لنجعل من زيارة الرئيس مسعود إلى آمد فرصة للتسامح والإتحاد

إبراهيم شتلو
19-11-2013

قيل ، ويقال زيارة الرئيس مسعود مصطفى البارزاني إلى آمد في هذا الوقت بالذات لماذا ؟
زيارة الرئيس مسعود البارزاني الرسمية إلى آمد تلبية لدعوة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان لماذا ؟
ومهما قالوا ، ويقولون ، وسيقولون ، فإن خلاصة الكلام هو أن : زيارة الرئيس مسعود مصطفى البارزاني الرسمية إلى آمد الآن وفي أي وقت كان ويكون .. وسيكون إنتصار تاريخي لامثيل له في التاريخ المعاصر للكرد وكردستان.
ومهما قيل ، وقال ، وحاولنا التأويل ، والتعليل ، والربط ، والفصل ، والتحليل ، والتفسير ، فإن كل المبررات والمعلللات التي تشكك حول توقيت هذه الزيارة دخان ضار يضر بالبصر ، ويضلل الوعي الحقيقي لمجريات التاريخ.
طبعا ، يمكن لأي حدث أن يأتي بنتائج سلبية ومهما كانت الغاية منه نبيلة إذا أسئ إستخدامه أو ضلل الإعلام مآربه ، وكرر التهجم عليه وتعمد إخراجه على صورة مشوهة غير الصورة التي أراد لها أهلها أن تكون.
إن رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أردوغان سياسي كفؤ يفحص ويدقق في موضع قدمه قبل أن يخطو خطوته ، ولنا في ذكائه الفائدة المتبادلة التي جاءت طبعا وأولا بفضل تضحيات أجيال وأجيال من أبناء شعبنا المضطهد ، ولكن ألم نضحي بدمائنا وأعراضنا وخراب مدننا وقرانا أيضا في الأعوام 1924 و 1929 و1938 ؟
ألم يقضي المئات بل الآلآف من شبابنا في زنزانات الموت البطئ في تركيا زهرة عمرهم في الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات ؟ فقد كان الإضطهاد يشتد ، وجراح المعاناة تزداد عمقا لأن الحكومات التي كانت تتوالى على سدة الحكم في أنقرة تتبنى سياسة طورانية كمالية ذات آيديولوجية قومية عنصرية تستند على ألف باء الكمالية وريثة نظرية الذئب الأغبر الطوراني ، وكان شعارها تركيا للأتراك ومن لايعجبه ذلك عليه أن يغادرها أو يكون خادما لنا.
أولم يقيموا في ديرسم الجريحة ضريحا كتبوا عليه : " هنا قبر كردستان الخيالية " .
أولم تقم الحكومات التركية وريثة أتاتورك بترويج عبارة : " من قال لك أنا كردي إبصق في وجهه " حتى أصبحت دارجة في الشارع التركي كمثل دفع بأجيال وأجيال كردية بالنأي عن أصولهم القومية ؟
أما اليوم ، فقد إستبدلت آيديولوجية العنصرية الطوارانية الضيقة باستراتيجية الإسلام المعتدل التي تعتمد على أسلوب التغيير عبر التطور الديمقراطي التدريجي بدون سفك الدماء ، ومع التخفيف من سلطة الأمن والعسكر ، والإنفتاح على القوميات غير التركية بناء على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف ورسالته المتسامحة.
"وهنا ، يرجى عدم الفهم الخاطئ والشك بأنني أتبنى فكرأردوغان، فالدين الإسلامي غير محصور في شخص أو سياسة أردوغان "
إذا كان رئيس الوزراء التركي أردوغان يريد بل أراد أن تكون زيارة الرئيس مسعود لدياربكر متزامنة مع قرب الإنتخابات البلدية في تركيا ويهدف إلى كسب عطف المواطنين الأكراد في كردستان الشمالية أي أن يجعل من زيارة الرئيس البارزاني ورقة رابحة لصالح حزبه ونظام حكمه في تلك الإنتخابات ، فماهو الضير للشعب الكردي في ذلك ؟
للشعب الكردي وقادته السياسيين أن يستفيدوا أيضا من زيارة الرئيس مسعود البارزاني هذه لآمد. وكان لقادة أحزاب وتنظيمات وسياسيي كردستان الشمالية تحويل الأمر إلى فرصة لكسب عواطف الفئات الأخرى المعارضة لهم من الشعب الكردي بمشاركتهم في إستقبال الرئيس مسعود بدلا من عزل أفنفسهم وجماهيرهم و نشر الغسيل الوسخ أمام الغريب ؟
وإذا عزي بأن البادئ هو أظلم ، لأن الرئيس مسعود كان قد أدلى بتصريحات نالت من سمعة تنظيم رديف في سوريا، فإن الرئيس مسعود لن يكون بمنأى عن الإنتقاد أيضا ، وقد يكون لذلك ما يبررره أولا ، والأحرى بنا أن لانخرج بأحاديثنا الخاصة في مجالسنا المغلقة ونعلنها في وسائل الإعلام وهذا أمر يجب الإتفاق عليه في اللقاءات المقبلة. إن نشر الغسيل القذر من قبل البعض منا عن قصد أو غير قصد أمر يضر بالصالح العام ، ويجب التوقف عن ممارسة مثل هذه الأعمال.
