جديد الموقع

النهضة الأخرى: البدرخانيون، والمِلّيون، والجذور القَبليّة للقومية الكردية في سوريا*
ستيفان وينتر / STEFAN WINTER

ترجمة: محمد شمدين

مجلة الحوار- العدد 74- عام 2020

المدخل

   إن دراسة القومية الكردية وتاريخها في سوريا قد تأثر كثيراً بالأمور الجارية منذ عدة سنوات، من بروز الكرد العراقيين في دولة شبه مستقلة في الشرق الأوسط، إلى التخفيف الكبير للقيود على اللغة والصحافة الكردية في تركيا، إضافة إلى دفعة جديدة نحو التحرر السياسي في سوريا نفسها. سواء في الشرق الأوسط [حيث المجال الكردي] أو في مجتمعات اللجوء في السويد وألمانيا، كان هناك إنتاج لم يسبق له المثيل من المجلات الشعبية والمذكرات والوثائق الخاصة المتعلقة بالتاريخ والثقافة الكردية، بينما تسهم مجموعة متنامية من الأبحاث المتخصصة في نحت مكان لها في الدراسات الكردية داخل الأوساط الأكاديمية الغربية. من المفهوم أن الإنتاج الأدبي انصبّ الجزء الكبير منه على الإنتاج الأدبي لأيقونات بناء الهوية القومية الكردية في العصر الحديث، خاصّةً الكتّاب والنشطاء والزعماء السياسيين الذين يجسدون البعد الملحمي لحقوق الشعب بأكمله والاعتراف به. في هذا الصدد، كانت لسورية شهرة غير متناسبة في تاريخ القومية الكردية، حيث استضافت، تحت حكم الانتداب الفرنسي، الحركة الأدبية والفكرية الكردية، والتي ستوحد اللغة الكرمانجية الكردية وتؤسس للكفاح من أجل تقرير المصير الكردي بإعتباره القضية السياسية الرئيسة في المنطقة. وعلى وجه الخصوص كانت الأنشطة الصحفية الرائدة للأخوة البدرخانيين في دمشق وبيروت، وبرامج الرعاية الاجتماعية والتربوية التي بدأت مع القادة الكرد الأخرين، بدعم من رابطة (خويبون/ Xwibûn)، هذا ما جعل من سوريا ولبنان لئلا تكونا مهداً لإحياء الأدب العربي في القرن التاسع عشر فحسب، بل مهدًا لحركة قومية كردية ناهضة، والتي يمكن أن نطلق عليها إسم “النهضة الكردية” في القرن العشرين. من ناحيةٍ قد يكون لتركيز المؤرخين على الأعلام الفكرية للنهضة الكردية على الطابع العابر للحدود للنضال الكردي في سوريا، ومع ظهور البدرخانيين كمهاجرين سياسيين، حيث أقام البعض منهم في باريس ولوزان، أو انضموا إلى خويبون، تشكّل ما يشبه حكومة في المنفى، تكمن مصالحها الحقيقية أساساً عبر الحدود في تركيا والعراق. تهدف هذه الورقة المساهمة في دراسة المبادرات التي قام بها الأخوة البدرخانيون، مع دراسة الأدوار التي لعبها نشطاء أقل شهرةً ولكن لديهم جذور محلية عميقة في سوريا خلال فترة الانتداب، كما تفترض الورقة بأن الكرد السوريين لم يتبنوا جميعاً بالضرورة توجّهات خويبون القومية العابرة، أو هدفها المتمثل في إقامة دولة كردية مستقلة. سيناقش القسم الأول تاريخ البدرخانيين ومساهماتهم في بروز النشر باللغة الكرمانجية في سوريا، ولكن سنشير بشكل خاص إلى الأفراد الأقل شهرةً في العائلة بالإضافة إلى زملائهم الاخرين في رابطة خويبون الذين عرّفوا عن أنفسهم بشكل جيد كموظفي دولة في سوريا. سوف يبحث القسم الثاني في تاريخ الاتحاد المللي، المجموعة القبلية الكردية المتجذرة بسياسة عميقة في سوريا الجغرافية، وعلاقاتها المتذبذبة مع الحركة الكردية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. من خلال تركيز انتباهنا على الجذور المحلية والقبلية الأكثر غموضًا للنشاط الكردي في سوريا، يصبح من الممكن أن نرى أن الحركة لم تكن مواتية بشكل موحد من قبل القوة الانتدابية الفرنسية، بل على العكس في العديد من الحالات تعاونت مع الجهود الوطنيين السوريين الآخرين في مسار الكفاح ضد الاستعمار.

إمارة بوطان 1514- 1847

كان الإخوة البدرخانيون الذين لعبوا دورًا محوريًا في التعبير عن الهوية القومية الكردية في دمشق وبيروت، سليلي إمارة تتمتع بحكم شبه مستقل حكمت ([Cizre] جزرة/ جزيرة ابن عمر في بوطان) خلال عبور نهر دجلة إلى سوريا، لمعظم الفترة العثمانية. مثل العديد من إمارات كردستان العثمانية الأخرى، تشكلت إمارة جزيرة بعد أن أقسمت العائلات الاقطاعية الكبيرة في المنطقة بالولاء للسلطنة بعد هزيمة الصفويين الشيعة في تشالديران في عام 1514، وذلك، في مقابل الإعتراف بحكم وراثي محلي لهم. يزعم البدرخانيون أنهم ينحدرون من أول أمير لبوطان، من عشيرة عزيزان/آزيزان [Azîzan]، وأنهم أقارب ل شرفخانات بدليس الذين كانوا مهندسين لهذا التقارب العثماني-الكردي[1]، فضلًا عن كونهم مؤرخين معاصرين لتلك الفترة. علاوةً على ذلك، لم يكن هناك سوى القليل جدًا من التحقيقات التي أجريت حول الإمارات (الحاكميات/beğlik or hukiimet)، والتي تذبذب وضعها الدقيق مع تعيين الحدود الإقليمية، كما أوضح هاكان اوزغلو مؤخراً، حصل ذلك بمرور الوقت وفقًا لصراعات السلطة المحلية وكذلك محاولات الدولة العثمانية المستمرة في فرض المزيد من السيطرة المباشرة[2]. تُبيّن الوثائق التي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر بشيء من التفصيل عن مهنة “Bedir Beg/ بدر بك”، الذي من المحتمل أن يكون هو من أجداد الأمير بدرخان بك (Bedir H(x)an Beğ) وهذا اللقب هو أي بدرخان الذي اشتهرت به العائلة المعروفة كحاكمة للجزيرة في القرن التاسع عشر. خلال سبعينيات القرن السادس عشر، طُلب من بدر بك هذا المساعدة في إخماد تمرّد القبائل الرافضة في المنطقة الانضمام إلى الحملات الإمبراطورية ضد إيران؛ بحلول عام 1578، ابنه، المفترض في هذه الفترة أن يكون هو خليفته، سعيد (seyyid) محمد بك، قد تعرض للتوبيخ بسبب قمعه للقرى التي تحت سيطرته المالية[3]. هناك القليل الذي يميز الإمارة في العقود اللاحقة، عندما كانت كأي جزء من ولاية ديار بكر. إذا كانت هناك قبيلة فعلية تعرف باسم عزيزان/ Azîzan، ذلك أنه نادراً ما يتم تسجيل هذه المنطقة في السجلات الإدارية العثمانية، حتى في الوقت الذي دخلت فيه بأكملها في نطاق البرنامج الامبراطوري الكبير من أجل التسويات القبلية، وإعادة التوطين في القرنين السابع عشر والثامن عشر[4]. من المحتمل أن حكم أمراء عزيزان Azîzan لم يمتد إلى ما هو أبعد من جزره في المناطق القبلية الكردية الأخرى.

