NEWROZ

نوروز


25/8/2005

رجل ولغة

*جلادت بدرخان

لا تعتبر القراءة و الكتابة باللغة الأم واجباً شخصياً فقط ، بل تعتبر أيضاً واجباً قومياً

*الترجمة عن الكردية :شاهيدار قادوهي

إن وجد هناك شخص ذو عزم وإرادة قوية، واستطاع أن يجمع شتات لغة مقطعة الأوصال ، و أن يعيد الحياة إلى لغة ميتة - كما سنذكر الآن – فقد وجد ذلك الشخص ، وقد أعاد من جديد الحياة إلى جسد لغة ميتة ، ووضعها في مصب اللغات الحية ، أي إنه وضعها بين تلك اللغات التي ما زال البشر يتكلمون بها ، ويعبرون بها عن رغباتهم وغاياتهم.

و قد قلت ( اللغات الحية ، اللغات الميتة ). و من دون شك ومن الناحية الوراثية ، فإن اللغات مثلها مثل البشر في إحتضانها للحياة ، فهي تلد،وتعيش، وتموت.

ومن بين تلك اللغات الميتة ، هناك لغات تذهب أدراج الرياح، حيث تندثر بشكل نهائي من دون أن تخلف وراءها أي أثر يذكر: لا كتب، ولا سطور، ولا أي كلمات تذكر.

وهناك لغاتٌ أخرى تندرج ضمن اللغات الميتة , إلا أنها تخلّف وراءها أثراً عظيماً ,وكتباً قيّمة , وماتزال ولحد االآن تُقرأ وتُدرّس إلى يومنا هذا .ولكن وعلى الرغم من هذا وذاك فهي تعتبر من اللغات الميتة لأنها لغة غير متداولة شفهياً ولا تستعمل إطلاقاً من قِبل الناس .

ففي أوروبا اللغة اللاتينية ,وكذلك في الشرق اللغة العبرية , كلتاهما تعتبران من اللغات الميتة . وكما إن اللاتينية ماتزال لغة ميتة إلى يومنا هذا , ولكن العبرية لم تعد تصنّف في عداد اللغات الميتة ,فقد أصبحت الآن لغةً حية . وها قد خرج من بين اليهود ذلك الشخص ذو الإرادة القوية , والذي أحيا بدوره اللغة العبرية بعد أن كانت ميتة . واللغة العبرية هي لغةٌ قديمة وتعتبر من اللغات السامية , حيث تعتبر شقيقة اللغة العربية في هذا الإنتماء . وقد كُتب التورات- والذي يعد واحداً من بين أربعة كتب ذي قيمةٍ عظيمة – باللغة العبرية , ولكن هذه اللغة كانت تستعمل فقط في الصوامع ومن قبل العلماء المختصين .

وقد كان اليهود يتكلمون بلغة البلدان التي كانوا يسكنون فيها , وهذا لأنه لم تكن لديهم لغة مستقلة خاصة بهم , لذلك كانوا يتكلمون باللغات الأخرى . هذا وقد كان من نتيجة الصراع الدائر ما بين الروس والأتراك عام(1877) هزيمة الأتراك وتحرر شعوب البلقان من الإحتلال التركي , وقد تمّ تحرير شعوب البلقان وخاصّة على أيدي القوات الروسية بشكلٍ كامل , حيث كان الشعب الروسي بانتظار هذا الإنجاز , كما كانت الصحافة الروسية تعلّق كثيراً على دول البلقان الحديثة .

وفي بلاد الروس كان هناك شابٌ يهودي يدعى (أليزر بن يهودا) , وقد كان (بن يهودا) بانتظار نتيجة هذا الصراع شأنه في ذلك شأن الجميع , وكان يرى الشعوب المضطهدة كالصرب والبلغار وغيرهم من الشعوب , وهم يتخلصون من ظلم مضطهديهم , ويحققون إستقلالهم . وتحت تأثير هذه الأحداث تعزز الوعي القومي لدى (يهودا) فكان يتأسّف ويتألم للوضع الذي يعيش فيه شعبه . وقد إتّخذ الشاب اليهودي قراره , حيث قال في قرارة نفسه : (يجب أن يعود اليهود إلى وطن أجدادهم , إلى وطن بني إسرائيل , وكما يجب أن يكون لليهود لغة خاصة يتكلمون بها إسوةً بالشعوب الأخرى, وهذه اللغة ستكون لغة الأجداد , اللغة العبرية ) .

