جديد الموقع

غزوة “نبع السلام” ومخاطرها الكبرى على سوريا وكُردها

بدرخان علي*

يك.دم 24 تشرين الأول 2019

في التاسع من الشهر الجاري، أطلقت تركيا عدوانها العسكري المباشر الثالث على سوريا، بعد “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، وهذه المرّة تحت مسمّى” نبع السلام”. الحملات العسكرية الثلاث استهدفت بشكل مباشر القضية الكردية، فعملية “درع الفرات” في العام  2016  استهدفت قطع التواصل بين مناطق قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تتشكل من “وحدات حماية الشعب “YPG” الكردية وحلفاء عرب وسريان، في ذروة تمددها في شمال سوريا إبّان الحرب على داعش.  أما العدوان الثاني المسمّى بـ “غصن الزيتون” في 2018،  فقد نجح في احتلال منطقة جبل الأكراد (عفرين) ذات الغالبية الكردية المطلقة في شمال غرب حلب، وإجراء تغيير ديمغرافي واسع  النطاق فيها .

ويهدف الغزو التركي الحالي إلى ثلاثة أهداف رئيسية:

الهدف الأول: القضاء على النهوض الكردي في سوريا وتبلور المسألة الكردية عبر الإدارات الذاتية في شمال وشرق سوريا، وقوات سورية الديمقراطية ( قسد) التي تشكل “وحدات حماية الشعب” الكردية عمودها الأساسي؛ إذ إنّ الحكومة الحالية بقيادة أردوغان ظلت وفيّة للنهج العنصري والإنكاري الذي قامت عليه الجمهورية التركية المعاصرة.

وعلى هذه الخطى، تخوض سياسة رامية لتصفية القضية الكردية كُلياً داخل تركيا وخارجها، منذ تملّص الرئيس التركي أردوغان وحزبه الحاكم والدولة العميقة من الهدنة الهشة قصيرة الأمد التي كانت جرت في مسار توجه النخبة التركية لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي. واستدعت هذه الخطوة تطبيق بعض معايير حقوق الإنسان، بإعلان الجانب الكردي وقف إطلاق النار وبوادر حسن نية عديدة لإنجاح مفاوضات السلام نجم عنها تخفيض مستوى العنف في البلاد، وإجراء مفاوضات سرية مع قيادات حزب العمال الكردستاني في أوسلو، ومع زعيم الحزب المعتقل في جزيرة إيمرالي التركية، عبدالله أوجلان. مع التطورات في سوريا وتعثّر مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي وبوادر بروز قوة كردية في سوريا، عادت الدولة التركية إلى “الطبع الذي يغلب التطبّع” دوماً وسياسة العقل العميق الذي يوجه سياسات الجمهورية التركية الحديثة إزاء المسألة الكردية، بصرف النظر عن الفريق الحاكم، أي حملات الإبادة والتصفية والقضاء على الروافع النضالية الكردية داخل تركيا وسوريا، وفي العراق، إبان استفتاء كردستان العراق 2017 حيث أُجهضت التجربة قبل أن تبادر تركيا إلى التدخل عسكرياً للقضاء عليها كما هددت الحكومة التركية علناً.

ولتحقيق هذا الهدف السياسي الخطير والخطة الطموحة جداً، تعلن الحكومة التركية عن خطة بالغة الخطورة هي جوهر ما تطلق عليه  عملية “نبع السلام” الجارية تحت مسمى “المنطقة الآمنة”، وتقوم على الاحتلال العسكري المباشر على مسافة تقارب  450 كيلومتراً – من مدينة منبج وحتى الحدود العراقية السورية التركية- وعرض  35 كيلومتراً، وإسكان حوالي مليوني لاجئ سوري من داخل تركيا في هذه المنطقة (وهم بمعظمهم من سكان مناطق سورية أخرى)، وقد حدد الرئيس التركي مساحة الأبنية والحدائق التي يرمي إلى بنائها من قبل شركة إنشاءات هندسية مقربة منه، ويطالب الاتحاد الأوروبي بتمويل هذه الخطة في سياق ابتزاز الدول الأوروبية المستمر بإطلاق اللاجئين السوريين نحو أوروبا إن لم يدعموا خطته هذه. مبدئياً تم احتلال مساحة تقارب 120 كلم، وعرض 30 كلم، بين مدينتي رأس العين (سري كانيه بالكردية) و تل أبيض.

