جديد الموقع

خطاب الكراهية…. لماذا؟
المحامي إسماعيل المحمد*

يختلف مفهوم خطاب الكراهية من مجتمع إلى آخر بسبب اختلاف القوانين النافذة بين الدول من جهة، واختلاف القيم الأخلاقية والاجتماعية من جهة أخرى، أو حتى في الدولة الواحدة ذات التنوع القومي أو الديني أو اللغوي، ولذلك من المفيد عرض بعض أشكال خطاب الكراهية تسهيلاً لفهم مضمونه، ولعل أبرز أشكال خطاب الكراهية هو العنف اللفظي الذي يدعو إلى التعصب الفكري، والتمييز العنصري والنظرة الاستعلائية، كذلك يمكن أن يظهر خطاب الكراهية على شكل إقصاء الآخر عن طريق منعه من الظهور والتعبير عن رأيه في وسائل الإعلام العامة، والاكتفاء بإظهار خطاب أحادي الجانب، كما أن بعض المؤسسات تمارس خطاب الكراهية عبر تشويه الآخر ونعته بصفات بذيئة، وإلصاق التهم به دون وجه حق.

إن جميع الأشكال السابقة من الممكن ممارستها من قِبل السلطة الحاكمة تجاه فئة مجتمعية معينة متميزة عرقياً أو دينياً أو لغوياً، أو ضد جهة سياسية معارضة لها، أو من قِبل فئة مجتمعية تجاه فئة أخرى، على ذلك يمكن اعتبار خطاب الكراهية في جميع صوره وأشكاله بأنه آفة تصيب المجتمع عبر ادعاء فئة منه بأنها تملك الحقيقة دون الآخرين، و قد ازداد انتشار هذه الآفة مع توسع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت ملاذاً لممارسة شتى أشكال الكراهية، مما يخشى مع هذه الحالة أن يتحول خطاب الكراهية من شكله اللفظي إلى معركة حقيقية يبيح فيها الطرف القوي قتل الطرف الضعيف أو تهجيره، وبذلك فخطاب الكراهية يهدد السلم الأهلي  والعيش المشترك، مما يتحتم على الجميع نبذه واعتماد لغة الحوار والإصغاء إلى الآخر واحترامه، وترسيخ ثقافة اللاعنف كسبيل وحيد لحل جميع المشاكل العالقة بين أفراد المجتمع من جهة، وبين السلطة الحاكمة والمكونات المجتمعية من جهة أخرى.

ونعتقد أن أهم أسباب خطاب الكراهية هو غياب الديمقراطية والشفافية واعتماد الأنظمة سياسات استبدادية قمعية أمنية تصبغ المجتمع بلون واحد ورأي واحد،  تسد كافة المنافذ أمام الآخر لإبداء رأيه، معتبرة كل مخالف لها خائن ومجرم يجب معاقبته، على ذلك يمكن الحد من خطاب الكراهية عبر عدة وسائل، يمكن إيراد أهمها على الشكل التالي:

أولاً – المؤسسة الإعلامية:

لا يقتصر دور المؤسسة الإعلامية على نقل الحوادث والأخبار، بل لها دور أساسي في التربية والتوجيه وتكوين رأي عام إيجابي، و تعتبر الوسائل الإعلامية من المقومات الأساسية لضمان الديمقراطية وتعزيز قيم التسامح والتنوع العرقي والديني واللغوي وضمان السلم الأهلي، على أن حرية التعبير ليست مطلقة بل لها حدود معينة تتمثل بمنع استخدامها في التحريض على الكراهية والتمييز العنصري والعنف أياً كان شكله وممارسته، ويمكن التعبير عن أهمية الأعلام بمعادلة بسيطة «كلما زاد دور الإعلام البنّاء والتوجيهي كلما ضعف الخطاب الشوفيني والعنصري، والعكس بالعكس».