وبعد أن تعلّم (يهودا) لغته , توجّه في عام(1878) إلى باريس , حيث قصد تلك المدينة المضيافة ,وفي باريس أقام (أليزر بن يهودا) العلاقات مع يهود باريس , حيث كان (أليزر) يطور لغته , هذا من جهة ومن جهة أخرى كان يعمل على نشر أفكاره . ولكنه كان يلقى المعارضة حتى من قبل أبناء جلدته حيث كانوا يتهموه بالجنون . ولكن (يهودا) لم يكن ليبالي بهم , حيث كان يعمل بمفرده وبهمّة كبيرة وإرادة قوية لتحقيق طموحه العظيم , فقد كان مصرّاً على أن يجعل من شعبه ,والذي ليست لديه أي لغة خاصة , شعباً له لغته الموحدة الخاصة .

وقد تعلّم (يهودا) لغته –اللغة العبرية- بنفسه , وبعد أن تعلّمها أصبح من واجبه أن ينشر اللغة العبرية بين أبناء مجتمعه وشعبه, ولكن لزراعة ما أتى به من بذور, كان لابد له من أرضٍ خصبة تبعث الحياة وتساعد على نمو هذه البذور .

وفي عام (1881) تزوّج (اليزر)من ابنة معلمه وتوجها معاً إلى فلسطين , وبذلك أصبح لدى (أليزر) زوجة مثالية , حيث ستنجب له أولاداً في المستقبل القريب. وهما في السفينة كان (يهودا) يلقّن زوجته دروساً في اللغة العبرية , وحين وصولهما إلى فلسطين كانت زوجته قد تعلّمت بعض الكلمات من اللغة العبرية . وعندما حطت قدماهما في أراضي فلسطين ,قال (يهودا) لزوجته:(من الآن فصاعداً ,سوف نتكلّم فقط باللغة العبرية). ولكن زوجته لم تكن قد أتقنت اللغة العبرية بعد,فحاولت مراراً وتكراراً في سبيل إقناع زوجها بالتخلي عن فكرته, ولكن الزوج أصرّ على قراره .

ومما لا شك فيه بأن أولاد (يهودا) وحتى بلوغهم مرحلة الشباب لم يكونوا يتكلمون إلا بالعبرية ,لأنهم لم يتعلموا لغةً أخرى غيرها, ولذلك فقد كانوا يعرفون بين الناس بـ(الخُرس).ولكن وبهؤلاء الذين كانوا يلقبون بـ(الخُرس) أصبح للشعب اليهودي لغة خاصة وموحدة ,شأنهم في هذا شأن بقية الشعوب في العالم .

وكان (يهودا)يعيش مع أفراد أسرته في حالةٍ مزرية من الفقر والحرمان , ولكن لا يهم ,فالأفكار العظيمة تحتاج إلى تضحياتٍ جسيمة , ولأن الناس لا يعون ماهية الأفكار العظيمة بسرعة .وفي الحين الذي كان (يهودا)يأكل فيه الخبز البائس كوجبة طعام أساسية ,وهو يرى أفراد أسرته يتكلمون باللغة العبرية –صدّقوني-فقد كان يعتبر نفسه أسعد إنسانٍ بين البشر .

وأخيراً أصدر (يهودا) جريدةً تكتب باللغة العبرية بعد أن كان قد أمّن عدداً جيداً من القرّاء , وكما إنه وفي بعض المدارس اليهودية بدؤوا كذلك بتدريس اللغة العبرية .

هذا ومن جهة أخرى فقد عمل (يهودا) على تأليف قاموس لغوي لشعبه , فكان يقوم بخلق الكلمات الغير موجودة في لغة ميتة , ومن ثم إنتشرت اللغة العبرية بين اليهود . وعندما توفي (أليزر بن يهودا)في عام(1922) تحوّلت اللغة العبرية – هذه اللغة التي كانت ميتة قبل حوالي (30-40) سنة – إلى لغةٍ رسمية في فلسطين بجانب اللغتين العربية والإنكليزية ,وهي بالإضافة إلى ما سبق تعتبر لغة الدولة والحكومة معاً .

