NEWROZ

نوروز


3/12/2005

أليساندرو باريكو في «بلا دماء»: هذه ليست قصة ثأر

اللقاء الذي كان دموياً ومرعباً في ما مضى يتحول إلى لقاء حميم سرعان ما يتوّج بتبادل عميق للمشاعر الدافئة

نزار أغري

الحياة - 29/11/2005

تشبه الرواية الجديدة للإيطالي أليساندرو باريكو رواياته السابقة من حيث أنها مكثفة، موجزة، تتوسل الجمل والحوارات القصيرة. غير أن الرواية الجديدة التي تحمل عنوان «Senza sangue» «بلا دماء» الصادرة عن دار ريزولي في ميلانو والمترجمة اخيراً الى الانكليزية، تفترق عمّا سبق في موضوعها. هذا نص درامي يحفل بالعنف والغضب والحدة. كأن المؤلف ينشأ قطيعة مع عالم روايته «Seta» «حرير» التي اكتسب بها الشهرة العالمية. في حرير كان الصمت والهدوء. كان الحرير، بملبسه الناعم وحضوره الطيفي، يتهادى ويسري بين السطور التي تابعت ولع بطل الرواية بتجارة الحرير ومن ثم ولهه بالفتاة اليابانية الساحرة، التي أسرته بصمتها. كان ثمة شغف بالعيش والحب والحياة. في الرواية الجديدة تعلو قرقعة السلاح ويهيمن مزاج القتل وينتشر الموت في كل ركن. عصابة قاتلة تطارد رجلاً. ورجل كان قاتلاً سادياً يمارس التعذيب بحق ضحاياه. عصابة تحاصر الرجل في بيته وتغرز جسده، وجسد ابنه الصغير، بالرصاص في مشهد يبدو وكأنه مأخوذ من فيلم «ويسترن» أميركي.

تنقسم الرواية إلى فصلين متساويين تقريباً يكادان أن يستقلا ويشكلا، قصتين. أجواء الفصلين وأحداثهما مختلفة. كذلك نبرتهما السردية وشخصياتهما الرئيسية. خيط صغير يجمع السياقين. خيط الثأر.

الفصل الأول يتركز على مصير مانويل روكا، الطبيب الذي يبدو أنه كان متورطاً مع أجهزة الحكومة في تعذيب المتمردين في المستشفى. يتعلق الأمر بحرب طاحنة كانت جرت بين الحكومة ومعارضيها في بلد، يبدو أنه يقع في أميركا اللاتينية. لا يذكر البطل اسم البلد، غير أن اسماء الشخصيات وطبيعة الحرب ومساراتها وكذلك أسماء الأماكن، بالإسبانية، تلمح إلى أميركا اللاتينية. الحرب الأهلية بين سلطات مستبدة ومعارضات لا تقل استبداداً أمر شائع هناك. حكومات عسكرية، معارضات شيوعية، ماوية، غيفارية أو يمينية، دينية، رجعية. قتل وقتل مضاد. تعذيب همجي يصل حدوداً لا يقدر الخيال أن يلحق بها.

في مزرعة معزولة في محيط بلدة جبلية يسكن مانويل روكا مع ابنه الصغير ساليناس وابنته نينا. ها هي سيارة مرسيدس تدنو ببطء من البيت وينزل منها أربعة رجال مسلحين يحيطون بالبيت من كل جهة ويسددون فوهات بنادقهم إلى الداخل ويطلبون من روكا الاستسلام.

هي مشهدية سينمائية يختلط فيها صوت الرصاص بأصوات المتحاربين، صراخاُ وزعيقاً وشتماً. يطلب روكا من ابنه، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، أن يختبأ في مكان ما ولا يشترك في القتال. ثم يأخذ بيد ابنته الصغيرة البالغة خمس سنوات، ويقودها إلى باب خشبي سري، في أرضية الغرفة، فتنزل إلى القبو المظلم. لا تفقه البنت شيئاً مما يجري. هناك، في العتمة، تغلق عينيها وتفتح أذنيها و تصغي إلى الطلقات تدوي في الأعلى. حين يطول الأمر تحاول أن تغفو. تتكوم وتشد ركبتيها إلى صدرها لتصير مثل صدفة. كوني صدفة، تقول لنفسها وتغفو.

يقتل الرجال الأربعة الأب وابنه. وحين يفتش أحدهم البيت يعثر على الباب المخفي. إنه الأصغر سناً في المجموعة ويدعى تيتو. يرفع الباب، ينظر إلى الأسفل ويلمح البنت الصغيرة. تتلاقى نظراتهما. ولكن الفتى يغلق الباب من جديد ويحتفظ بالسر لنفسه. كان ينبغي، بحسب الخطة، أن يقتل الفتاة. كان عليهم أن يبيدوا العائلة كلها. يترك الفتى الفتاة لحالها ويطبق الباب ويمضي. ثم يغادر الجميع المزرعة بعد أن يضرم أحدهم النار فيها.

في الفصل الثاني يتبدل المشهد كلياً، كما لو كان الأمر يتعلق بمسرحية. المشهد يقوم في وسط الشارع في مدينة كبيرة. يجلس رجل كهل في كشك لبيع الجرائد والدخان. هادئاً، رزيناً، يدخن ويشرب قهوة الصباح. تدنو منه امرأة، في خريف عمرها، ترك الزمن بصماته عليها واضحة. تطلب بطاقة يا نصيب، تثرثر معه، تطرح عليه أسئلة ثم تدعوه إلى موعد في إحدى المقاهي. بين الشك واليقين والخوف والأمل يوافق الرجل بعد أن عرف من تكون المرأة.