ومن الواضح أنّ لهذه الخطة أهدافاً تتعلق مباشرة بتخفيض نسبة السكان الكرد في منطقة الجزيرة السورية (شرق الفرات) بعد طرد ما يمكن طردهم بالقوة، وإحلال لاجئين سوريين من مناطق أخرى في مكانهم. صحيحٌ أنّ جميع المكونات تعاني من العدوان العسكري وعرضة للقصف والقتل والنزوح، بيد أنه يصعب على أبناء المنطقة من المكون الكردي تحديداً العودة إلى ديارهم. أي تكرار تجربة “عفرين” الشنيعة في التطهير العرقي في منطقة عفرين ذات الكثافة الكردية المطلقة (شمال غرب حلب)، حيث انخفضت نسبة السكان الأصليين، الأكراد، من حوالي 97% قبل الاحتلال التركي إلى ما يقارب 35% من مجموع السكان بعد الاحتلال، جرّاء التهجير القسري والجرائم الممنهجة وإسكان سوريين من مجموعات سكانية عربية وتركمانية في منازل السكان الأصليين، قسم كبير منهم مسلحون موالون لها مع عوائلهم، في منازل السكان الأصليين المُهَجرين قسراً. وما تبقى من سكان المنطقة الأصليين، رغم صنوف الانتهاكات والجرائم، فهم أشبه بأسرى على أرضهم التي تحتلها ميليشيات سورية معارضة تعمل بإمرة الاحتلال التركي على استباحة المنطقة وأهلها.

ورغم المآسي التي جرت على الساحة السورية خلال السنوات الماضية من الحرب الطاحنة، وعمليات النزوح القسري في مختلف المناطق التي شهدت عمليات عسكرية، يمكن القول إنّ ما جرى في منطقة (عفرين) هو أحد أوضح وأعمق حالات التغيير الديمغرافي في سوريا؛ إذ رافق التهجيرَ القسري للسكان الأصليين إحلال لمجموعات سكانية من خارج المنطقة المُستهدفة وتوطينها في أماكن المهجرين قسراً.

وإذا نجح المخطط الراهن في منطقة الجزيرة السورية (شرق الفرات) ستعمل الحكومة التركية على تفريغ المناطق والبلدات ذات الأغلبية الكردية وإسكان سوريين من مناطق أخرى في مكانهم بحيث يتم تشكيل حزام (عربي- تركماني) بين كرد سوريا وكرد تركيا. والقضاء على القضية الكردية في سوريا، بل الوجود الكردي نفسه.

نحن أمام خطة بعيدة الأهداف تقوم على إجراء هندسة اجتماعية عميقة، تعيد إلى الذاكرة عمليات التبادل السكاني والتطهير العرقي داخل تركيا في بدايات القرن المنصرم.

الهدف الثاني: أطماع توسعيّة للدولة التركية في شمال سوريا، وفق مزاعم تاريخية تعود للفترة العثمانية، وتأمين أكبر منطقة نفوذ في سوريا الجريحة، حيث تستولي القوات التركية حالياً على مناطق متعددة في شمال غرب سوريا (جرابلس، إعزاز، الباب، عفرين) وهي تحت الاحتلال العسكري التركي المباشر مع فصائل سورية تديرها الاستخبارات التركية وتمولها وتدفع لها الرواتب الشهرية. وها هي الحكومة التركية تحاول السيطرة على مناطق في شمال شرق سوريا أيضاً، كي تضع يدها على كامل الشمال السوري، وتحقيق نفوذ أقوى في الأزمة السورية، وفرض شروطها على المُخرجات النهائية لحل الأزمة السورية وشكل وبنية النظام السياسي القادم. وأولها القضاء على الإدارة الذاتية القائمة في شمال شرق سوريا والتي يقودها الأكراد، وعدم منح الأكراد حقوقاً قومية متناسبة ضمن الوطن السوري.

الهدف الثالث: بالإضافة للحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى المذكورة، ثمة حسابات شخصية وحزبية أيضاً للرئيس التركي من وراء الغزو؛ فهو يهدف إلى تشكيل حشد واستنفار داخلي تركي حول مكافحة “التهديدات الإرهابية” المزعومة للأمن القومي التركي، يصب في مصلحة الرئيس أردوغان بعدما تعرض حزبه لانشقاقات وخروج قادة كبار من صفوفه، والأزمة المالية المتفاقمة داخل تركيا، وتوتر علاقات تركيا مع العديد من دول المنطقة (مصر، قبرص، اليونان، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية)  والعالم، والحديث المتزايد في الداخل التركي عن فساد الحلقة المحيطة بأردوغان، وإثراء الطبقة الحاكمة مستفيدة من العلاقات السلطوية الزبائنية.