تمت إعادة إمارة بوطان إلى نور التاريخ من خلال سياسات الدولة المركزية العثمانية في القرن التاسع عشر. في عام 1834، حيث بدأ العثمانيون بقيادة محمد رشيد باشا حملة لإعادة ضم كردستان كمقدمة لإعادة احتلال سوريا واستعادتها من يد محمد علي والي مصر، الأمر الذي أدى قبل كل شيء إلى القضاء على إمارتي بهدينان وسوران. تمت السيطرة على (جزيره) أيضًا في عام 1836، ولكن تعرضت الهيبة العثمانية لطعنة نجلاء بعد الهزيمة على يد المصريين في نيزيب بالقرب من بريجيك في العام التالي. ومن وقتها، تمكن بدرخان بك من إنشاء نظام أميري قبلي في جنوب شرق الأناضول. تتحدث التقارير الأجنبية، وخاصةً تلك التي تحدّثت عن البعثات التبشيرية وعن قمعه للنساطرة في المنطقة، الذين مثل المسيحيين في أماكن أخرى في الإمبراطورية قد أثيرت قضيتهم بشكل واسع (célèbre) في أوروبا. على الرغم من أنه سيتم تصوير إمارة بوطان في وقت لاحق على أنها بذرة الهوية القومية الكردية، إلا أن استبداد بدرخان ووقوفه وجهًا لوجه ضد الإدارة المركزية، وتحت الضغوط الغربية دفعت العثمانيين إلى استعادة الإمارة بالقوة في عام 1847. نفي بدرخان إلى جزيرة كريت بشكل شرفيّ، ثم سمح له بالعودة إلى إسطنبول ومنح رتبة مير ميران (mîrmîran) الرسمية في عام 1858، وفي عام 1865، انتقل هو وعائلته الكبيرة مباشرة إلى دمشق بمنحة عثمانية، حيث توفي هناك بعد بضع سنوات[5].

البدرخانيون في سوريا

على مدار العقود اللاحقة، شكلت سوريا قاعدة عمليات للبدرخانيين كما أنهم أداروا وشكلوا، في مراحل مختلفة، القومية الكردية المبكرة. أمين عالي بدرخان، ابن بدرخان بك الأبرز، ساعد لفترة وجيزة في استثارة مقاومة كردية مشروطة ضد الروس في حرب 1877-1878 قبل العودة إلى دمشق، لكنه انضمّ بعد ذلك إلى شقيقه مقداد مدحت في تمرد ضد القوات العثمانية حوالي عام 1889. كانت قد تمّت إقالته كموظف مشتريات متوسط في مكتب محلي، ثم تم نفيه إلى سوريا (عكا) مرة أخرى لدوره المزعوم في مؤامرة في القصر عام 1906 ضد عبد الحميد. بعد عامين، عاد إلى إسطنبول، حيث كانت عائلته تمتلك قصراً صيفياً في بيوكادا (Büyükada)، وأصبح عضواً مؤسساً في (جمعية الاتحاد والترقي الكردية) حيث ألهمت جمعية الشباب الأتراك “جمعية الاتحاد والترقي التركية” الصحوة الثقافية الكردية تحت السيطرة العثمانية[6]. إن الأصولوية في الفكر القومي الكردي سوف ينتقل إلى جيل الشباب من المثقفين، وعلى رأسهم أبنائه الثلاثة ثريا وجلادت وكاميران، إذ عملوا مع غيرهم من النشطاء والكتاب في إسطنبول في سبيل الاعتراف بالحقوق الكردية في الدولة التركية التقدمية حتى عام 1919، عندما بدأ مصطفى كمال حرب التحرير ضد القوات التحالف، شرع في نشر النزعة القومية العرقية التركية. وقتها انتقل ثريا بالفعل للانضمام إلى عمه مقداد لنشر أول صحيفة كردية في القاهرة، حملت اسم كردستان. من جهة أخرى، انطلق جلادت وكاميران من حلب مع الرائد في الجيش البريطاني الميجر نوئيل (E.M. Noel) أو ما عُرف ب لورنس الكردي، “للنظر في إمكانية إنشاء دولة موالية لبريطانيا في جنوب شرق الاناضول[7].” مع افتضاح مهمة نوئيل وطرده من طرف الكماليين في أيلول/ سبتمبر 1919، لم يكن لدى الأخوة البدرخانيين خيار سوى العودة إلى سوريا وإلى أجل غير مسمى لمواصلة جهود الدعاية لصالح الأمة الكردية.

هاوار/ Hawar (الصرخة)، أول صحيفة باللغة الكردية تتبنى الحروف الأبجدية اللاتينية، فكانت أهم مساهمة للبدرخانيين في النهضة الكردية. تم إطلاقها في دمشق في عام 1932، وقد تم إيقافها بشكل متقطع على مدار السنوات اللاحقة، لكنها تلقت دعماً متجدداً من السلطات الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية وظهرت مرة أخرى بانتظام جنباً إلى جنب مع ملحقها المصوّر روناهي Ronahî/ النور بين عامي 1941 و1943. نشرت أخواتها روزا نو Roja Nû/ اليوم الجديد، وستير Stêr/ النجمة من قبل كاميران في بيروت من عام 1943 إلى عام 1946. جنبًا إلى جنب مع القاموس الكردي-الفرنسي الذي جمعه البدرخانيون بمساعدة المستشرقين الفرنسيين وضابطي الانتداب روجر ليسكوت وبيير روندو، عملت هذه المنشورات على توحيد القواعد والكتابة الحديثة للكرمانجية الكردية، وقدمت مرجعاً مشتركاً هاماً للكرد المتعلمين في جميع أنحاء المنطقة[8]. لم يكن اهتمامهم بأي حال من الأحوال تجاه الكرد، أو تجاه المجتمع الكردي في سوريا. استجابت هاوار بدايةً إلى تطرف القومية الاثنية في تركيا، وبشكل خاص بُعيد الإعلان عن نشر التاريخ التركي في عام 1932، وقد خدم البدرخانيون بدورهم في توضيح الهوية الآرية للأكراد واختلافهم عن العرق التركي. بناءً على طلب السلطات الفرنسية، كانت الصحف غير سياسية من حيث المضمون، وعلى أية حال غير مفهومة بالنسبة للعديد من الكرد، خاصةً في شمال غرب سوريا، لأنها كرست الهوية البوطانية (اللهجة الجزرية) للبدرخانيين باعتبارها اللهجة الكرمانجية القياسية. يهدف رعاية جلادت وكاميران للنهضة الكردية في سوريا في نهاية المطاف إلى بناء وتوحيد رأسمالها الاجتماعي في إطار القومية الكردية الناشئة، وهي خطوة أولى مهمة في استعادة الدور الذي كانت تتمتع به العائلة كقاعدة لدولة شبه مستقلة في الماضي[9].

