جديد الموقع

لقاء مع الفنانة التشكيلية الكردية نسرين بايام

الحزنُ هو هويتنا الثانية في الشرق… الحياة تُعاش مرةً واحدةً، ويجب أن نعيشها بصدقٍ كي لا نخونَ أنفسنا

«بهدف معرفة المزيد عن الفن وتذوقه، والتشكيلي منه على وجه الخصوص لما يتمتّعُ به من أهمية متميزة في عالم الفنون، نلتقي مع محترفي هذا الفن وروّاده، كان لنا لقاءٌ مع الفنانة التشكيلية الكردية، المهندسة المعمارية نسرين بايام، نأملُ أن نقضي معاً وقتاً ممتعاً في رحاب هذا الفن الجميل ومعرفة المزيد عن عالمه الساحر.»

هيئة التحرير*

س1- بدايةً، ترحّبُ جريدة «الوحــدة» بالفنانة نسرين، وترتأي أن تعرّفَ نفسَها لقرّاء صفحاتها الثقافية.

          ولدت في مدينة القامشلي لعائلة كردية…  كنتُ البنت الصغرى لعائلةٍ مؤلفةٍ من ستِّ أخَواتٍ وأخٍ وحيدٍ، وأمٍ تكفلتْ برعايتنا لوحدها في كنف عائلتها بعد أن تزوج أبي للمرة الثانية تاركاً إيّاها تواجه عبءَ الحياة لوحدها مع سبع أطفال… بيتُ جَدّي كان فناءً واسعاً جميلاً، تحيطُ به غرفٌ كثيرة… كانت تعيشُ فيه عوائلُ أخوالي وخالتي… وطبعاً جدي الحنونُ وجدتي الطيبة… كان فناءً تزينُهُ أشجارُ الدراق وشجرةُ تفاحٍ كبيرة… كان مكاناً رائعاً لطفولةٍ صاخبةٍ وسعيدةٍ، لأن الطفلَ لا يريدُ أكثرَ من مكانٍ واسعٍ وجميلٍ كي يلعبَ فيه وأصدقاءٍ يشاركونه اللعبَ، كما أنه  يحتاجُ الحبًّ، وكلُّ هذا كان متوفراً في بيت جدي. عشتُ طفولةً لنقلْ أنها كانت سعيدة مع صديق طفولتي وأخي بالرضاعة جوان… إنه ابن خالتي، حيث كنا بنفس العمر… ثم انتقلنا وأنا بسن الخامسة لبيتٍ آخرَ، ثم لعدة بيوتٍ أخرى، إلى أن استقرينا أخيراً في بيتٍ خاصٍ بنا.

في طفولتي، أظنّ أنّ أهمّ  حدثٍ فيه كان دراستي، كنت أحبُّ المدرسة كثيراً… أتذكرُ أولَ يومٍ دراسي لي، كنتُ أطيرُ من الفرح والحماس، كنتُ متفوقة جداً في دراستي، كانت الدراسة لديَّ هاجساً كبيراً، ربما كان تعويضاً عن النقص، نقصُ فقدانِ حنان الأب، أو ربما، كان عطشاً للمعرفة… لا أعرفُ بالضبط، ولكن أعرف فقط أنني كنتُ مولعةً بالقراءة والدراسة منذ طفولتي… كنت أحبّ أن أصبح مهندسة ديكور منذ الطفولة، وكان أمامي طريقان، إما ان أدرسها بعد العمارة أو ضمن كلية الفنون الجميلة… اخترتُ أن أدرسها بعد العمارة، فدرستُ هندسة العمارة بمنحةٍ دراسية في صوفيا عام 1990، وفي عام 1996تخرجتُ من كلية العمارة مع ماجستير في الديكور الداخلي والديزاين… عملتُ في تركيا ما يقارب الـ /18/ سنة في مجال العمارة والديكور، ومنذ أربع سنين أنا مقيمة في ألمانيا، قمتُ بهذه الفترة بتعديل شهادتي وبدأت العمل منذ سنة بشركة ألمانية للبناء؛ أنا أمٌّ، ولديَّ ثلاثة أطفال، طبعاً ابني لم يعدْ طفلاً، هو الآن شابٌ يعيشُ في براغ، وهو مثلي درس العمارة، ويعمل هناك، ولديَّ ابنتان (آريا وليانا) أعيشُ الآن معهما.