إنها، نينا، تلك الفتاة الصغيرة التي كانت اختبأت في القبو حين قتل الثوار أباها وأخاها، أما الرجل الجالس في الكشك، بائع الصحف، الذي تدعوه المرأة إلى اللقاء، فليس غير، تيتو، ذلك الفتى الذي تكتم على وجودها وأنقذ حياتها.

الرجال الثلاثة الآخرون، الذين شاركوا تيتو في عائلة الفتاة، اغتيلوا جميعاً، واحداً بعد الآخر، في ظروف غامضة وبطرق غير معهودة من دون أن تطلق على أي واحد منهم رصاصة واحدة. لقد تم الإنتقام منهم، بهدوء، ومن دون سفك دماء ولكن بشكل قاطع. ها قد جاء دور تيتو، الآن، إذاً. هذا ما يفكر فيه تيتو وهو يمضي إلى اللقاء.

هكذا تنفتح الرواية أمام حبكة جيدة وتدخل في أفق سردي وتصويري جديد. الشخصيتان اللتان كانتا ثانويتين في الفصل الأول تحتلان الآن المشهد كله، ومن خلال تقابلهما وحوارهما وسبر المؤلف لعالمهما الروحي واضطرابهما النفسي نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام تفجر درامي. من خلالهما يخوض المؤلف رحلة للغوص في أعماق الكائن الإنساني حيث يجتمع الخوف والكره والغضب والرغبة في الانتقام من جهة والحب والحنان والحاجة إلى التواصل من جهة أخرى. هذا الرجل كان شارك في قتل والد المرأة وشقيقها. ولكنه أنقذ حياتها. إنه قاتل ومنقذ في آن معاً. وهي قاتلة ومنقذة أيضاً. لقد سبق أن قتلت الرجال الثلاثة وفي مقدورها الآن أن تثأر لوالدها وشقيقها وتقتل الرجل الأخير وترتاح. تكون انتقمت من الجميع. ولكن لولا الرجل لكان الآخرون قتلوها ولما كانت هي، الآن، حية، تجلس إلى جانب الرجل وتحاوره.

في حوار متوتر، سريع، عميق، يتعرف كل واحد إلى الآخر. يكتشف الاثنان الجانب الإنساني الكامن فيهما. تتفجر الرغبة في الاحتضان والتخلص من أثقال الموت والانتقام. كانت النظرة الخاطفة هي التي جمعت بين الاثنين حين كان كل منهما في بداية العمر. كان هو فتى يقبل على الحياة وكانت هي فتاة صغيرة تتهيأ لتكتشف ما يحيط بها. حين أطل الفتى وسط القتل والجحيم ونظر إلى القبو رآها متكورة على ذاتها تتطلع بلهفة إلى انتهاء العتمة والخروج إلى نور الحياة من جديد. تلك النظرة استقرت في ذاكرة كل واحد منهما. ومع الأيام اكتسبت قيمة ومعنى واحتاجت إلى لقاء جديد كي تضيء ما كانت العتمة أخفته.

يبدع أليساندرو باريكو في روايته الصغيرة معادلة ما انفكت تسيطر على النفس. إنه يمضي في أثر ثنائية مانوية ترسم الخط الفاصل بين النور والظلام. في الرواية يقوم الفصلان مقام طرفي المعادلة. في الطرف الأول، ينهض الجانب المظلم، الشرير، الحيواني، القابع في كل واحد منا. فيما يغمر نور الخير والحب والتآلف الجانب الآخر الذي يصارع من أجل أن يقهر الأول ويتفوق ويسود فينال المرء الخلاص. إنه ذلك الصراع الأزلي بين الإيروس والثاناتوس في الصيغة الإغريقية، وبين أهورامزدا وأهريمن في الصيغة الزرادشتية.

في رواية باريكو يرتدي الأمر ثوباً عصرياً. ما بعد حداثياً ربما. صوت طلقات الرصاص وسفك الدماء والصراخ في الفصل الأول يختفي في الفصل الثاني ويحل محله حوار إنساني وصفاء وهدوء.

الرواية نفسها، في بنيتها ولغتها وإيقاعها، تتبع التقسيم المانوي نفسه. ميلودراما فجّة، إلى حد الكليشيه، ولغة سهلة تعج بالشتائم المقتبسة من أفلام الأكشن الأميركية، تختفي لتحل محلها لغة تنتقل من السطح إلى العمق ومن الخارج إلى الداخل.

اللقاء الذي كان دموياً ومرعباً في ما مضى يتحول إلى لقاء حميم سرعان ما يتوّج بتبادل عميق للمشاعر الدافئة. ذلك السعي المجـــنون إلى القتل الهمجي في بداية العمر يــتوقف وينهض مكانه سعي إلى إنشاء علاقة إنسانية جميلة في أواخر العمر. النظرة العابرة التي اختزنت الشفقة والهوى والتسامح والأمان كانت بمثابة بذرة سقطت على الأرض وسط الخراب والدماء. وهي نمت وأينعت في الأخير على شكل اقتران روحي، ولكن جسدي أيضاً، يأتي بمـــثابة ذروة في البـــحث عن معنى العيـــش. على السرير في البيت، يرقدان ويأخذان في مقايضة الحب بالحب. ثم تريد المرأة أن تفعل شيئاً. تتكوم وتشد ركبتيها إلى صدرها لتصير مثل صدفة. كوني صدفة، تقول لنفسها، ثم ترقد في أحضان الرجل.

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]