درس كل من جلادت وكاميران في ألمانيا، أمضى كاميران معظم وقته في باريس، في الواقع انتقل لتدريس في (INALCO) بعد أن حصلت سوريا على استقلالها عام 1946. كانت أغلبية أراضيهم في سوريا ضمن ما يعرف بالجزيرة اليوم، والتي كانت ذات يوم مرتبطة بإمارة بوطان، حيث كانوا يأملون في إعادة إحياءها بمساهمة الفرنسيين[10]. غير أن أعضاء آخرين من عائلة بدرخان، تجذّروا بشكل أعمق في البلاد. على الرغم من أنهم كانوا أقل شهرةً وبالتأكيد كُتب القليل عنهم اليوم، إلا أنه يمكن القول أنهم لعبوا نفس القدر من الأهمية في تطوير الهوية الكردية في سوريا. على سبيل المثال، بدري باشا، كان أكبر أبناء بدرخان ووريث الإمارة. ينحدر بدري باشا من طرف والدته من قبيلة أنكوس اليزيدية، وقام بجمع 3000 جندي في سوريا من أجل الحرب العثمانية عام 1877-1878. إلا أنه كذلك نفي إلى سوريا لدوره في تمرد لاحق في الأناضول، لكنه منح ليكون حاكماً مطلقاً على منطقة حوران المضطربة وشغل مناصب في طرابلس وحماة، وكانت كلتا المدينتين لا يزال فيهما عدد كبير من السكان الكرد في ذلك الوقت[11]. كما تم تعيين أقارب آخرين في القنيطرة ودرعا والقدس وحاصبيا وحصن الكرد في الثمانينات من القرن التاسع عشر. تقدم مذكرات ابن أخ بدري، وصهره، محمد صالح بدرخان، والذي خدم والده في شركة التبغ (régie) في اللاذقية، ثم السويداء، وأخيرًا في النبك، صورة مفصلة غنية لطفولة قضاها في سوق ساروجة والقيمرية في دمشق ومعارف العائلة من الكرد هناك. فيما بعد، وكتقليد عثماني كلاسيكي سيرافق صالح ضمن قوة من المجندين الكرد[12]، إضافة إلى إدارة الأعمال التجارية لعمه متنقّلاً بين مناطق الدروز في حوران والشيعة في بعلبك. وأخيراً، كانت روشن، ابنة محمد، من أشهر دعاة الثقافة الكردية في البلاد. كعضو في الاتحاد النسائي السوري ومندوبة في المؤتمر العالمي للمرأة عام 1944 في القاهرة، تزوجت روشن من جلادت بدرخان وشاركت بنشاط في حياته العملية، وبعد وفاته، واصلت الكتابة عن القضايا الكردية والمشاركة في المؤتمرات الدولية بالإضافة إلى العمل كمدرسة. في عام 1956 ساعدت في تأسيس  جمعية بإسم(Komela Zanisti à Alikariya) جمعية التعليم والدعم في حلب وظلت مشاركة نشطة في اتحادات نساء الكرديات في سوريا والعراق حتى وفاتها عام 1992[13].

خويبون والنفور منها

انعكست الانقسامات بين المقاربات الدولية والمحلية على التحرر الكردي في سوريا، وفي داخل أروقة جمعية خويبون أيضاً. تأسست خويبون (Xwebûn) [كن نفسك، الهوية] التي جمعت البدرخانيين وغيرهم من القوميين الكرد البارزين بعد انهيار تمرد شيخ سعيد، تأسست في بيروت عام 1927من أجل الإعداد لتمرد أكبر وأكثر منهجية ضد الحكومة التركية، وذلك في آغري داغ/ آرارات (Ağrı Dağ (Ararat)) في عام 1930. لقد عملت عن كثب مع منظمة طاشناق الأرمنية الانفصالية لكنها سرعان مع تعارضت مع سلطات الانتداب الفرنسية، في تلك القضايا التي يمكن أن ترتبط بالمسألة الكردية المحلية في سوريا. لذا انسحب البدرخانيون من القيادة السياسية في خويبون، غير أنهم فضّلوا تلقي الدعم الفرنسي لمنشوراتهم التي من المستغرب أنها لم تذكر الأراضي السورية كجزء من كردستان. لقد منعهم الفرنسيون شخصيًا من السفر إلى شرق من نهر الفرات في الجزيرة[14]. مع ذلك، فقد شارك الأعضاء الآخرون من خويبون بنشاط في السياسة في سوريا. ربما يكون قدري جان، أشهر شاعر كردي بين أبناء جيله، كان قد هرب إلى سوريا من تركيا حوالي عام 1928، بعد تعلمه اللغة العربية والالتحاق بالجامعة في السلمية، عمل مدرسًا في أنطاكيا، حيث اتصل هناك مع الحركة القومية العربية، ثم انتقل إلى القامشلي وأخيراً إلى حي الكرد (الحي الكردي؛ اليوم ركن الدين) في دمشق. لقد كان مساهمًا بشكل منتظم في هاوار وكانت له صلات مع القوميين الكرد في العراق، لكنه انضم سياسياً في عام 1944 إلى الحزب الشيوعي السوري. أمضى عدة سنوات في سجن المزة، ولاسيما من عام 1959 إلى 1961، في فترة الجمهورية العربية المتحدة[15]. المثال الآخر، علي زلفو آغا، ابن تاجر للماشية من ديار بكر/ آمد، انخرط في أنشطة معارضة ضد الفرنسيين في دمشق في عام 1925 قبل أن تعتقله تركيا لدوره في تمرد كردي هناك. انضم بعد ذلك إلى خويبون وأصبح زعيماً/ قائداً (boss (za im)) في حي الكرد، مستخدماً مكانته القبلية لتعزيز (جمعية المساعدة التعاونية الكردية) ومواصلة إثارة التمرد ضد الفرنسيين[16].

