|
19/12/2005 فيرن وكالفينو وماركيز: خصوبة العالم الواقعي نزار آغري الحياة - 13/12/2005 كتب ايتالو كالفينو أثناء الرحلة التي قام بها إلى الولايات المتحدة عن بيت الراقصة البهلوانية تشيكيتا في كاليفورنيا. أشار إلى أن زوجها ممثل سينمائي يقوم على الدوام بدور الحارس الشخصي للشخصيات المهمة. بنت تشيكيتا بيتها على شجرة «في مهب الريح» كما وصف كالفينو. وكالفينو زار البيت باعتباره مبتكر هذه الطريقة في العيش: العيش على الشجرة. إنه يشير إلى روايته «البارون الجاثم» (il barone rampante). التي يعيش بطلها، الفتى كوزيمو، على شجرة بعد أن هرب من البيت. كان البارون وبيته «الشجري» نتاج خيال الكاتب. ولا بد من أن كالفينو كان يعتقد بأنه يقوم بمغامرة فانتازية تتيح له أن يطلق العنان للمخيلة كي تقفز بعيداً عن الواقع. في كتب إيتالو كالفينو تبين له أن القفزة لم تكن بعيدة من الواقع. لم يكن كوزيمو، بطل روايته، الوحيد الذي عاش على الشجرة. تشيكيا أيضاً بنت بيتها هناك وزودته بكل متطلبات العيش. كان جول فيرن ودافنشي وويلز وسواهم، سبقوا كالفينو في دفـــع الخيال إلى الأمام ليطلق ساقيه للريح فيـــترك الواقـــع خلفه. وقصـــص إدغار ألن بو وكافكا وبورخيس وماركـــيز تبـــدو مدهشـــة لأنها تـــبدو وكأنها ترسم أشياء خارقة تتجاوز قدرة المرء على التخيل. ولكن الواقع يكتب، في كل يوم، قصصاً وروايات أكثر دهشة من أغرب قصة تجترحها مخيلة كاتب. إعصار تسونامي. إعصار كاترينا، الزلزال الذي ضرب باكستان وأفغانستان وكشمير. الفيضانات التي تنهض فجأة وتأخذ كل شيء في طريقها. هذه ليست سوى الفصول الأخيرة من الرواية القريبة من ذاكرتنا مما سطرها خيال الطبيعة. هو خيال تعجز المخيلة البشرية للكتاب والمبدعين عن الإحاطة به. ولكن ليست الطبيعة وحدها فانتازية. هناك ما يقترفه الناس أنفسهم من الأعمال ما يجعل مخيلة أي كاتب فانتازي تبدو ضحلة. مناظر تعذيب السجناء في سجن أبو غريب. مناظر ذبح المختطفين على يد الجماعات المسلحة في العراق. منظر الجندي البريطاني الذي يقفز من دبابة والنار تلتهمه. هل قرأتم ما فعله الرجل الذي وجد إمرأته تتحدث مع رجل غريب؟ بتر شفتها وجدع أنفها. هل نتذكر ما كان يفعله ديكتاتور أوغندا عيدي أمين بخصومه؟ كُتب انه كان يأكلهم. وماذا فعل ديكتاتور صربيا ميلوسيفيش بالناس في البوسنة والهرسك وكوسوفو؟ وماذا فعل صدام حسين بالأكراد في حملات الأنفال؟ وابنه عدي الذي وضع شابين في قفص حديد مع مجموعة من الأسود. وماذا فعل ستالين ببوخارين وكامنييف وزينوفييف؟ وكيف قتل ليون تروتسكي؟ ببلطة شقت رأسه نصفين في منفاه المكسيكي. وماذا فعل هتلر؟ وكيف قُتل فرج الله الحلو؟ بتذويبه بالأسيد. ممارسات الطغاة هي الأكثر خرقاً لقدرة المخيلة. كُتب أن في كوريا الشمالية يفرم كيم جونغ إيل خصومه بفرامة اللحم. وهو يملك في قبوه أكثر من عشرة آلاف زجاجة نبيذ فاخرة من تلك التي تنتجها أرقى مصانع النبيذ في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا في وقت يتضور الأطفال هناك جوعاً. كتاب أميركا اللاتينية انتبهوا باكراً إلى غرابة أطوار الطغاة وفظاعة ممارساتهم. كان الواقع الغريب في أميركا اللاتينية المعين الذي انبثقت منه