وتتمثل مخاطر “نبع السلام” على أمن المنطقة في:

1-  يجري الغزو التركي في منطقة كانت من أكثر المناطق أماناً نسبياً في سوريا، وتحررت حديثاً من التنظيم الإرهابي “داعش” الذي فتك بالمدنيين ومارس أبشع الجرائم بحقهم. وكلّف تحرير المنطقة من داعش تضحيات باهظة من “قوات سورية الديمقراطية” والمدنييّن في تلك المنطقة التي تحتاج إلى تضميد الجراح وعودة طوعية آمنة للهاربين من فظائع وويلات “داعش” وكذلك النازحين إبّان عمليات تحرير المنطقة من داعش وما رافقها من انتهاكات جسيمة.

أما حجة تركيا في أنّ قوات سورية الديمقراطية (قسد) تشكل تهديداً لها، عارية عن الصحة. وتركيا عاجزة عن إثبات هذا التهديد المزعوم على أمنها؛ إذ إنّ الحدود السورية التركية ظلت آمنة من الجهة السورية تماماً طيلة السنوات الماضية ولم تقم (قسد) بأي هجوم على الجانب التركي. على العكس كانت تركيا أكبر تهديد لأمن السكان والمدنيين في الجانب السوري، عن طريق إدخال عشرات آلاف الجهاديين من شتى دول العالم إلى الداخل السوري وتسليحهم ودعمهم، وكانت ممراً آمناً للإرهابيين من تنظيم داعش والقاعدة وغيرهما.

ولم تبدِ تركيا أي انزعاج عندما كانت “الدولة الإسلامية- داعش” دولة جارة، تسيطر على مدن وبلدات على حدودها الجنوبية تماماً.  فالمزاعم القانونية التي تروجها تركيا لتبرير غزوها العسكري لا أساس لها. ومؤخراً امتثلت قوات سورية الديمقراطية على الفور لاتفاق أمني بين تركيا وأمريكا يؤمن الحدود عن طريق دوريات مشتركة أمريكية تركية لتطمين وإزالة مخاوف تركيا الأمنية المزعومة، وانسحبت من الحدود مع أسلحتها الثقيلة وهدمت تحصيناتها وخطوطها الدفاعية أمام أنظار الدوريات الجوية والبرية التركية-الأمريكية.

إلا أنّ الجانب التركي أكد مراراً أنّ هدفه الغزو المباشر وليس دوريات مشتركة، واستغل الرئيس التركي أردوغان تردّد الرئيس الأمريكي ورغبته في الانسحاب النهائي من سوريا، ومارس الكثير من الضغوط، وتمكن من انتزاع ضوء أخضر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بغزو المنطقة.

2- هناك الآلاف من مقاتلي “داعش” مسجونون لدى قوات سورية الديمقراطية، وكذلك عوائل وأطفال مقاتلي “داعش” ويبلغ عددهم عشرات الآلاف. والغزو التركي يهدد بشكل مباشر خروج هؤلاء من السجون، وهم قنابل موقوتة. ناهيك عن الخلايا النائمة لداعش التي لم تكف عن شن هجمات متواصلة ضد المدنيين والقوات الأمنية والعسكرية في مناطق “شرق الفرات” حتى بعد القضاء على دولة “داعش” جغرافياً. وإذا أضفنا إلى كل هذا أنّ التنظيمات السورية العاملة بإمرة الجيش التركي والمشاركة في غزو المنطقة تضم تنظيمات جهادية بأسماء مختلفة، فإنّ هذا الغزو والفوضى التي ستنجم عنه يهدد جدياً بانبعاث جديد لـ “داعش” والتنظيمات الجهادية المماثلة، وإن بأسماء أخرى.

من جميع النواحي، تبدو عملية “نبع السلام” المزعومة أكثر من نبع، فهي نبعٌ لكراهية ممتدة تحفر عميقاً نحو حرب أهلية مستقبلية تهدد مكونات المنطقة بسب عمليات الطرد والتهجير القسري والتغيير الديمغرافي والشروخات الاجتماعية العميقة، ونبعٌ لإحياء داعش والقاعدة والإخوان المسلمين، ونبعٌ لفظائع وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، ظهرت بقسوة لا متناهية منذ اللحظات الأولى للغزو.

* كاتب سوري كرديموقع حفريات: 2019-10-24