في المحصلة، شهد معظم الكرد في سوريا مقاومة ضد الكماليين ومقاومة ضد الامبريالية الفرنسية في نفس الوقت. صحيح أن الاقطاعي الكردي وزعيم المقاومة ضد الفرنسيين، إبراهيم هنانو، الوحيد الذي تحالف مع القضية الوطنية السورية بعد فشل مسعاه في استعادة السيادة العثمانية على حلب بمساعدة لجان الدفاع التركية في عام [17]1921. مع ذلك، لم يشترك سكان الريف في الجزيرة، أو في حي الكرد الدمشقي هنانو ولم يشاطروه مسعاه هذا، ولا حتى البدرخانيين ذوي الخلفية المتأثّرة تركيا الفتاة والمُثل الحداثية. ولعل ما يشير إلى ذلك، أنه كان من ضمن مجموعة مكونة من 13 متمرداً من حي الكرد أعدمتهم فرنسا في عام 1926 لدورهم في الثورة السورية الكبرى، كان نصفهم من أعضاء من قبائل المِلّية، أو رشوان، أو البرازية، وقبائل أخرى تجذرت منذ فترة طويلة في الشمال في سوريا[18]. بشكل خاص بقي الملّية على وجه الخصوص أهم تجمع قبلي كردي مهيمن على الأراضي السورية بعد الحرب العالمية الأولى، وهو ما يشير إلى تأثير نفوذهم من خلال “جمعية خيرية لقبيلة الملّية” في حي الكرد خلال الانتداب الفرنسي[19]. ننتقل بعد ذلك إلى وجودهم التاريخي ومساهمتهم في تطوير الهوية الكردية في سوريا.

·      السياسات القبلية العثمانية في شمال شرق سوريا

       دعمت العديد من قبائل الأناضول التي استقرت في سوريا بعد عام 1925 “القومية القبلية” الكردية، وفي نفس الوقت تعاونت بنشاط مع السلطات الفرنسية. حاجو آغا، من عشيرة هفيركان، المثال الأكثر شهرةً، انضم إلى خويبون بعد فراره من طور-عابدين في عام 1926، ولكنه مثل البدرخانيين سرعان ما كرّس اهتمامه على الشؤون الزراعية وبشكل خاصة على تطوير حيازات جديدة للأراضي في الجزيرة العليا تحت رعاية الفرنسيين[20]. على العكس، كان الكرد الملّية متجذرين تاريخياً بعمق أكبر في المنطقة، وبالتالي يمكن القول، أن العلاقة كانت أكثر تناقضاً مع كل من الانتداب الفرنسي وكذلك مع القضية الكردية الدولية. تم ذكر الملّية (الملّان، ميلو) في المصادر العثمانية من القرن السادس عشر وما بعده، عندما سيطروا على الهضبة الجنوبية ل قرةج داغ (Karaca Dağ) وما يتم نقل بشكل متكرر إلى (voyvodalık) حاكم المقاطعة بالقرب من ماردين على وادي الخابور، وهو جزء من ولاية ديار بكر[21]. وابتداءً من أواخر القرن السابع عشر، خضعوا لصلاحيات مشروع استقرار القبائل الرحل في الإمبراطورية، وتم اجبارهم على الاستقرار أولًا حول آمد، وبعدها في ولاية الرقة. ولكنهم غالبًا ما كانوا يغادرون هذه الأراضي المخصصة لهم ويعودون إلى شمال إلى المراعي الأفضل، لذا اكتسبوا سريعاً على سمعة كونهم من بين القبائل الأكثر تمرداً في برنامج توطين الرقة (Rakka iskanı). في عام 1723، على سبيل المثال، اُتهمت مجموعة من الملّية الكرد بتدمير حدائق وسرقة الماشية في مرعش بعد أن هربوا من الرقة وأوروفا، وسلبوا إمام في آرغاني (Ergani) 300 من الأغنام، ما أثار احتجاح رسمي ضدهم في إسطنبول. وفي مناسبات أخرى، فرض الملّيون ضرائب على القبائل وقمعوا تلك القادمة من جنوب الرقة للرعي في الشتاء[22].

في منتصف القرن الثامن عشر، حاولت الدولة العثمانية ضمّ زعماء الملّية القبليين في الرقة من خلال الاعتراف بهم على أنهم (iskan başı) أو قادة التوطين. لقد منح هؤلاء (iskan başıs) السلطة في فرض ضريبة على أتباعهم وكذلك مُنحوا السيطرة على القبائل الأخرى في المنطقة، لكن حتى هذا لم يمنعهم دائماً من مغادرة مناطق الاستيطان والإغارة على المدن والقرى التي يرونها مناسبة. مع الانهيار المتزايد للسلطة المركزية في الولايات، بدأت الملّية أيضًا في جذب انتباه الدولة بطرق شتّة. في عام 1758، اتهم محمود ابن كلش عبدي (Mehmûd bin Keleş Evdo) الإسكان باشي، بالدخول غير القانوني إلى وادي الخابور، ومصادرة امدادات الحبوب في (Mağdal) في الغرب من الحسكة حالياً، ونزع السلاح وإخضاع القبائل المحلية. بالإضافة إلى الخابور، حيث يزعم أنه كان يرمي إلى إنشاء سد على النهر، وقام بإنشاء سلسلة من المزارع والقرى، واستولى على المنطقة بأكملها لصالح الاتحاد الملّي[23]. لقد حال العثمانيون دون هذه المحاولة في إقامة إمارة شبه مستقلة، ولكنها كانت تمثل بداية الصعود السياسي للملّية فيما يعرف الآن بشمال شرق سوريا. استولى تيمور ابن محمود عمليّاً، الذي عرفه العثمانيون على أنه (iskan bas) على الرغم من تجاوزاته المستمرة في منطقة أورفا، على السلطة في المقاطعة بينما كانت السلطات الشرعية خارج الحملة في عام 1774، بعد ذلك بعامين، طلب الباب العالي منه المساعدة في المجهود الحربي ضد كريم خان زند في إيران[24]. كان قرار القبض عليه وإعدامه أمر يتكرر على مدار العقدين اللاحقين، بعد ذاك تمتّع تيمور بدعم جديد وقوي من والي بغداد. في عام 1800، قام العثمانيون، الذين شهدوا انحدار قوتهم في محيط الإمبراطورية، بتعيين زعيم الملّية رسمياً برتبة وزير (vezir) وحاكم لولاية الرقة[25].

