NEWROZ

نوروز


20/5/2005

المخرج الكوردي هونر سليم يحقق سابقة تاريخية:

أول فيلم كوردي يشارك في مهرجان كان السينمائي العالمي باسم كوردستان

دمشق ـ ابراهيم شمدين

Puk.media - 19/5/2005

في حوار أجرته معه إحدى الصحف العربية قبل أشهر يقول المخرج الكوردي المبدع هونر سليم: "ذاكرتي الكردية بيضاء باستثناء لباس والدتي الأسود"، في هذه الجملة المختزلة نتبين تاريخا طويلا من الظلم، والقمع، والاضطهاد، تاريخا قاسيا غابت فيه الثقافة والفن الكوردي...همش، وحوصر وأريد لها أن تموت، وهي الجملة نفسها التي رددها الشاعر الكوردي الكبير شيركو بيكه س حين قال ما مفاده: في تلك المساحات البيضاء بالثلوج التي كانت تغطي كل شيء، كانت لباس أمي سوداء فحسب، وكان الحزن اسود. غير أن المبدعين الذين يجري في شرايينهم دماء المغامرين يرفضون الاستكانة، والاطمئنان إلى المصير المأساوي. القدر الأحمق، أمام الإصرار، يستسلم لطموح من تتقد بين جوارحه رغبة عارمة في توجيه مسار الحدث بحيث يستطيع قطف ثمار المجد. لم يكن التاريخ بخيلا مع هؤلاء العباقرة، والحالمين فسجل، لمن قهر الظروف، وتحدى الصعاب، واقتحم المجهول، إنجازا يشير إلى شخص اختلس من الزمن الطويل والقاسي، ساعة، ليضمن لنفسه الخلود.

إن هذا التمهيد ليس محض إنشاء أدبي بل هو حقيقة دامغة بالنظر إلى الظروف القاهرة، والحكاية التراجيدية التي عاشها هونر سليم حتى وصل إلى قمة الشهرة عبر مشاركة فيلمه "الكيلو متر صفر" في المسابقة الرسمية في أهم مهرجان سينمائي في العالم هو مهرجان كان، يقول سليم ((أعتقد أن علاقتي بالسينما وُلِدت في الطفولة من دون ان أكون واعياً لذلك. عندما هربنا، عائلتي وأنا، من الجيش العراقي من مدينتنا عقرة، استقرينا في الجبال وعشنا لبعض الوقت في الكهوف. كان والدي مفتوناً بالشعر، فكان يقرأ لنا كل ليلة من الشعر الكردي الكلاسيكي. لم أكن آبه كثيراً بذلك حينها إلى ان فتح أمامي ذات يوم كتاب شعر يتضمن لوحات فنية وكانت تلك المرة الأولى التي أرى الرسم فيها. وشرح لي والدي ان الشعر ألهم تلك الرسوم التي مازلت أذكر أنها لنساء جميلات بلباسهن الملون. بدأت أسمع الشعر بينما انظر إلى الصور وأحفظ. وثم بعد عودتنا إلى المدينة، تعرّفت إلى التلفزيون للمرة الأولى أيضا الذي كان خالي قد اشتراه في أوائل السبعينات على ما أذكر. كانت كل الصور المبثوثة تمجيداً لصدام حسين وأحمد حسن البكر وأغاني القومية العربية. عندما انتهت صدمة الصورة الأولى، صرت أسأل نفسي: لماذا هذا الجهاز يتكلم العربية فقط بينما أنا في كردستان؟؟!!)).

هذا السؤال البسيط، والبريء، والمرير في الآن ذاته فتح جرحا عميقا، ورسم في مخيلة الطفل وشما أبديا. سؤال صغير انطبع في وجدان الطفل وأثار في الذاكرة الطرية والغضة مأساة كبيرة، فراح، وهو الطفل، يبحث عن جواب قلق في المنافي الأوربية البعيدة. غادر العراق مطلع الثمانينات وذهب إلى إيطاليا، ومنها إلى فرنسا حيث يقيم الآن، ولعله يبحث عن الجواب إلى الآن، ولعله يعمل و يبدع بحثا عن إجابة مقنعة لسؤاله ذاك:لماذا يسمع العربية من التلفزيون بينما هو في كوردستان؟؟!! ترك البلاد قبل الحرب العراقية ـ الإيرانية، وهو يحلم بلغة كوردية عبر الشاشات، بمعلم يعطي الدروس بالكوردية, بوطن كوردي عصي على الولادة...خرج حاملا هذه الهواجس، ومعها الهموم وخيبات طفولة معذبة وهاربة من صوت المدافع، وأزيز الرصاص، ورائحة النعوش وملاحقات الأمن المستمرة في مدينته الصغيرة عقرة التي ولد فيها العام 1964 م.