ثانياً – المؤسسة القضائية:

في كل المجتمعات ومهما كانت على درجة عالية من الوعي، لابد من قوانين تنظم العلاقات بين المواطنين من جهة ، وعلاقة الدولة بالمواطنين من جهة أخرى، ومع ازدياد وسائل التواصل الاجتماعي وتنوعها أصبحت الحاجة ملحة جداً لإعادة النظر في القوانين الناظمة لعمل وسائل الإعلام وسن قوانين جديدة تتناسب مع زيادة وتنوع هذه الوسائل، وتضمين القوانين الجديدة مواد تنص صراحةً على عقوبات رادعة لخطاب الكراهية، إذ أن غياب مثل تلك المواد القانونية يؤدي إلى استسهال تداول خطاب الكراهية، وهو حال أغلب دول منطقة الشرق الأوسط، حيث لا توجد مواد قانونية تنص صراحةً على تجريم فعل خطاب الكراهية، باستثناء بعض العقوبات الرادعة لفعل القدح والذم، أما على مستوى القانون الدولي فقد تطرقت العديد من القوانين والمعاهدات الدولية إلى موضوع خطاب الكراهية، إذ توجد مواد تؤكد على حرية الرأي وحرية التعبير عن الأفكار والمعتقدات وحرية التدين و ضرورة المساواة بين الأعراق والأصول البشرية، إلى جانب مواد أخرى تحظر الأعمال العدائية والعنف والكراهية بجميع أشكالها وتجرم تلك الأفعال وتضع عقوبات رادعة لها، إلّا أن تطبيق هذه القوانين والمعاهدات يلاقي صعوبات كثيرة، لأن أغلب الدول تحاول صياغة نصوص قانونية  تلائم أوضاعها.

ثالثاً – المؤسسة التربوية:

تلعب المؤسسة التربوية (المدارس، الجامعات، الأندية الرياضية، الأندية الثقافية…) دوراً مهماً في بناء شخصية الإنسان، ولذلك يجب أن يكون العنوان الأبرز لعمل المؤسسات التربوية والتعليمية هو تسليح الإنسان بثقافة التسامح ودفعه للوصول إلى الحلول عبر حوار جاد وشفاف، ووضع المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار طائفي أو مذهبي أو لغوي.

أما في بلدنا سوريا فمنذ الاستقلال وحتى الآن، وعلى الرغم من تعاقب عدة حكومات على دست الحكم، إلّا أن جميعها مارست خطاب الكراهية بشكل ممنهج ضد الكُـرد وخصومها المعارضين، واعتمدت سياسة الإلغاء والإقصاء بحق مكوّن أساسي من مكونات المجتمع السوري، عدا عن كيل التهم جزافاً بحق المناضلين الكُـرد وزجهم في السجون ونشر الأكاذيب عبر وسائل الإعلام لتشويه الحقائق التاريخية، وإصدار العديد من التعاميم والمراسيم والتشريعات الاستثنائية التي تحض على الكراهية والتفرقة بين أبناء البلد الواحد.

أما بالنسبة للمعارضة السورية وخاصة المجاميع المسلحة فهي ليست أفضل حالاً من النظام، ويمكن اعتبارها الوجه الآخر للنظام، وربما تكون أسوء منه في بعض الأحيان، فخطاب الكراهية لديها تجاوز المستوى اللفظي إلى مستويات مشينة تمثلت في القتل على الهوية والتهجير وتدمير المنازل وحرق المزوعات والسرقة وغيرها من الأفعال التي تنم عن مشاعر الكراهية تجاه الكُـرد، إلى جانب تلك الأفعال المشينة الصادرة عن المجاميع المسلحة تصدر بين الفترة والأخرى تصريحات وبيانات من شخصيات معارضة تصف نفسها بالديمقراطية والتحريرية تنعت الكُـرد بأقبح الصفات وتدعو إلى إقصائهم وإبعادهم من المشاركة في رسم الخريطة السياسية لسوريا المستقبل.

أمام هذا الواقع المرير لابد من صياغة خطاب عقلاني متوازن يحترم الرأي الآخر، ويعتبر التنوع القومي والديني واللغوي في الوطن اغناءً له، ويتبنى مبادئ العيش المشترك والسلم الأهلي عنوناً ثابتاً له، ويلتزم بشرعة حقوق الإنسان، ويقف بحزم بوجه خطاب الكراهية ويدعو إلى العمل الجماعي لبناء دولة ديمقراطية خالية من التفرقة والتمييز العنصري.

* جريدة الوحـدة – العدد 322- أيلول 2020م– الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).