·      الملّية ونهاية الإمبراطورية

كانت سيرة تيمور الملّي العثمانية قصيرة وغير مميزة. قدم دعماً لحملة عقابية قادها والي بغداد ضد القبائل في الجزيرة عام 1802، ولكنه أيضاً كان هدفاً لشكاوى عديدة لقمعه وسوء إدارته في الرقة وأورفا. تمت إقالته في عام 1803، حيث لجأ إلى مقاطعة الخابور، وبدأ على الفور في بناء تحالف جديد من القبائل لمساعدته في استعادة منصبه[26]. لقد توفي بعد ذلك بفترة قصيرة، لكن من الغريب أن هذا الفعل الأخير لمحاولة التمرد، وليس صعود عائلته الطويل إلى السلطة في المقام الأول، هو الذي تكرس في التاريخ باعتباره (المتمرد) الأسطورة المؤسس للاتحاد الملّي. المؤرخون المعاصرون للقبائل في سوريا لا يصوّرون تيمور بمحدّث إسكان باشا، ولكن بصفته من النبلاء العثمانيين وموظف مهني هرب إلى الاناضول وأسس إمارة شاسعة من القبائل الكردية والعربية- ويفترض أنها مكونة من ألف ملّة (Hezar Millet) بعد حرمانه من الامتيازات التي كانت له[27]. في الواقع، هذه الأسطورة، البعيدة عن التي تعكس تقليداً شفهياً حقيقياً، هي التي خدمت المسافر الإنكليزي (J.S. Buckingham) في زيارته إلى ابن تيمور وخلفه أيوب بك عام 1816، والذي ورد ذكره بعد ذلك في تاريخ ستيفن لونغريغ للعراق، ثم في مقال لمحمد أمين زكي المؤلف من مجلدين “تاريخ الكرد وكردستان” في عام [28]1931. على أية حال، استفاد الاتحاد الملّي من التفكك المستمر للسلطة الإمبراطورية العثمانية أكثر من خدمتهم للدولة. في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، شكلت ما يقارب من 50 ألف خيمة و20 ألف فارس تحت قيادة أيوب آخر حصن ضد أشرس هجمة لتحالف العنزة البدوي الوهابي باتجاه الشمال[29] في عام 1818، في وقت كانت السلطات العثمانية في وسط وجنوب سوريا تحذّر بدورها من أن الملّية مع حلفائهم البرازية الكرد يستولون على مناطق السهوب حول حماة[30].

غزو واحتلال سوريا العثمانية من قبل إبراهيم باشا المصري في عام 1831 ترك الكونفدرالية (الملية) واقعة حرفيًا بين امبراطورية ضعيفة ودولة مركزية جديدة حيوية. في البداية وقف أيوب باشا إلى جانب المصريين، وتعهدوا بالولاء لإبراهيم ومحمد علي في مقابل الاستمرار الاعتراف بصفته (أمير قبلي)، لكنه فشل في كسب ثقتهم وسرعان ما اشتكى من الإدارة الجديدة، التي كانت تمنع قبائله من التحرك في المراعي الصيفية التقليدية في الرقة[31]. حدث انشقاق داخل قبيلة الملية نفسها، وذلك بعد قيام أيوب بتحويل الولاء مرة أخرى، حيث قدم دعمه للعثمانيين عندما استعادوا السيطرة على الضفة الشرقية للفرات في عام 1834، ولكن وقعوا ضحية، مثل البدرخانيين، تحت حملة محمد رشيد باشا اللاحقة لتقليص نفوذ الامارات الكردية في المنطقة بالقوة[32]. خلال فترة اصلاح التنظيمات، تعرض زعماء الملية للملاحقة والسجن مراراً وتكراراً من قبل سلطات الولاية وشاهدوا العديد من أراضيهم في الجزيرة وقد استولى عليها اعداؤهم القدامى من الطيّ وخاصة من الشمر البدويين[33]. تفاصيل التاريخ الملي في هذه الفترة غير واضحة وغالباً ما تكون متناقضة؛ انخفض عددهم إلى بضع مئات من الخيام، مع ذلك يظهر زيادة الفاعلية في السيطرة على الدولة الحديثة وعلى محيط الامبراطورية الريفي والقبلي.

كانت عودة السلطان عبد الحميد الثاني إلى الزبائنية القبلية، كأساس للإدارة المحلية، هي التي مهّدت الطريق لإعادة ظهور الملية وتأكيد وجودهم في شمال سوريا. حفيد أيوب الكبير إبراهيم، والذي خلفه في الزعامة في عام 1877، فَهمَ أفضل من سابقيه (وحتى من معاصريه البدرخانيين) كيف ينال حظوة في القصر الامبراطوري وكذلك في نفس الوقت يثير إعجاب الأوروبيين بمعاملته المثالية للسكان المسيحيين في المنطقة. كانت النتيجة أن قاطع الطريق الملي كُرّم ليس فقط بغض طرف إسطنبول عنه، ولكن أيضاً حصل إبراهيم على لقب “الباشا” وقائد على خمسة أفواج حميدية في جنوب شرق الاناضول. مع وجود ستة آلاف من رجاله الذي تسلّحوا من قبل الحكومة، تمكن إبراهيم، من خلال مزيج من القوة والمحسوبية، من إخضاع أكراد كيكية (Kiki) وقرهكيجي (Karakeçi) والعرب القيس (الجيس) والطي بالكامل وحتى استيعاب جزء من الشمر في الاتحاد الملي. وبذلك يمكنه توفير مستوى غير مسبوق من الأمن لتجارة القوافل المربحة في المنطقة، وفي الوقت نفسه تجنب تأثير قبائله في المذابح الأرمنية في نهاية القرن. بحلول عام 1901، تكلم المراقبون الغربيون عن اعجابهم ب “الإمبراطورية الصغيرة” التي كان إبراهيم باشا يديرها من معقله في ويران شهر (Viranşehir) والتي امتدت جنوباً وصولاً إلى مصيف جبل عبد العزيز[34].

إلا أنه، جاءت النهاية سريعةً لامبراطورية إبراهيم باشا، عندما قطعت ثورة الشباب الأتراك علاقاته المتميزة بإسطنبول وأصبح هدفاً لحملة التقدميين المستعادة حديثاً لإعادة تأكيد السيطرة المباشرة على المحيط الشرقي. بالفعل ومع نهاية عام 1908، كان الاتحاد قد تفرّق بالفعل بعد موت إبراهيم باشا بينما كان يفرّ من القوات الحكومية بالقرب من الحسكة. تم قمع الملية بقسوة من قبل الاتحاد والترقي على مدار السنوات اللاحقة ولم يلعبوا أي دور مهم في الحرب العالمية الأولى، وعلى الرغم من أنهم في عام 1919 حصلوا على شكر من السلطنة العثمانية، لآخر مرة، لدفاعهم القوي عن منطقة ويران شهر ضد هجوم لقوات التحالف[35]. كانت الحدود الدولية الجديدة التي قررتها الحكومة الفرنسية والكمالية في أنقرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1921 قد قسّمت هذه المنطقة بشكل مباشر، تاركةً جزء كبير من أراضي أجداد الملية داخل أراضي الانتداب في سوريا.