أيها الكرد , هذا هو رجلٌ ولغة , وما حققته إرادة رجلٍ واحد من إنجازٍ رائع , حيث يوجد في مسيرة هذا الرجل عبر ودروسٌ مفيدة . مما يوجب على الشعوب المضطهدة والتي لا تملك لغةً خاصة , أو التي ليست لديها لغة شفهية (محكية) أن تتعظ وتستفاد ما أمكن من هذه التجربة . وكما إننا –نحن الكرد-لدينا لغة , وهي لغة عظيمة حيث نتكلم بها , وحتى إن أكثرنا لا يعرف التكلم بأي لغةٍ أخرى سوى هذه اللغة , فقط يجب علينا أن نتعلم القراءة والكتابة بلغتنا الأم(اللغة الكردية) .

و في يومنا هذا ، لا تعتبر القراءة و الكتابة باللغة الأم واجباً شخصياً فقط ، بل تعتبر أيضاً واجباً قومياً، و من لم يقم بأداء هذا الواجب لن يستطيع أبداً القيام بواجبه القومي ، وكما إنه لن يفلح في خدمة شعبه. ولكي يعتبر المرء نفسه منتمياً إلى قوميةًَ أو شعب ما يجب عليه أن يقوم بخدمة و مساعدة شعبه. و بعد أن أصبح لنا نحن الكرد أبجدية مستقلة وخاصة بنا كبقية شعوب العالم , أصبحت القراءة والكتابة بلغتنا سهلةً جداً , وقد أثبتت التجارب وحسب ذكاء الإنسان بأن الكردي يستطيع – وفي فترة تتراوح ما بين إسبوع إلى أربعة أسابيع – أن يتعلّم القراءة والكتابة بلغته الأم .

وفي الحقيقة فإن أغلبية الشعب الكردي لا يعرفون التحدث إلا بلغتهم الأم , ولذلك فهم يتحدثون بها وحدها سواءً في المنزل أو في الخارج . ولكن يوجد بين الشعب الكردي أقلية ضئيلة من الذين كانوا يعيشون في بلادٍ غريبة أو إنهم الآن يعيشون في تلك البلاد , وما يلزم هذه الأقلية إن لم تكن تعرف التحدّث بلغتها , هو أن تتعلم لغتها الأم ومن ثم يجب عليهم أن يفعلوا كما كان يفعل (أليزر) فيتحدثون بها داخل بيوتهم ومع أولادهم ولا يتحدثون بأي لغة أخرى سواها .

نعم , يجب على هذا القسم من الشعب الكردي , وبمجرّد عودتهم إلى منازلهم أن يغيّروا من لغتهم كما يغيرون من ثيابهم ويرتدون الثياب المنزلية , فلا يتحدثون بلغة دخيلة أو غريبة ضمن منازلهم ,بل عليهم الإعتماد على اللغة الكردية وأن يحافظوا عليها كما يحافظون على شيء مقدّس .

------------------------------------------------------

*مجلة (هاوار) العدد(40)-دمشق 28 شباط 1942

هركول آزيزان(جلادت بدرخان)

***

ملاحظة المترجم:

يعتبر (جلادت بدرخان)علماً من أعلام الكرد وذلك في ميادين شتى ومختلفة(السياسية-العسكرية-اللغوية-الأدبية...) . وهو يتقن العديد من اللغات الشرقية والغربية , وكما إن التاريخ قد حفظ له مساهمته العظيمة في تطوير اللغة الكردية وبشكل خاص الكتابة بالأحرف اللاتينية .

وبحكم معرفتي للغة العربية عن كثب , وعشقي للغتي الأم (الكردية) حاولت جاهداً أن أكون أميناً في نقل هذه الأفكار من الكردية إلى العربية ليتعرّف القارىء العربي أو الكردي الذي لم تسنح له الفرصة بتعلم القراءة والكتابة بلغته الأم , وذلك على البعض من نتاجات مفكرٍ ولغوي كردي من التاريخ الكردي الحديث . كما كنت أتمنى أن يُترجم هذا المقال إلى اللغة العبرية بغية خلق التواصل بين الكتّاب الكرد وقرّاء اللغة العبرية من الشعب الإسرائيلي .

*Mh-b79@maktoob.com

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]