد من نسيج علاقاتهم  المدنية التي يسودها الوئام والمحبة و السلم الأهلي المبني على أساس تقاسم الحصص و الحقوق و الواجبات بين الأهل أو الشركاء ـ سواءً في مجال الاقتصاد أو السياسة أو المجتمع ـ  وفق  ضوابط طوعية ومبدأ المساواة الحقيقية بعيداً عن أية اعتبارات أو خلفيات شاطبة قد تنتقص أو تهين أو تدين حقوقياً أي طرف من أطراف معادلتهم الحياتية لتسود الألفة وسطهم دون أيّة عُقَد أو كراهية أو فتن أو ....الخ , 

وهنا بالضبط يكمن سرّ نجاحهم الملحوظ وتفوّقهم اللامحدود علينا في ظل سريان مناخات الرضى عن النفس وعن الآخر والشعور الإيجابي بنيل الحقوق لدى كل جانب بالأساليب الديموقراطية البعيدة كل البعد عن أشكال التنافس الدموي العنيف ...، وهنا يتبادر إلى الذهن أيضاً سؤال مهمً ألا و هو : لماذا لا نحذو حذوهم، و نسير وفق خطاهم نحن أيضاّ لننعم بالحياة التي ينعمون بها على قمة ذلك الهرم المجتمعي الحضاري الذي رسموا له بأدمغتهم فيما مضى من العصور ثم بنوه أحسن بنيان بسواعدهم وعرقهم ودمائهم التي ضحوا بها خدمة لأنفسهم ولأجيالهم القادمة فيما بعد ...؟! ، و هل من مسلك آمنٍ آخر  سوى اللحاق بهم و السير على هدى خطاهم لنتمكن من العيش وفق منوالهم المتقدم ...؟! ، و ما الضرر من اعتمادنا لمبدأ التعامل الديموقراطي فيما بين الإنسان وأخيه الإنسان ...؟!، أليست هذه قمة في الديموقراطية والرسم للعيش الحر الكريم ...؟!.                                                     

  الكلّ في بلداننا ـ أفراد أو جماعات ـ ينادون في خطاباتهم ومناهجهم وشعاراتهم وخاصة المعلَنة منها بالديمقراطية وحقوق الإنسان ...، ليس هذا فحسب بل يظهرون بأنهم يسعون إليها بحرارة وتوق وفي أحيان كثيرة بالمزاودة على الغير ، لكن المشكلة الكبرى تكمن في أنّ كلّ واحدٍ منها ينشدها بطريقته الخاصة به جداً ...!؟ ، أما الخلافات فتبرز وتبدأ فيما بين فرقائنا المختَلفين أصلاً ، لمجرّد التفكير  بالجلوس حول طاولة مستديرة  واحدة للتشاور الجماعي في ثنايا المواضيع المخَتلَف عليها  ، أو لمجرّد بروز أية مبادرة خيّرة تهدف إلى إصلاح ذات البين المخيف لدى البعض كونه قد يؤدي إلى الانتقاص من مكانته أو هيبته أو حصته ...، في حين لا تبدأ العراقيل الجدية لتدلوَ بدلوِ فعلها السلبي المعيق إلاّ عندما تبدأ المحاولات الصادقة لترجمة ما نصبو إليه من الطور النظري إلى ساحة التطبيق العملي , والمصيبة الأكبر تكمن في أننا كسياسيين أو مثقفين أو كمواطنين عاديين ، نبقى بانطباعاتنا وطبائعنا المتوارثة أناساُ جداَ إشكاليين بل معَقَدين ومشاكسين للغاية...!؟ , إذ عندما نختلف فيما بيننا في وجهات النظر والرؤى والاقتراحات ـ و هذا أمر أقل من العادي لدى الآخرين المتقدمين علينا علماً و حضارةً ـ حينئذ نلجأ بالغريزة و بشكل فوري إلى أساليب التوتير والعنف والضرب والتقسيم والطرح بدلاً من الهدوء والروّية واعتماد لغة التفاهم والمهادَنة واحتضان الأخر ...!؟ , والمشهد المأساوي هذا تكرّر كثيراً ،ويبدو أنه قد أو سيتكرّرفي المستقل , في حين  ينبغي أن لا تلجأ كل الأطراف مهما بلغت درجة الخلاف إلى اختيار خيار القطيعة و المصادمات المؤسفة ، إلاّ عندما تكون هنالك نوايا عدوانية لدى البعض منها ، و حتى و لو كان الأمر كذلك جدلاً ، فإنّ الحدّ من هذه الخلافات أو التقليل من شأنها ينبغي أن يكون هو الهدف المطلوب والمراد تحقيقه على الدوام ، وهذا الشيء لا يمكن أن يتم إلاّ عبر الالتقاء والحوار والتواصل بشكل سلمي  للتوصل إلى توافقات وقواسم مشتركة تخدم الكلّ ، على أرضية خدمة الصالح العام الذي يجب أن لا يعلو عليه أي مصلحة أخرى .