·      ثورة الجزيرة عام 1937- 1938

بالنظر إلى طبيعة المصادر المتاحة، سيكون من الخطير أن ننسب إلى الكرد الملية، أو إلى أي جماعة قبلية أخرى موقفاً سياسياً واضحاً في أعقاب فوضى الحرب. أعلن دبلوماسيون بريطانيون في عام 1919 دعم الملية لإمارة كردية-أرمنية برعاية الانتداب البريطاني؛ المسؤولون الفرنسيون، كما هو متوقع صوّروهم على أنهم مؤيدون مبكرين ومتحمسين للحكم الفرنسي في سوريا[36]. في الواقع يبدو أن أبناء إبراهيم باشا قد صادقوا على عريضة تطالب بالاستقلال الكامل للأمّة العربية التي أرسلها زعماء القبائل في الجزيرة إلى لجنة كينغ كرين في دمشق في آذار/ مارس 1919، وعلى مدى السنوات التالية، كان الملّية أضعف كثيراً نتيجة الحرب، وبشكل عام كانوا خلف زعيم المقاومة المناهض للفرنسين الشهير حاجم (هاشم في اللهجة البدوية المحلية) ابن مهيد[37]. أمضى العديد من قادة القبلية بين السنوات 1922 حتى عام 1925 في تركيا، ولو أنهم أساساً كانوا هناك لرعاية ممتلكاتهم بدلاً من محاربة الكماليين. إلا أن محمود آغا الملّي كان في الواقع أحد الموقعين على تشكيل الامارة الكردية-الأرمنية التي اقترحها البريطانيون، ربما جزئياً بسبب المنافسة التي نشأت مع عائلة بدرخان على قيادة الحركة القومية الوليدة[38]. كما تجنب الملّيون الاتصال برابطة خويبون وكذلك تجنبوا الاتصال بالطاشناق، على الرغم من علاقاتهم بالمجتمع الأرمني، ولم يقدموا سوى دعم رمزي لثورة آغري داغ. كان محمد أغا، وفقًا لأحد مهندسي الرئيسيين للثورة، تم تعيينه قائداً للعمليات في المنطقة الرابعة (حول ويران شهر)، لكنه فشل، على الرغم من الوعود والتأكيدات المتكررة، في التحرك شرقاً لمساعدة قوات المتمردين الرئيسية خلال فصل الصيف الحاسم لعام [39]1930. في نفس الوقت، كما لاحظنا، كان رجال القبائل من الملية في حي الأكراد يشاركون بنشاط في الأنشطة المعادية للفرنسيين هناك. وبقدر ما كان الخيار العسكري لإعادة خلاصة الأراضي الكردية داخل تركيا قد استنفد بحلول عام 1930، تجنب الملّيون عموما الاشتراك في الأنشطة الثقافية والسياسية التي يقودها البدرخانيون بتوجيهيهم الدولي وبدلاً من ذلك ركزوا على إعادة بناء موقعهم التقليدي داخل سوريا.

في وقت كان الجزء الأكبر من قبيلة الملية قد استقرّ في نهاية المطاف على الجانب السوري من الحدود في رأس العين (سرى كانيه)، ومن المفارقات أن إعادة تأسيس مدينة الرقة من قبل السلطات الفرنسية عززت من فرص الملّية للظهور مجدداً داخل المجتمع السوري. نظراً لوجودها الطويل في المنطقة وخاصةً ارتباطها الوثيق بالعديد من المجموعات البدوية المحلية البارزة. برزت عائلة الملّي كواحدة من العائلات البارزة في المدينة. في الحقيقة، وما زالوا يمارسون نفوذهم في سياسات المدينة إلى اليوم، على الرغم من أنهم (أبو بالأحرى بسبب ذلك تحديدًا) قد اندمجوا لدرجة لم يعد يعتبرون مختلفين عرقيّاً عن بقية سكان المدينة الذين ما زالوا قبليين إلى حد كبير[40]. كما أنهم يتمتعون بشهرة معينة حتى يومنا هذا في بلدة القامشلي، التي بناها الفرنسيون في عام 1926 لاستيعاب اللاجئين من تركيا، حيث استولوا فيها على أراضي زراعية  يملكها الملّيون[41].

وجد هذا التناقض في الهوية تعبيراً كبيراً، أو ربما يكون حتى مزوراً في التمرد الانفصالي الذي هزّ الجزيرة في عام 1937- 1938. تم التعجيل بالتمرد بسبب اعتراف فرنسا المتوقع بحكومة سوريا وطنية مستقلة، وقد تشكّل التمرّد من أبناء الجالية المسيحية في الجزيرة والزعماء الكرد مثل حاجو آغا، ومعظمهم من الوافدين مؤخراً من تركيا، في الدعوة إلى الحكم الذاتي الإقليمي تحت حماية فرنسية مستمرة (أو حتى تركيا)[42]. تم تأييد التمرد في البداية من قبل محمود آغا[43]، ولكن دعم الملية تلاشى سريعاً بعد تصعيد القادة المسيحيين لمواجهتهم ضد حكومة دمشق وقصف القوات الفرنسية القرى الكردية ردّا على أعمال الشغب في القامشلي (الأصح عامودا). مرة أخرى، من الصعب التأكّد من مدى نشاط أفراد قبيلة الملية الفردي في الصراع وكيف ومتى، ولكن بحلول أواخر عام 1938، أصبحت الثورة مسألة بحتة للسكان المسيحيين الذين يبحثون عن ضمانات فرنسية ضد حكم ذا أغلبية مسلمة. تحلّق الملّيون بداية وعلى وجه السرعة حول حكومة الكتلة الوطنية وممثليها المحليين في الرقة وأجزاء أخرى من الجزيرة[44]؛ على عكس ال هفيركان والبدرخانيين، فإن الملية والبرازية وغيرها من المجتمعات الكردية التي تواجدت منذ فترة طويلة على الأراضي السورية قدّمت أيضاً شخصيات رئيسية في الحكومة الوطنية والجيش في سوريا المستقلة في الأربعينيات والخمسينيات.

·      الخاتمة

كان النضال من أجل تقرير المصير الكردي والهوية في سوريا بعد الحرب العالمية الأولى متعدد الأشكال. فمن ناحية، عملت سوريا، تحت الرعاية الفرنسية، كمركز لحركة فكرية أثّرت بشكل حاسم على الثقافة الكردية خارج حدودها والتي رسخت رموزها كقادة في المنفى في كسب مسعى دولي لتحقيق دولة مستقلة. من ناحية أخرى، ارتبط انقاذ أو بناء هوية مدنية كردية من حطام الإمبراطورية العثمانية في سوريا بالعناصر العربية (والمسيحية) في المنطقة قد تعارض مع التصاميم الامبريالية الفرنسية باسم المصالح الخاصة أو الضيقة أو المحلية، وأصبح ذلك مندمجاً تماماً في الدولة السورية الحديثة، ولكن لم يتم استيعابها بالكامل. هذا الاختلاف في النهج لم يكن مجرد وظيفة لعلاقات القرابة. دعم أعضاء الاتحاد الملّي الحربيّ التلقيديّ السياسات الفرنسية في الجزيرة عندما تحقّق هذا الغرض؛ وعلى نفس المنوال، كما رأينا، فان افراداً اقلّ شهرة في عائلة بدرخان انضووا في تنظيمات الحزب الشيوعي أو في الكتلة الوطنية في سوريا مع الحفاظ على تميّزهم الكردي. إذاً لم يكن هناك شيء آخر، فان هذا التنوع في التجربة يشير إلى الحاجة إلى فهم أفضل للخلفيات التاريخية للمجتمعات الكردية في سوريا. يمكن أن توفّر الوثائق الإدارية العثمانية على وجه الخصوص منطلقاً لتصحيح التاريخ الشفوي المحلي والقبلي، حيث يمكن استنباط الكثير من التقارير من مصدر موثوق إضافةً إلى تقارير السفر القديمة للرحالة الأوروبيين، كما تظهر أن الكثير من النخب القبلية المتمتعة بالحكم الذاتي كانت في الواقع نتيجة تأسيس الحكومة العثمانية لها. بالطبع كان الانتقال صعباً من مرحلة زعامة القبيلة إلى مرحلة التحرر السياسي وهذه السمة مميزة ليس فقط للأكراد فحسب، بل في تشكيل الدولة الحديثة في الشرق الأوسط بشكل عام. مع الأخذ في الاعتبار الاستمرار من الحرمان من الحقوق الأساسية للمواطنة لجزء كبير من السكان الكرد في الجزيرة في سوريا منذ عام 1962 كما يجدر التأكيد[45] على أنه ليس فقط الوجود الكردي هو جزء مهم في التاريخ السوري، ولكن أيضًا تشكيل القومية الكردية بأشكالها المختلفة.

