جديد الموقع

في زمن كورونا المستجد الكارثي… معاً نحو الحكمة والعقلانية!
الافتتاحية*

لا خلاف حول تدني الجانب القيمي في ممارسة السياسة ورسم خطوطها إلى مستويات غير مسبوقة في عصرنا الحالي، خاصةً لدى مراكز القوى الإقليمية والدولية، والمتحكمين بها أصحاب العقائد ورؤوس الأموال الكبيرة؛ ويُلاحظ ذلك بوضوح في مجريات الأحداث الأليمة التي تعصف بدول وشعوبٍ عديدة، والتي أرخص ما فيها هو الإنسان، وفي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني ولمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذلك التعطيل المتعمد للكثير من قرارات وأعمال مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها، علاوةً على تلك التعديات الخطيرة التي تطال البيئة والمناخ. وكأن البشرية تدخل في دوامةٍ جديدة من الكوارث، مثل الحربين العالميتين في القرن العشرين، ولم تتعظ بَعدْ القوى العالمية الكبرى ومنظروها لصياغة أنظمة وعلاقات جديدة، يكون الإنسان وصيانة حقوقه محورها، وتضع حداً لجشع الرأسمالية المتوحشة والإرهاب والفكر المتطرف، في مسعى تخفيف حدة الصراعات والحروب، وحماية عالمنا الإنساني والحضاري ما أمكن من المآسي والويلات.

ففي زمن كورونا المستجد الذي لا يرحم ولا يستثني أحداً، وقع ما هو غير متوقع، فتداعت أنظمة ونظريات، واختلطت دراسات وخطط، ولكن لاتزال العقول المتعفنة ترفع برؤوسها هنا أو هناك، وتريد أن تصطاد وسط آلام الناس وأنينهم، ولا يزال الجشع والتوحش يستحكمان بمصير شعوب العالم قاطبةً. ولا ننسى أن بني البشر يواجهون هذا الفيروس الفتاك بجهودٍ جبارة، أطباء وطواقم طبية وباحثون وعلماء وإعلاميون وموسيقيون ومثقفون وجيوش وقوات أمنية وشركات ومؤسسات محلية وأممية وإدارات وغيرها يتعاضدون إلى حدٍ ما في مكافحته… ولكن لايزال ينقصنا الكثير!

فيروسٌ مُهلك لم يُعرف له مثيل، رغم تقدم العلم والطب وتقنياته بشكل مذهل، ولكن على الصعيد السوري لم ترتقِ التدابير والإجراءات المتخذة إلى المستوى المطلوب، فإضافةً إلى منظمة الصحة العالمية، حذَّر الأمين العام أنطونيو غوتيريش والمبعوث الخاص غير بيدرسون من تفشي الفيروس في سوريا، خاصةً في المخيمات والأماكن المكتظة، في ظل تدني مستوى الإمكانات الطبية والصحية بسبب الحرب الداخلية الطويلة، ودعيا إلى وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية وإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين وإدخال المساعدات الإنسانية إلى كافة المناطق، بينما الشعب السوري لم يشعر جدياً بمفعول ونتائج مراسيم وقرارات العفو الصادرة وتشكيل لجان حول المعتقلين والمختطفين والسجناء، نظراً لقائمة الاستثناءات الطويلة من العفو، وعدم شمولها للمختطفين والمخفين قسراً ولأولئك المحتجزين خارج إطار القانون، وبقاء السجون السرية مقفلة الأبواب، فلا يزال مكلومو الفؤاد والمعذبون ينتظرون محبيهم المفقودين والمسجونين ظلماً، حيث أن زج جموعهم في الأقبية والزنازين يزيد من فرص تعرضهم للأمراض وعدوى كوفيد-19 بشكل خطير.

ومن جانب آخر، لايزال جيش الاحتلال التركي يخرق هدن وقف إطلاق النار، فيستمر بقصف قرى وبلدات شيروا والشهباء- شمال حلب، وكذلك ريف تل تمر وشمال بلدة عين عيسى، وتُوقف محطة علوك لمياه الشرب عن العمل مراراً، بينما الانتهاكات والجرائم وحملات التوطين مستمرة في مناطق احتلاله، فتزداد المعوقات أمام جهود مكافحة فيروس كورونا، خاصةً في مخيمات وتجمعات النازحين في محافظة الحسكة.

كذلك فإن بقاء معبر تل كوجر/اليعربية – الحسكة غير مشمولٍ بقرار مجلس الأمن حول المعابر الإنسانية وتوقف إدخال المساعدات الإغاثية والمستلزمات الطبية إلى مناطق ومخيمات شمال شرق سوريا الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، يشكل تحدياً كبيراً للإدارة الذاتية وللمجتمعات المحلية في مواجهة تفشي الفيروس وتبعاته.

كما أن الأزمة الاقتصادية المستفحلة وتفشي البطالة وضعف المداخيل والموارد المالية وتدني القيمة الشرائية لليرة السورية إلى مستويات غير مسبوقة، تلقي بثقلها على كاهل المواطن السوري ومدى قدرته على تخطي الصعوبات الحياتية والالتزام بالحجر الصحي وتفادي الإصابة بالفيروس.

أما على الصعيد السياسي فيتحتم علينا كسوريين عموماً، في ظل أزمة كورونا الحالية، العودة إلى الحكمة والعقلانية من جديد والبحث عن المشتركات، والبدء كما قلنا مراراً بحل القضايا الإنسانية أولاً، أبرزها قضية المفقودين والمعتقلين وإطلاق سراحهم لدى أي طرفٍ كان، وفتح الممرات والمعابر بين كافة المناطق السورية دون أي ابتزاز وقيود، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية وبمرور وتنقل المواطنين والبضائع بيسر ودون ضرائب وأتاوى، وكذلك تهيئة الظروف والاجراءات لعودةٍ طوعية آمنة للنازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية، كشرطٍ أساسي لإعادة تأهيل المجتمعات المحلية وتفاعلها في حياةٍ سياسية مقبلة، وبذلك تتشكل أرضية مناسبة لإجراء حوارات سورية سورية أو مفاوضات بين جميع الأطراف برعايةٍ أممية، للبحث عن حلٍ سياسي لأزمة بلدنا المركبة.

* جريدة الوحـدة – العدد 318 – آذار 2020م – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).