   وإذا ما أخذنا الحالة السياسية في سوريا ،كأنموذج ينبغي تصحيحه خدمة لحاضر ومستقبل هذا البلد الذي هو بلدنا جميعاً ...!؟, فإنّنا نجدها لا تختلف عن هذا السياق الذي أسلفنا شرحه ، وذلك نظراً لكونها تكتنف ليس في باطنها فحسب بل في ظاهرها أيضاً الكثير من الحيثيات والتداعيات والاستحقاقات المختلفة والمتوافقة في آن واحد , إذ أنّ الفعل السياسي الديمقراطي السوري بات معطلاً بل مغيّباً منذ عقود من الزمن , أي منذ أن اعتلى حزب البعث حكم البلاد ونصّب نفسه بمفرده قائداً أبدياً للدولة والمجتمع ...!؟، ومنذ أن استأثر بكافة السلطات  وفق المادة الثامنة من الدستور الدائم , و منذ أن فرض الأحكام العرفية وقانون الطوارىء ومختلف الأحكام الإسثتائية الشوفينية التي تم تطبيقها بحق شعبنا الكردي المضطَهَد ، و منذ أن بدأ بزرع ثقافة الخوف التي تشرّبتها الأجيال المتعاقبة التي عانت ولا زالت تعاني من هيمنة دكتاتورية المؤسسة الحزبية الواحدة التي باتت من أقدس مقدسات سوريا اليوم .

    ثقافة الخوف بل الرعب هذه , أدّ ت فيما أدت إلى خلق أجواء داخلية لا ديمقراطية تحت سقف قبضة أمنية محكَمة الإغلاق ،أفرزت من جملة ما أفرزت إشكاليات كبيرة و كثيرة وقفت و باتت تقف عائقاً مفضوحاً  أمام حق ممارسة العمل السياسي الديمقراطي , حيث أنّ أكثرية السوريين بما فيهم العديدين من العناصر المنتمية شكلاً إلى صفوف حزب البعث الحاكم , باتوا يصطدمون بشكل لا يتصوره العقل البشري بجدار هيمنة المنهجية الشمولية لدى تعامل السلطة القسري معهم لا لشيء سوى لكونهم يرفضون العيش تحت سقف الخيمة السلطوية الجاثمة فوق الهرم المجتمعي السوري , وإن لم يكن الأمر كذلك فلماذا إذاً باتت سوريا حبلى بمختلف آفات النمطية الاستهلاكية في العيش و التعايش والتوجهات إلى حدّ التخالف لا بل التآكل...؟! , و إن لم تكن ثقافة (( العبد والسيد )) أو (( المرؤوس والرئيس )) أو ((العنصر والمعلّم )) سارية المفعول ، فلماذا إذاً لا تستطيع كل الفعاليات والأطراف الوطنية الديموقراطية أن تلتقي وتخطط لإنجاح الخطط التنموية التي تعرّضت بمعظمها للفشل الذريع جرّاء عَبَث البعث بها وإفسادها عن بكرة أبيها وذلك كما جرى ويجري من تخريب متعَمَد للقطاع العام الذي كان يشكل في العهد السابق العماد الرئيسي لإقتصاد الدولة على أثر التطبيق المشوّه لقانوني الإصلاح الزراعي وتأميم الغالبية العظمى من شركات القطاع الخاص ...؟! , في حين أنّ المطلوب منّا جميعاً كأطراف سوريين أن نقف بجدية حيال ما يجري في بلدنا من انتهاكات لأبسط حقوق المواطن ـ الإنسان ، كحرية التعبير عن الرأي وحق تشكيل الأحزابالسياسية ومشاركتها في إدارة شؤون البلاد و حرية الطبع و النشر و الإعلام و ...الخ , و أن نشخص الحالة الراهنة وفق منظور ديمقراطي جماعي يقودنا إلى إطلاق المبادرة المطلوبة في هذا الوقت الحساس والدقيق للغاية ،و ذلك بهدف إظهار صوت الحقيقة بشكل سلمي آمن عبر الإقرار الجماعي بالتعددية السياسية المبنية على المنافسة الديمقراطية النزيهة التي قد تؤدي بالبلد إلى الإعتراف المبدئي  بمبدأ وروحية التشارك أو التداول السلمي للسلطة دون أية خلفيات أو حساسيات أو محسوبيات أو أي تمييز بين هذا أو ذاك ، وبلا أية اعتبارات سوى الأخذ بمقياس مدى المقدرة على خدمة الوطن والمواطن ومدى احترام الجهة الفائزة في الانتخابات لمبادئ المواطنة الحقة و استعدادها لصون كرامة وحقوق الإنسان السوري بغض النظر عن انتماءاته القومية أو الدينية أو الطائفية أو من هذا القبيل أو ذاك.