مخطط للقادة الاتحاد المللي الكرد في سوريا

كلش عبدو
بشار (1751) محمود (1760)
عمر (1766-1768)؟ تيمور باشا (1804)
أيوب بك (1834)
تمو (تيمور) بك (1840)
ممو (محمود) بك (1878)
إبراهيم باشا (1908)
محمود آغا (1945)

==============

  • العنوان الأصلي: THE OTHER NAHDAH: THE BEDIRXANS, THE MILLIS AND THE TRIBAL ROOTS OF KURDISH NATIONALISM IN SYRIA
  • مجلة الشرق الحديث (86)، العدد الثالث عام 2006، ص 461-474/

Volume 86 (2006): Issue 3 (Aug 2006) –https://brill.com/view/journals/ormo/86/3/ormo.86.issue-3.xml?lang=en
———————


[1] On the Botan emirate’s origins see especially Martin van Brunessen, Agha, Shaikh and State: The social and political structure of Kurdistan, London and New Jersey, Zed Books, 1992, p. 177-178; Martin Strohmeier and Lale-Yalcin Heckmann, die Kurden: Geshichte, Politik, Kultur, Munich, Beck, 2000, p. 61-69.

[2] Hakan Ozoglu, Kurdish Notables and the Ottman State: Evolving Identities, Competing Loyalities, and Shifting Boundaries, Albany, SUNY, 2004, p. 47-59.

[3] Basbakanlik Archives, Istanbul: Muhimme Defteri 3:129; 5:389-390, 697; 12:298; 14:919, 920; 16:264; 24:233; 26:226, 228, 289; 34:115. Kurdish names are transliterated according to standard modern Kurmanci orthography.

[4] The only larger group of this name in Ottoman sources, the Azizli of central Anatolia, apparently belonged to the Reswan confederation. See Cevdet Turkay, Basbakanlik arsivi Belgelerine Gore Osmanli Imparatorlugu’nda Oymak. Asiret ve Cemaatlar, Istanbul, Isaret Yayinlari, 2001, p. 187.

[5] Bruinessen, Agha, Shaikh and State, p. 178-180; Malmisanji, Cizira Botanli Bedirhaniler, Istanbul, Avesta. 1994, p. 45-96; Salah Salaim Haruri, * إمارة بوتان في عهد الأمير بدرخان 1821- 1847: دراسة تاريخية سياسية، أربيل، مؤسسة موكرياني 2000  كاميران عبد الصمد احمد الدوسكي، كردستان العثمانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، دهوك، سبيرز، 2002 ص. 108-153؛ Ozoglu, Kurdish Notables. p70-72

[6]Malmisanji, Bedirhaniler, p. 129-146; Ozoglu, Kurdish Notables.p 95-100. On the KTTC and its members’ activities, see rohat Alakom, Eski Istanbul Kurtleri (1453-1925), Istanbul, Avesta. 1998, p. 95-111, 227, 231; Martin Strohmeier, Crucial Images in th Presentation of a Kurdish National Identity: Heros and Patrios, Traitors and Foes, Leiden-Boston, Brill, 2003,p. 36-55.

[7] David McDowall, A modern History of the Kurds, London- New York, I.B Tauris, 1996, p. 128-129.

[8] See, in addition to the works already cited, Husen Hebes, Raperîna şanda Kurdî di kovara Hawarê de, bonn, Belavgeha Hohir, 1996; صالح سليم هروري، الأسرة البدرخانية، دهوك، سبيرز 2003; Le mouvement kurde de Turquie en exil: Continuités et discontinuités du nationalisme kurde sous le mandat français en Syrie et au Liban (1925-1946) unpublished EHESS/ university of foribourg doctoral dissertation 2004.

[9]The Bedirxans investment in the Kurdish Cultural renaissance’ Tejel concludes, “can be seen as a symbolic struggle to change the categories of perceiving… the social world and as a strategy for establishing a shared belief in the Bedirxans prestige… so that the gains made in the field of culture can be reinvested in the field of politics in order to purse the bedirxans political goals… an independent Kurdistan under their direction, Kurdish unity for their benefit and support of a foreign powers” Le mouvement kurde.

[10] “Correspondance des Freres Bedir-Khan et Pierre rondot”, Etudes Kurds3 (2001), p. 83

[11]Malmisanji, Bedirhaniler, p.127-129

[12] Mehemet Salih Bedir-Han, Defteri A’malm: Mehmet Salih Bedir-Han’in Anilari. Ed Mehmed Uzun and Rewsen Bedir-Han, Istanbul, Belge, 1998, p. 47-63, 79-82.

[13]Malmisanji, Bedirhaniler, p 211-221.

[14] “Correspondance des Freres Bedir-Khan et Pierre rondot”, Etudes Kurds5 (2003), p. 71-74.

[15] Qadri Gan, الكاتب الكردي قدري جان, (1911-1972): قصص ومقالات، شعر، تراجم دلاور زنكي، ترجمة هورامي يزدي و د. زنكي، أربيل، دار آراس 2001، ص 15-19.

[16]عز الدين ملا رسول “حي الكرد في مدينة دمشق بين عامي 1250-1979: دراسة تاريخية، اجتماعية، اقتصادية، دمشق- بيروت، دار آسو 1998، ص 132-133.

[17] Jean-David Mizrahi, “De la petite guerre a la guerre d’independence: pratique et expertise de la querilla dans l’Empire ottoman finissant (1908-1923)”, Revue Historique des Armees 66/2 (2003), p.74-75; Keith Watenpaugh, Being Modern in the Middle East: Revolution, Nationalism, Colonialism and the arab Middle Calss, Princeton University Press, 2006, p, 174-182.

[18]ملا، حي الكرد ص 141

[19]تيجيل، الحركة الكردية ص 263.

[20] Nelida Fuccaro, “Die Kurden Syriens: Anfange der nationalen Moblisierung unter franzosischer Herrschafi”, in Carsten Borck et al., eds., Ethnizitai, Nationalismus, Religion und Politik in Kurdistan, Munster, Lit, 1997, p. 316, 321-323.