رحلة حافلة بالأمل، والخيبة، والإبداع حقق خلالها هونر سليم عدة أفلام نالت استحسان النقاد، ورضا الجمهور فقد اخرج منذ مطلع التسعينات والى الآن أربعة أفلام وهي، إضافة إلى "الكيلومتر صفر"، "فودكا ليمون"، و"ما وراء الأحلام"، و"شيرو"، وقد حصل على عدة جوائز عالمية على أفلامه، كما صدرت له عدة مؤلفات عدة، من أهمها "بندقية أبي" ويروي في هذا المؤلف حكاياته مع بندقية أبيه والجبال وقصص حب انتهت في تلك الظروف القاسية بالفشل، ويشرح الكاتب رحلته الطويلة الحائرة في التعرف إلى السلاح، والأبجدية، والأسماء، والصور...فهو الذي ولد كرديا لأب كردي، على أرض كردية يعاني وجع سؤال مرير: لماذا ينكر عليه هذا الأصل؟ لماذا يمنعونه من الافتخار بهذا الأصل والتباهي به كما تفعل القوميات الأخرى؟، لماذا يفرض عليه لغة أخرى، وثقافة مختلفة، وتراثا مغايرا ألا يملك ـ وهو الكوردي سليل أحمدي خاني، ونالي، وكاوا، وهيمن، وقاضي محمد ـ هذه العناصر الحية النابضة، ألا يحق له أن يتباهى بكورديته ؟؟!! تلك هي الأسئلة التي تراود ذهن الطفل في الظلام القاتم الحزين في الغرف الطينية الفقيرة، المظلمة، الواطئة وسط طبيعة كوردستان وجبالها الخلابة التي لا تمنح لساكنيها سوى الألم والانتظار؟ فأي إله ذاك الذي يسكن السماء، ولا يغفو إلا بعد مجزرة؟ يتساءل الكوردي المقهور.

في تقديمه فيلمه "فودكا ليمون" ليلة ختام أيام بيروت السينمائية قبل أشهر، قال سليم جملة واحدة: "في كل مرة أبدأ بكتابة سيناريو، أقول لنفسي سأصوره في كردستان، وفي كل مرة اكتشف من جديد استحالة ذلك". لماذا تكرر ذلك وأنت تدرك في العمق انه غير ممكن؟ تسأله الصحفية، فيرد: "أحتاج إلى خداع نفسي"، ويوضح: "أحياناً تكون هذه الفكرة الوهمية هي التي تحركني لأكتب. هناك دائماً طاقة إيجابية، تدفعني تثيرني فأبدأ من الملموس، كردستان ربما، وأبحر بعد ذلك لا أعرف إلى أين".

غير أن هذا الحلم الذي راود مخيلة المخرج سليم يتحقق أخيرا في فيلمه "الكيلومتر صفر" الذي قامت بتمويله حكومة أقليم كوردستان وبعض الجهات الفرنسية، ولعبت دور البطولة فيه الممثلة الكوردية التركية بلسيم يلجين، والممثل الكوردي نظمي كيريك، وتدور أحداث الفيلم في منطقة كوردستان العراق خلال الحرب العراقية- الإيرانية بين عامي 1980 و1988 م، ويروي قصة شاب كوردي يجبر على دخول الجيش ويرسل إلى الجبهة في المرحلة التي سبقت نهاية تلك الحرب. وحين يكلف الشاب الكوردي آكو مرافقة جثمان شهيد والعودة به إلى أهله مع إذن بعبور ما يزيد عن سبعمئة كيلومتر، يكون عليه ان يصاحب سائقا عربيا لساعات طويلة على طرق العراق وبين جباله في منطقة كوردستان. ينجح الفيلم في تصوير مدى القهر والقلق والغضب في قلب كل عراقي على الجبهة أو في الداخل من خلال السائق وآكو الذي كان يرغب في الرحيل لكن زوجته المرتبطة بابيها المسن المريض رفضت مغادرة البلاد.

ونقلت وكالة فرانس برس للأنباء انه وفي العرض المخصص للصحافيين، أشاد الصحافيون بروح الفكاهة السوداء التي تميز الفيلم الذي يحكى قصة كردي عراقي يخدم في جيش النظام العراقي السابق للقتال ضد إيران عام 1988. إلا ان الفيلم يهدف إلى وضع هذه المسالة في إطار الجدل الدائر حول الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق وانعكاساتها.

وأشارت الوكالة ان الفيلم يسعى إلى طرح مقارنة بين الحرب العراقية الإيرانية والحرب على العراق حيث وضع القصة ضمن مشاهد معاصرة بحيث ظهرت الشخصيات الرئيسية في الفيلم تبدي ردود فعلها على النزاع من باريس أولا بالدهشة، ثم بالفرح لسقوط بغداد.

تم تصوير أحداث الفيلم في مناطق العمادية بشمال مدينة دهوك وناحية ديبكة في جنوب مدينة أربيل، ويشارك حاليا وفد رسمي من وزارة الثقافة الكوردية برئاسة السيد سامي شورش وزير الثقافة في فعاليات مهرجان كان السينمائي، وكان سليم قد أعلن بوضوح ـ ردا على بعض المقالات الصحفية التي تشير بان الفيلم عراقي، بان فيلمه يشارك في المسابقة الرسمية باسم كوردستان، ليس فقط بسبب مخرجه الكوردي وأبطاله الكورد، بل كذلك لان التمويل جاء أساسا من حكومة إقليم كوردستان.ومن المتوقع أن يفوز فيلم هونر سليم بإحدى الجوائز في المسابقة الرسمية.

يشار إلى ان السينمائي الكوردي التركي الراحل يلماز غوني كان قد شارك في دورة مهرجان كان عام 1982  في المسابقة الرسمية بفيلمه "يول" أو الطريق وفاز الفيلم حينها بالجائزة الأولى مناصفة مع فيلم "المفقود" لكوستا غافراس، ورغم مواقف غوني المعروفة من قضيته الكوردية إذ ناضل بكتابته وفنه ضد السياسات التركية القمعية، ودافع عن حقوق شعبه غير انه لم يجد بديلا حينها عن المشاركة في المهرجان باسم تركيا، أما فيلم هونر سليم فهو المشاركة الكوردية الرسمية الأولى باسم كوردستان، في مهرجان يتمتع بسمعة عالمية، وبمكانة مرموقة.

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]