س2-كيف سلكتْ نسرين دربَ هذا الفن؟ هل كانت لديك مواهب فنية منذ الطفولة؟ ماذا تقولين في هذا الشأن؟

          في طفولتي، كنا نقرأ ونرسمُ كثيراً… كان الرسمُ و القراءة هما النشاط الأهمُّ إلى جانب اللعب، بدأنا بمجلاتِ أسامة المصورة، حيث كنا ننظرُ إلى الصور والرسومات أنا وصديق طفولتي حتى قبل أن نتعلم القراءة، وكانت تعجبني رسومات الأستاذ سَرْوَر علواني في مجلة أسامة… كنت أرسم في المدرسة كثيراً، وكنت محبةً لدرس الرسم، أول لوحةٍ زيتية رسمتُها وأنا بسن الثانية عشر. كان عندي صديقٌ في طفولتي، هو معلمي الأول اسمه سعيد ريزاني، كان يقول دائماً عني بأنني موهوبةٌ، ساعدني في البداية كثيراً بتعليم أساسيات الرسم، وبعده معلمتي في مادة الرسم في الصف العاشر، كانت تشجعني كثيراً وتدعوني أن أرسم معها بعد الدوام المدرسي . أصبحتْ اهتماماتي تتوجه للرسم أكثر يوماً بعد يوم، وهذا ما أثارَ موجةً من الجدل ضمن عائلتي، كنتُ الأولى على زملائي وزميلاتي في المدرسة دوماً، وكان الأهلُ يخشون من أنْ أركزَ اهتمامي على الرسم وأهملَ الموادَ الأخرى، لذلك، اضطررتُ أن أرسم في فصل الصيف فقط… أول بورتريه رسمتُه كان لجدتي، كان بورتريه جميلاً جداً بالألوان الخشبية، كنت عندها بسن السابعة عشر، وبعد أن انتقلتُ إلى بلغاريا للدراسة، انتظرت سنةً قبل أن أبدأ الدراسة، في هذه السنة، كنت أزور كورس للبورتريه، وطبعاً في دراسة العمارة ببلغاريا، كانت مادة الرسم مادة أساسية في السنتين الأولى والثانية… وهكذا كنتُ على صلةٍ دائمةٍ بالرسم وعالمه، ولكن للأسف، لم أتفرغْ له يوماً، الرسم كان دائماً عندي هوايةً عزيزةً أحبها، ولكن لم أتفرغْ لها كفايةً، بسبب ظروف حياتي الخاصة، لأنني أصبحتُ أماً بسن مبكرة، وكان عليَّ أن أدرس وأهتمَّ بطفلي، وبعدها طبعاً بدأت العمل.

 كانت الحياة دوماً تبعدني عن الرسم، ولكن كان الرسم حبِّيَ الأثير الذي كنت أحلمُ به دوماً، كنت أقتربُ منه أحياناً، ابتعدُ عنه أخرى، حسبَ ظروف حياتي ومشاغلي، ولكنني أظنُّ أنني لمْ أضحِّ في سبيله كفاية ! لم يكن الرسمُ في يوم من الأيام من أولوياتي… لهذا، لا أطلقُ على نفسي أبداً لقبَ فنانة، أنا فقط هاوية، تحبُّ الفنَّ وتعشقه.

س3- لو تتفضلين بالحديث عن أعمالك والمعارض الفنية التي اشتركت فيها؟ وما هي مشاريعك المستقبلية؟

          معرضي الأول كان في ألمانيا عام 2016، كان معرضاً جماعياً في البرلمان الألماني بدسلدورف مع مجموعةٍ من الفنانين الألمان، وبعده كان لي معرضٌ جماعيٌ مع نفس المجموعة بمتحفٍ قريبٍ من مدينتي.

وشاركت في  معرضٍ جماعيٍ آخر مع مجموعة من الفنانين الكُـرد والفرنسيين العامَ الماضي في مدينة أنجي بفرنسا، الذي أُقيم حول عفرين، وقبل ثلاثة أشهر أيضاً، كان لدينا معرضٌ جماعي مشترك أيضاً في مدينة هانوفر، بمناسبة مرور الذكرى الخامسة على مأساة شنكال.

لدينا فكرة حول إقامة معرضٍ مشترك في أمستردام وفي السليمانية أيضاً، في الربيع القادم.

حتى الآن، لم يكنْ لديّ أيُّ معرضٍ فردي، إذْ أشعرُ بأنني لست مهيئة فنياً لهذا الأمر، ربما أستطيع أن أحقق هذا الحلمَ يوماً ما!

س4- المرأة حاضرة في غالبية لوحاتك, ماذا تودين القول في قضية المرأة وهمومها؟

          المرأة حاضرةٌ في لوحاتي دوماً، وستبقى حاضرة. كنتُ- ولم أزل- كلما حملت القلم بيدي، ترسم أصابعي بشكل عفويٍّ عيوناً لنساءٍ حزيناتٍ، ما زالت نظرات أمي الحزينة وأنا طفلة، حاضرةً في ذاكرتي، كانتْ تشردُ كثيراً وتنظرُ بألمٍ وحرقةٍ للأفق. لقد تطبعَ وجهُها بذاكرتي مع نظراتها الحزينة الرقيقة، وبعدها كانتْ تأتي سلسلةً من الوجوه الحزينة لنساءٍ أخرياتٍ من حولي عذبتهن الحياة، ظلمهنّ المجتمع دون رحمة أو شفقة، نساءٍ عاشقاتٍ حُرِمنَ من الحب وأُجبرن على الخضوع لقوانين العشيرة، كل النساء حولي كنّ تعيساتٍ، كنَّ يعشنَ حياةً بعيدة كلَّ البعد عما كنّ يحلُمن به.

