جديد الموقع

تُركيا تُعقِّد الأزمة السورية عِبر «آستانا»…
م. محفوظ رشيد*

بحكم الجوار الجغرافي والتواصل الديموغرافي فإن لتركيا تأثير مميز وفعَّال في إدارة الأزمة السورية والتحكم بمسار الحراك فيها، فقد احتضنت مختلف قوى المعارضة منذ البدايات، وفرضت عليها الطابع العسكري الارهابي، والنهج الإخواني الطائفي الراديكالي، واحتوتها واستخدمتها عملياً في تنفيذ أجنداتها، والأنكى هو اشراكها في احتلال أجزاء من الأراضي السورية من عفرين إلى رأس العين تحت شعارات زائفة وإدعاءات كاذبة.

لقد كانت أبرز أهداف تركيا هو منع انتقال موجات «ثورات» الربيع العربي إلى داخلها، ومنع حصول أية تغيرات إيجابية على الأصعدة السياسية والاقتصادية في دولها ولا سيما سوريا، ومنع تكرار تجربة العراق الفدرالية الديمقراطية على حدودها بتشكيل كيان كوردي في الشمال السوري على غرار إقليم كوردستان، وكذلك لتحسين موقعها ودورها كلاعب اقليمي أساسي في ترسيم الخارطة السياسية للمنطقة، وما جاء على لسان أحمد طعمة رئيس وفد الائتلاف في «آستانا» إلا اعتراف واضح وصريح بأنهم جنود أوفياء ومرتزقة تحت الطلب في تنفيذ سياسات تركيا على حساب المصلحة الوطنية والسيادة السورية.

تكرار الحديث عن زيادة المساعدات الانسانية، والافراج عن المعتقلين والمختطفين، وتسهيل عودة النازحين والمهجرين في جميع جولات «آستانا»، يدل على إدامة المقتلة السورية، ويظهر مدى عمق الخلافات بين الأطراف الضامنة على شكل وآليات الحل النهائي للأزمة السورية في ظل استمرار العمليات العسكرية في مناطق خفض التصعيد (إدلب) وشمال شرق الفرات- روژآڤا (مناطق الادارة الذاتية).

في الظاهر، يبدو النظام منتصراً في «آستانا» بالمقارنة مع المعارضة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة سياسياً وعسكرياً وحتى من خلال اللجنة الدستورية، ولكن من منظار وطني مستقبلي، فإن الدولة السورية بأرضها وشعبها ونظامها متجهة نحو مصير غامض ومجهول، لأنه مرهون بحقيقة الاتفاقات والصفقات المبرمة بين الأطراف المتصارعة عليها وبمآلاتها النهائية، فتركيا تقضم أراضيها من حملة لأخرى تحت مسميات «درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام»، وتبسط سيطرتها كاملة عليها، وترفع فيها أعلامها وتفرض فيها لغتها وعملتها وقوانينها… أما إيران فتعزز حضورها اقتصادياً وعسكرياً بأسلوب آخر عبر أبواب مشرعة ومشرعنة من قبل دمشق، وهما دولتان معارضتان وممانعتان لأمريكا وروسيا اللتان تتنافسان على تقاسم النفوذ على المناطق عبر تواجدهما العسكري على الأرض، وبخاصة روسيا التي تسعى لتأهيل النظام وتثبيت أركانه وفق معاييرها ومصالحها الخاصة.

تم تشكيل اللجنة الدستورية بعد توافق دول محور «آستانا» تحت غطاء أممي، واعتبارها خطوة على طريق تنفيذ القرار الأممي /2254/، ولكن الاختلاف في جدولة الأولويات والأساسيات، وتحديد الآليات والاجراءات، وكذلك على شكل إدارة الجلسات ومكان انعقادها بين وفدي النظام والمعارضة حالت دون انعقاد الجلسة الثانية لاستكمال أعمالها. كما أن نجاح دور الموفد الأممي «غير بيدرسون» يتوقف على توافق الأطراف المشاركة في مؤتمر جنيف ومجلس الأمن  الدولي بالرغم من حضوره الشكلي (شاهد زور) لجولة «آستانا» الرابعة عشرة.

إن وقف الاجتياح التركي بشكله الحالي غير ثابت وغير دائم بسبب التواجد العسكري لكل من روسيا وأمريكا في مناطق شرق الفرات بموجب اتفاقاتهما الثنائية مع تركيا، ولأن الترتيبات الجارية على الأرض متغيرة ميدانياً ويومياً وفق طبيعة المستجدات من العوامل والظروف على الساحتين الاقليمية والدولية في ظل تصاعد المعاناة والمآسي والويلات وتفاقمها في المناطق التي احتلتها القوات الغازية التركية والعصابات الارهابية الموالية لها وما تثيرها من ردود أفعال عالمية معارضة ومنددة لها، حيث ترتكب فيها أبشع وأفظع الجرائم من قتل وتدمير وخطف وتهجير وتعفيش… لإجراء تغيير ديموغرافي وفرض واقع جديد مختلف وبديل عن الوضع السابق التاريخي الأصيل.

* جريدة الوحـدة – العدد 315 – كانون الأول 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).