الواقعية السحرية. يذكر غابرييل غارسيا ماركيز أن مجموعة من المعتقدين بالطب الميتافيزيقي برئاسة ألفارو نونيزا كابيزا انطلقت تبحث عن نبع يمنح الشباب الدائم لمن يشرب ماءه. بقيت المجموعة تبحث عن النبع العتيد ثماني سنوات في المناطق الصحراوية من جنوب أميركا والمكسيك. لم تنته مسيرتهم إلا بعد أن تاهوا وانقطعت بهم السبل وأخذوا يأكلون بعضهم بعضاً من الجوع. لم يبق من المجموعة سوى خمسة أشخاص من مجموع 600 شخص. غونزولو بيسارو كان يعتقد بوجود معجون يتمكن من لصق رؤوس الجنود الذين تقطع رؤوسهم في الحرب. يذكر ماركيز أن إحدى المشكلات الرئيسة التي تواجه قارئ الأدب الأميركي اللاتيني تكمن في فهم معاني الكلمات. فحين يرد ذكر نهر طويل لا يستطيع القارئ الأوروبي، مثلاً، أن يتخيل ما هو أطول من نهر الدانوب (2700 كم). في حين أن طول نهر الأمازون يتجاوز 5500 كم ويبلغ عرضه في بعض الأماكن مساحة أكبر من بحر البلطيق. وحين ترد كلمة الطوفان يذهب الخيال العادي نحو مطر غزير وبرد ورعد لا يتجاوز ساعات معدودات. في مناطق الأنديز هطلت أمطار لم تنقطع لمدة خمسة أشهر. والبرق والرعد يحدثان حتى يتداخل النار والماء وترتفع أصوات مجلجلة في الجبال ويعتقد المرء بأن نهاية العالم قد حلت. يقول ماركيز: لعل أكبر ما قمت به في حياتي هو أنني استطعت أن أدون الوقائع بأسلوب أدبي، ولكن كل ما ورد في رواياتي مستمد من الواقع لا من مخيلتي. الرواية لا تصنع شيئاً. إنها تبرز الواقع وحسب. تكشف النقاب عما هو مخبوء تحت القناع. في مئة يوم من العزلة ترد مقاطع تتحدث عن ميلاد طفل بذيل خنزير. يقول ماركيز: كان هذا الأمر يبدو لي تطرفاً في المخيلة وكان يبدو الأقل معقولية في الواقع. ولكن بعد صدور الرواية اتصل بي أشخاص أكدوا وجود ناس لهم أذناب خنازير في منطقة برانكونيلا. وأرسل شاب صورته التي تبين أنه يحمل ذنب خنزير. يقول الشاب: قبل قراءة الرواية لم أكن أختلط بالناس وكنت أخجل كثيراً. الآن يبدو لي الأمر طبيعياً. أصعب ما واجه ماركيز كان كتابه رواية «خريف البطريرك». لقد قرأ كل ما وقع تحت يده من نصوص تتناول سيرة وأعمال طغاة أميركا اللاتينية وبخاصة في منطقة الكاريبي. وقد تبين أن أعمال الكثير منهم كانت تتجاوز أي حد يمكن أن تصل إليه مخيلة إنسان. كان ديكتاتور هاييتي دو فالييه أمر بتعذيب أحد معارضيه بشدة وقسوة حتى تحول المعارض إلى كائن يشبه كلباً أسود ثم أصدر قراراً بإبادة كل الكلاب السود في هاييتي. أحد الديكتاتوريين في هندوراس أمر بإنشاء قفص كبير يتألف من قسمين مفتوحين على بعضهما بعضاً. قسم يضم الحيوانات المفترسة والقسم الآخر يضم المعارضين لنظامه. يجب أن نعترف، يقول ماركيز، أن الواقع أكثر مهارة وأخصب خيالاً منا نحن الكتاب. إن أفضل ما نقوم به في واقع الحال وما يجب أن نعتبره إنجازاً كبيراً هو أننا نتمكن أحياناً من نقل بعض الواقع إلى الورق. |
|
الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية بيانات وتصريحات | مختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن |
|
Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne |
|
Despêk 6-ê Gulana 2004-an copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz] |