[21] On the Millis’ origins see now especially Ercan Gumus, “XVI. Yuzyildan XIX. Yuzyila Kadar Mardin Idaresinde Milli Asireti ve Asiretin Nufuz Mucadeleleri”, in Ibrahim Ozcosar and Huseyin Gunes, eds., I. Uluslararast Mardin Tarihi Sempozyumu Bildirileri, Istanbul, s.s., 2006, p. 815-829.

[22] Basbakanlik Archives: Sikayet Defteri99:127; Ahkam-I Cezayir ve Rakka 24:36, 40B, 68.

[23]Stefan Winter, “Die Kurden Syriens im Spiegel osmanischer Archivquellen (18. Jh.)”, in Siamend Hajo et al., eds., Syrien und die Kurden: Vom osmanischen Reich bis in die Gegenwart Münster, Unrast, 2007

[24] Ahkam-I Cezayir ve Rakka 24:210, 221, 229A-229B, 238; Muhimme Defteri 173: 137-138, 283-284; 174:35; 175:138-140.

[25] Muhimme defteri 178, passim; 213:29-30. See also Necdet Sakaoglu, Anadolu Derebeyi Ocaklarindan Jose Pasa Hanedani, Istanbul, Tarih Vakfi, 1998, p.90-104.

[26]Stephen Longrigg, Four Centuries of Modern Irag, Oxford University Press, 1925, 211, 223; Sakaoğlu, Anadolu Derebeyi, 156-160

[27]Ahmad Wasfi Zkariyyā, ‘Aša ir al-Sam, Damascus, Dar al-Fikr, 1997 (new ed.), p. 664;’Abd al-Hamid Muhammad al-Hamd, Aia’ ir al-Ragqah wa ‘L-Gazirah: al-tarih wa’L-maw- rüt Raqqah, s.n., 2003, p. 419-420, 422-423. See also the fictionalized account of Timůr’s life in Husayn Amin, Duriš Avdi wa ‘udil milli: riwayah min al-turat al-ša bi al-kurdi, Beirut- Erbil, Kawa, 2004

[28]J.S. Buckingham, Travels in Mesopotamia, Londori, Henry Colburn, 1827, p. 165-166; Longrigg, Four Centuries, p. 211-212; محمد أمين زكي، تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور حتى الآن، ترجم عن الكردية، محمد علي عوني، بيروت، هوشنك قرةداغي، 1985، 1:219-220 النسخة الثالثة.

[29]Buckingham, Travels, 2, 95-99, 111, 157-158; Cabi Omer Efendi, Cabi Tarihi (Tarihi Sultan Selimi Salis ve Mahmudi Sani), ed Mehmet Ali Beyhan, Ankara, Turk Tarih Kurumu, 2003, p.589.

[30] Basbakanlik archives: Hatti Humayun 24535; Cevdet Dahiliye 13964.

[31]أسد رستم، المحفوظات الملكية المصرية، المجلد الرابع، بيروت المكتبة البوليسية 1986-7 النسخة الثانية# 1418-1419. 1771-1772. 2304-2305.2993.3182.

[32]رستم، محفوظات# 3640.3729.3979; Longrigg, four centuries, p.286.

[33]Zaki, Tarih, p. 222-223; cf. Kämil al-Gazzi, Nalr al-dahab fi tarih Halab, Aleppo, Där al-Ilm al- arabi, 1999 (2nd imprint.), p. 373-376.

[34] Mark Syke, “A report on Ibrahim Pasha, and the present state of Western Mesopotamia”, Public Records Office: FO 424/208, p, 65-68 (reproduced in Klein); Sykes, “Kurdish Tribes;” M. Wiedemann, “Inrahim Paschas Gluck und Ende: Eine Episode aus den Kurdenkampfen in Klein-Asien”, Asien 8-3 (1908), p. 34-37; Bruinessen, Agha Shaikh and State, p. 187-189; Janet Klein, Power in the Periphery: The Hamidiye Light Cavalry and the Struggle over Ottoman Kurdistan, 1890-1914 (unpublished Princeton University doctoral thesis, 2002), p. 195-213.

[35]أحمد، عثمان أبو بكر، كردستان في عهد الإسلام (بعد الحرب العالمية الأولى) بون، كاوا، 2002، ص. 191، 194

[36]Abu Bakr, Kurdistän, p. 242; Pierre Rondot, “Les Kurdes de Syric”, France Méditerra- néenne et Africaine, 4-1 (1939), 104; Christian Velud, Une expérience d’administration régio- nale en Syrie durant le mandat français: conquête, colonisation et mise en valeur de la Gazira, 1920-1936 (unpublished Université de Lyon II doctoral dissertation, 1991), p. 59-60, 83, 110, 219

[37]Salih Hawwäš al-Maslat, Safahat mansipyah min nidal al-Gazirah al-Siüriyyah, Damascus,dar ala al-din, 2001, p. 48, 86, 89.

[38]أبو بكر، كردستان، ص 97و144; see also Vahe Tachjian, La France en Cilicie et en Haute-Mesopotamie: Aux confins de la Turquie, de La Syrie et de l’Irak (1919-1933), Paris, Karthala, 2004, p.337.

[39]زنار سلوبي (قدري جميل باشا)، في سبيل كردستان (مذكرات) ترجمة أر. علي فالينبوي، سويد، كاوا بيروت، دار الخطيب 1987، ص 155. CF Tachjian, La France en Cilicie, p.384-386. The Millis’ failure to support the Ararat revolt is corroborated by Turkish officials, who claimed that Milli and other Kurdish leaders inside Turkey were in fact collaborating with the government. See al-Ahrar, 21 August 1930, reproduced in Konê Res, Gam iyyat Huybün 1927 wa waga i tawrat Ararat 1930, Irbil, Mu’assasat Mükriyäni, 1998, p. 173.

[40]Suniya Farra and Luc Deheuwels, Al-Raggah wa ab aduha al-iğtima iyyah, trans. Abd al-Rahmän Hamidah, Damascus, Culture Ministry, 1982, p. 33-35, 71; Myriam Ababsa, “Mise en valeur agricole et contrôle politique de la Vallée de l’Euphrate (1865-1946): Étude des rela- tions État, nomades et citadins dans le caza de Raqqa”. Bulletin d’Etudes Orientales 53-54 (2002), p. 465-466; al-Hamd, Ala’ ir, passim.

[41]Konê Res, Kitäb al-Qamišli: Madinat al-mahabbah wa l-ta awnun wa ‘l-iha, Aleppo, Markaz al-Inma’ al-Hadäri, 2004, p. 54-55.

[42]See Stephen Longrigg, Syria and Lebanon under French Mandate, London, etc.: Oxford University Press, 1958, p. 247-25 1; Philip Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationaldism 1920-1945, Princeton University Press, 1987, p. 525-534.

[43]زكريا، عشائر الشام ص. 663-664

[44]المسلط، صفحات منسية، ص. 193، 229-233.

[45]الجزيرة، مقابلة مع الرئيس بشار الأسد، ا أيار/ مايو 2004.