السياسة متبادلة المصالح لها عمر أطول وقد تفضي إلى فتح أبواب التفاهم على المدى البعيد ولما فيها من خطوات تدريجية تحقق الفائدة لمصلحة كلا الفريقين أو الفرقاء الذين يساهمون معا بحرص على إطالة أمد العلاقات الإيجابية البناءة بينهما " بينهم " .
تركيا تستفيد إقتصاديا وسياسيا وأمنيا وإستراتيجيا من علاقاتها المميزة مع كردستان العراق. كردستان العراق بدورها التي خرجت من أربعة عقود متواصلة من الحروب والدمار والتهجير والتشريد والإبادة كانت بحاجة ماسة إلى عملية إسعاف سريع وبالوسائل المتاحة وكانت تركيا بحدودها الدولية المتعارف عليها أقرب جيرانها الذين فهموا حاجة جارتهم الجنوبية بفهم وذكاء وبدلا من مقاطعة القيادة الكردية وحصارها إقتصاديا ، والإنقضاض عليها عسكريا لما قد تشكل لها من خطر مستقبلي ككيان كردي ، شجعت شركاتها ورؤوس أموالها وخبرائها ورجال أعمالها للتوجه إلى هذه المنطقة البكر المتعشطة إلى كل شيئ ، نعم كل شيئ ، وأصبحت كردستان العراق مرتعا للشركات والبضائع القادمة من الجارة الشمالية.
قد يقول القائل ، كان هناك بديل وأهون الشرين كان لكردستان العراق أن تنسق مثلا مع سوريا وعبر حدودها معها. ولكن وللأمانة التاريخية فإن الحكومة السورية في ذلك الوقت لم تكن مهيأة لأي دور إقليمي إيجابي تجاه الشعب الكردي ، حتى مسألة تنظيم رحلات بواسطة القوارب لنقل البضائع بصورة منتظمة وحديثة ومجدية لكردستان العراق عبر نهر دجلة لم تحظى في حينها بموافقة الحكومة السورية وذلك بناء على قرارات أمنية بحتة تعادي فكرة التعاون مع كردستان العراق .
أما النفط الذي هو عصب الحياة للجميع ، وخطوط أنابيبه إلى تركيا ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط فقد كان على رأس إهتمامات الحكومة التركية وهذا أمر طبيعي كما هو حال حكومة هه ولير وأهمية التنقيب وثم النقل إلى الأسواق العالمية. فمن أين لكردستان العراق أن تنقل بترولها إذا لم يكن عبر تركيا ؟
إن لتركيا أردوغان دور هام واستراتيجي ومن جميع النواحي في عملية حل القضية الكردية ليس في كردستان الشمالية فحسب بل وفي سوريا والعراق وإيران أيضا. ويجب على كل الساسة الكرد أن يضعوا هذا الأمر في حساباتهم . وللجمهورية التركية أهمية استراتيجية سياسية ، عسكرية ، إقتصادية لأوربا والولايات المتحدة الأمريكية أي لحلف شمال الأطلسي وإسرائيل بالطبع ، وهي الصبي الثاني المدلل لتلك الدول.
لقد قام السيد أردوغان ومنذ تسلم حزبه لمقاليد الحكم في أنقرة عبر صناديق الإقتراع بخطوات إيجابية إزاء الشعب الكردي في كردستان تركيا وبالتالي فإن خطواته المتواصلة - ولو ببطء - تصب في مصلحة تطور إيجابي سلمي بناء لنيل الشعب الكردي لحقوقه القومية وبالطرق السلمية ضمن إطار تركيا ديمقراطية غير عنصرية تبتعد رويدا رويدا عن الشوفينية الطورانية الكمالية.