   والمشكلة هي أنّنا ـ كقوى وطنية ديموقراطية خارج السلطة ـ نكون مغرّرين بشكل دائم إلى حدّ بتنا نعيش فيه في الأوهام , إذ تنطلي علينا دوماً مسألة أو حجة  ضيق الوقت و حرج المرحلة و هول المخاطر المحدقة و أن العدو الخارجي جاثم و التحديات كبيرة و المؤامرات مستمرة و ....الخ ، وبالتالي ننقاد للدخول في دوامة مدوّخة لا تترك لنا أي مجال للتبصّر في الأمور بشكل منفرج وكما هي قائمة عليه ، لا كما يروّج لها البعض من المنتفعين الذين ليس من مصلحتهم توجه البلد صوب الإصلاح السياسي الديمقراطي الذي من شانه أن يحدّ أو ينتقص من قدرتهم على شفط الأخضر و اليابس و سلب كل ما ملكت أيمانهم في  سوريا التي تحولت إلى بقرة خارت قواها من كثرة الحلب اللامشروع ، حيث  باتت مع مرور الأيام تستنفذ كافة طاقاتها  البشرية و المادية و السياسية في ظلّ فشل السلطة في إنجاح أي برنامج  تنموي على أي صعيد كان ، مما أدى ذلك إلى إستشراء ظواهر كثيرة كالفقر والبطالة والفساد  والرشوة وغلاء المعيشة والهجرة ...الخ.                                                                                

ولمّا كان من واجب أية جهة ديموقراطية كانت ، الإقدام على الخطوة الصحيحة المطلوبة أولاً ، ومن ثم الوقوف على تقييم الهفوات و الأخطاء و النواقص التي حصلت خلال الأداء , فإنّ المطلوب من كل أطراف معادلة الحراك الديمقراطي السوري التي لديها النية في تطوير الحالة السياسية السورية الراهنة , أن تحسّن أداءها السياسي والمجتمعي معاً ، وأن تعمل جاهدةً من أجل تفعيل ذلك الحراك بشكل ديمقراطي عن طريق تكثيف الجهود المخلصة من أجل عقد محفل وطني سوري تحضره كافة الفعاليات و الأطياف دون أي تغييب لأحد وبمشاركة السلطة طبعاً فيما إذا أرادت هي ذلك , للتوصل معاً إلى الإجابة على سؤال أين نحن من مظاهر التقدم العالمي ...؟!، وفي أي منحى تسير سوريا و أين تتوجه اليوم وغداً...؟!.      

    وللعلم فإنّ الوصول إلى مثل هكذا محفل سوري مسؤول ومهم في الداخل وليس في الخارج ، لا يتم إلاّ عبر إنجاز توافقات وقواسم مشتركة ليس بأسلوب فرض الهيبة أو بالمراضاة و بوس اللحى , و إنما بالاتفاق على البرامج و المطالب و الواجبات , بحيث يشعر المشاركون جميعاً على أنهم قاموا بأداء دورهم و حصلوا على حقوقهم كشركاء حقيقيين في هذا البلد الذي سيبقى حينها واحداً و موحداً و قوياً بديموقراطيته وليس بجبروته وأحكامه العرفية , مما يجدر بالجميع السعي الجاد لامتلاك ثقافة ديمقراطية تجعلنا حملة مشاعل الإنارة و الخير و التفاهم لا حملة فيروسات التعتيم والفتنة والنزاع والاختلاف , فإثارة النعرات و التقاذف بالاتهامات و إشعال نيران الفتن لن يؤدي بركاب سفينتنا سوى إلى الغرق الذي هو حدّ الهاوية الذي يتربص بنا ليل نهار , فلنستفد من دروس الشعوب المتمدنة أولاً  و لنتعظ  بقول القرآن الكريم : ( الفتنة أشدّ كفراً من القتل ) ، ولنتزود بثقافة لا فرق بين كوردي و عربي و سرياني و أرمني إلاّ بالتقوى أي بالعمل الصالح من أجل خدمة هذا البلد الذي هو بلدنا جميعاً لا بلد العرب وحدهم أو الكورد وحدهم أو ...الخ.          

   وأخيراً فإنّ أية لوحة فنية مهما كانت رائعة ...،سوف لن تكون جميلة فيما لم تكن ألوانها منسجمة و زاهية كالفسيفساء التي تحتوي على كل ألوان الطيف , فلنجعل من سوريا طيفاً ديمقراطياً تتمتع في ظله كل القوميات بالتألق كما تتألق ألوان القوس قزح الذي هو ظاهرة طبيعية ربانية في منتهى الحكمة و الجمال و التوافق فيما بين إشعاعات ألوانه المتعددة .

 

عودة