العام الماضي، سألني فرنسيٌ في معرضي بمدينة أنجي، قال تعجبني لوحاتك كثيراً، ولكن لماذا نساؤك حزيناتٌ كل هذا الحزن؟!! .. توقفتُ لدقيقة لا أعرف ماذا أجيب.  قلت له: أنا أرسمُ ما أشعر به، كل هؤلاء النسوة هن أنا، هنَّ أحلامي وأنا طفلة، خيباتي ربما، كلّ الألم الذي عشته وما زلتُ أعيشه حتى اليوم، كل ما كنت أريده، وما كان يريده الآخرون مني.

التناقضُ الرهيبُ بين ذاتي وبين ما يجب أن أكون عليه، أنا أرسم روحي، الحزنُ هو هويتنا الثانية للأسف في الشرق، كلما حاولتُ أن أرسم الفرح، يخرج الحزنُ كحجرٍ ثقيل من قاع بحيرة هادئة، ويكون الطاغي على كل المشهد!.

س5- الوطن، الغربة، ظلم الإنسان لأخيه الإنسان…ماذا تعني لك هذه المصطلحات كإنسان وكفنانة كردية، وما هي المواضيع التي تنال اهتمامكم في الرسم راهناً؟

          الغربة، كنت أعيشها حتى وأنا في وطن، أليست الغربة هي أن تُحرم من التكلم بلغتك الأم وأنت في المدرسة، وأن تُعامَل دوماً كأنك مواطن من الدرجة الثانية، فقط لأنك كردي؟!! . أنا أعتقد دائماً أن الوطن ليس هو جغرافيا فقط، الوطن هو المكان الذي يشعر فيه الإنسان أنّ كرامته مصانه وهو حرٌّ فيه.

الغربة الأقصى التي كنت أعانيها وما زلت، هي غربة الروح، وهي التي تشعر بها حتى وأنت بين أهلك وناسك، فقط لأنك مختلف؛ في مجتمعاتنا ينفرون منك، لأنهم لا يطيقون أن يخرج أحدُهم من القطيع أو يكون له لون آخر، يجب أن يتشابه الجميع، وإذا كنت مختلفاً تصبح عدواً للجميع بشكلٍ أوتوماتيكي، ولن يهدأ لهم بالٌ قبل أن يجعلوك مشابهاً لهم! أو إذا فقدوا الأمل بذلك، يُقصونك بعيداً عنهم؛ ما زلتُ أعاني كوني امرأة مختلفة وغير تقليدية مثل الكثير من النساء في مجتمعنا، امرأةً تحاول دائماً أن ترسم طريقاً خاصاً بها، امرأةً تحاول أن تكون قوية دائماً وأن تقف على قدميها لوحدها، وأن تكون صادقةَ مع نفسها على الأقل.

الغربة الحقيقية هي أن تبتعدَ عن روحك، أن تقول ما لا تشعر به، وأن تعيش حياة هي ليست حياتك… ابتعدتُ عن نفسي أحياناً، وعشت غربتي طويلاً، ولكنني واثقة بأنني على الأقل قد حاولت أن أكون أنا. رغم صعوبة أن تكون حقيقياً في مجتمع مزيف كمجتمعنا، إلا أنني أحاول دوماً أن أكون «نسرين» مثلما هي بأحلامها وطفولتها وعفويتها وعثراتها، لأن الحياة تُعاش مرةً واحدةً، ويجب أن نعيشها بصدقٍ كي لا نخونَ أنفسنا.

مشاريعي للمستقبل، أحاول الآن قدر الإمكان أن أتأقلم مع حياتي الجديدة هنا، وأن أركز على عملي، إلا أنني أعاني الكثيرَ من الصعوبات: اللغة والتكيف مع كل شروط العمل والحياة هنا، فليس سهلاً أبداً أن تثبتَ نفسك في بلدٍ مثل ألمانيا مهنياً أو فنياً؛ لدينا مشاريع فنية كثيرة مع مجموعتنا الفنية Reng Art الجمعية الفنية للفنانين التشكيليين الكرد في أوربا ودول الشتات؛ نحاول أن ننظم الكثير من المعارض والفعاليات، وأن نسلط الضوء أمام الرأي العام على البعض من قضايانا ككُـرد.

حياتي متعبة مثل الكثيرين، ربّما أفشل أحياناً كثيرة، لكن يبقى لنا دائماً شرفُ المحاولة.

6- كلمة أخيرة لقراء جريدة «الوحــدة» .

شكراً لجريدة «الوحدة» على المقابلة الجميلة، سعيدة جداً لأنكم أعطيتموني الفرصة لأتكلم عن نفسي   كامرأة وكفنانة ومعمارية وكأمّ، محبتي لكم.

هيئة التحرير تتقدم لكم بجزيل الشكر على تخصيصكم هذا الوقت لقرائها، وتتمنى لكم التفوق والتألق المستمرين.

* جريدة الوحـدة – العدد 312 – أيلول 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).