إن مايهمني في كتابي هذا ، أن رئيس الوزراء التركي ولابد أنه سوف يستفيد - ومن الغباء أن لايستفيد - من زيارة الرئيس مسعود البارزاني إلى دياربكر ، وبالتالي يهمني أن أناشد جميع القوى الكردية وخاصة حزب العمال الكردستاني وسائر منظماته الفرعية والتابعة في كافة أنحاء كردستان وحزب الإتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب في غرب كردستان ، أن لا يأخذوا الأمور عبر رؤية شخصية ضيقة ، لأن هذه الرؤية قاتلة للمصلحة العامة. فقد فشلت جميع ثوراتنا القومية وعبر تاريخنا النضالي الدامي الطويل لأننا كنا أطرافا ، وكل طرف منا كان يرى في القضية ذاته وشخصه أو عشيرته وزعامته ، وفي يومنا هذا حزبه.
أهلي ، أخواتي وإخواني أفرادا وأحزابا ومجموعات وتنسيقيات وإتحادات وجمعيات وأينما كنتم في فنادق هه ولير ، في معسكرات اللاجئين ، في أزقة الشيخ مقصود وقرى الجوع والبرد والغبار والمعاناة في الجزيرة وجبل الأكراد وعفرين وجنديرس وتل حاصل وتل عران وكوباني ، وخنادق المواجهة ضد هجمات الإرهابيين وأعداء الوجود الكردي أخاطبكم وأناجيكم جميعا ، إن إقليم كردستان العراق هو بذرة خصبة دفعنا ثمن الحصول عليها مئات السنين من النضال والكفاح والتضحيات والمعاناة والواجب الوطني الصادق الحقيقي الصائب يحتم علينا أن نحافظ عليها ونوفر لها البيئة الصحية لكي تنمو تثمر ، والسيد مسعود البارزاني هو الإبن البار لقائدنا الأسطورة الخالد مصطفى البارزاني يحمل على كاهله عبئا ثقيلا كبيرا مضنيا نيابة عنا جميعا والواجب القومي يفرض علينا أن نحميه ونقف معه ونسانده ونكون خير مرشد وناصح وظهير ومؤيد، فالتاريخ أعطانا الفرصة السانحة مرة أخرى فلنكن على مستوى الأحداث ولنتكاتف ونتعاضد ونتسامح ولنتسابق للتقارب وكفانا من الحدود والأسلاك الشائكة والألغام المزروعة بين بقاع وطننا ، ولتلتحم قلوبنا وأرواحنا معا ومع الرئيس مسعود البارزاني الذي فتح آمد وحررها بفضل ذكائه وإخلاصه ، ولتنعم روح الشهيد شيخ سعيد بيران والدكتور فؤاد وموسى عنتر بزيارة الرئيس البار مسعود البارزاني ، ولنا النصر بإذن الله إذا تقاربنا واتحدنا ، وإلا فالتاريخ سيعيد نفسه بصفحته الحالكة السواد ، وهذا مالا أرجوه ، وأرجو من سيادة الرئيس مسعود مصطفى البارزاني الذي يعتبر ضمان لوحدتنا ، وصمام الأمان لقضيتنا أن يفتح صدره وقلبه لكل أبناء شعبنا الكردستاني وليعمل بمآثر والده وليدعوا الجميع مجددا وبدون إستثناء للقاء أخوي منفتح الصدر ، متسامح القلب ، فوالله ما من قائد وجهت له التهم الباطلة ، والأكاذيب المصطنعة ، والدعايات المغرضة ، والتشهير المسئ من الأعداء الغرباء والأهل الأقرباء كما تعرض له القائد الخالد مصطفى البارزاني ، ولكن الأحداث المسيئة له لم تغير من صموده ورحابة صدره وتسامحه وإيمانه الفولاذي بعدالة قضية شعبه قيد شعرة.
أملي أن أراك ياسيدي الرئيس توجه الدعوة القلبية الحارة إلى كل من قال وادعى وتحدث بسوء عنك عن قصد وبدون قصد و خذ الجميع إلى صدرك وضمهم إلى أحضانك كما كان يفعل والدنا جميعا القائد الخالد مصطفى البارزاني ، ولنخرج من هذه المحنة وليبتسم أطفالنا ، وتمسح أمهاتنا وبناتنا دموع الخوف من المستقبل فإنك أكبر من أن تنفعل ، وأعظم من أن ترد خطأ المخطئ بمثله ولنجعل من هذه المناسبة حكمة و شجاعة وفرصة للتسامح والإتحاد فإن في ذلك التعاضد نصر لنا جميعا يا سيدي الرئيس. اللهم فقد بلغت.
علوم سياسية - دراسات كردية وإسلامية
سلسلة التوعية
بون 17 نوفمبر 2013