جديد الموقع

سوريا تحت ركام العنف وسط صراعاتٍ إقليمية- دولية… تركيا المعرقل الرئيس لإيجاد تسوية سلمية لأزمتها
الافتتاحية*

على مدار أكثر من ثمانِ سنوات، سوريا دولةً وشعباً تُطحن في رحى الصراع المُعنف والدموي على السلطة تحت يافطات (الثورة) بين تياراتٍ إيديولوجية متزمتة، «قومية استعلائية انقلابية» و «إسلامية جهادية»، مجبولة بمصالح فئوية؛ ناهيك عن التخاصم الإسلامي الطائفي التاريخي، وكذلك الصراعات الإقليمية والدولية، إضافةً إلى آفة الإرهاب التكفيري العالمي المتمثل بتنظيمات القاعدة وأخواتها؛ فكانت الحرب على وفي سوريا، إذ كلَّفتها أثماناً باهظة.

وما دام الجانب القيمي متدنٍ في عالم السياسة المعاصر ولدى أصحاب النفوذ ورأس المال، فإن آلام ومعاناة الشعب السوري ليست من أولويات العقول العفنة ومروجي مشاريع متخلفة لا تمت إلى الوطنية بصلة، وهي كذلك ليست من أولويات الدول المتصارعة على سوريا.

بقراءةٍ مبسطة، إيران لا تتخلى عن مصالحها ونفوذها في سوريا وعن مشاريعها العقائدية، ولا تركيا أيضاً التي همها الأساس هو سحق الدور والحضور الكردي وإعلاء شأن جماعاتٍ إسلامية موالية لها؛ أما روسيا وأمريكا فتتنازعان على مجالات النفوذ والسيطرة ومشاريع مستقبلية عديدة، بالارتباط مع ملفات ساخنة أخرى بينهما على الساحة الدولية، فالأولى تستند إلى شرعية حكومة دمشق المعترف بها لدى الأمم المتحدة، والثانية إلى شرعية مكافحة الإرهاب وداعش ضمن تحالفٍ دولي يضم ثمانين عضواً؛ ولا ننسى التخاصم بين الدول الأربعة بشكل متقاطع، إضافةً إلى أدوار وأجندات إسرائيل ودول عربية أخرى؛ وبالتالي فإن إيجاد حلٍ سياسي للأزمة السورية ليس في سلم أولوياتها الآن.

في خضم هذه الصراعات المركبة، تَطول أمد محنة سوريا وتتعقد، ولكن يبقى دور تركيا هو المعرقل الرئيس، حيث تؤمن غطاء حماية لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) الإرهابية ولفصائل إسلامية راديكالية أخرى في محافظة إدلب والمناطق المحتلة من قبلها (درع الفرات وغصن الزيتون) – شمال سوريا، وتدعمها لوجستياً وعسكرياً، حيث أن تلك المناطق باتت متوترة وغير آمنة ولا مستقرة، فلا يتمكن سكانها من العمل على صنع السلام والمساهمة في توفير حلٍ سياسي لأزمة بلدهم، نتيجة ظروفهم القاسية والاضطهاد والضغوطات الجمة التي تمارس ضدهم، أضف إلى ذلك أن أنقرة تَطمع إلى الاستيلاء على مناطق شرق الفرات ومنبج وجعلها شبيهة بمنطقة عفرين، بل أسوأ منها.

إن الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» في شمال وشرق سوريا حققت انتصاراً عسكرياً باهراً على تنظيم داعش، وتمضي قُدُماً في إلحاق الهزيمة بفلولها، وتعمل على إعادة تأهيل المجتمعات المحلية وتوفير الأمان والاستقرار ما أمكن، بمساندة التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، وتبدي استعدادها للحوار مع الجميع، سوريين كانوا أم أطرافاً إقليمية ودولية، لإيجاد حلولٍ لكافة المشاكل والأزمات؛ وفي حوزتها /10/ ألاف معتقل داعشي، بينهم ألفان من الأجانب، و/70/ ألف من أفراد عوائلهم، بينهم /10/ ألاف من الأجانب؛ حيث أن مناطق الإدارة الذاتية بقواها العسكرية والسياسية وفعالياتها المجتمعية مهيأة للعب دور وطني فعّال في بناء سوريا الجديدة.

حكومة أنقرة تعلم جيداً أن اجتياح مناطق منبج وشرق الفرات، ستجلب لها الفوضى والفلتان وصراعاتٍ دموية بين مكوناتها، مع إشاعة القتل والدمار وتشريد الملايين من البشر، بحيث تُفلت العقال للإرهابيين، ليعود داعش وينتعش من جديد؛ لذا فإن المجتمع الدولي أمام مسؤولياتٍ تاريخية في ردع أردوغان وطاقمه من الإقدام على أية خطوةٍ عسكرية ضد «قسد» والإدارة الذاتية، وفي هذا المجال تناغم بعض مواقف روسيا مع تركيا نكايةً بأمريكا أو لغاياتٍ أخرى موضع استهجان ويُعتبر خطأً جسيماً ينعكس سلباً على مسار البحث عن حلول سياسية لأزمات سوريا المستفحلة.

وإذا كان أردوغان يشتهي الاعتداء على منبج أو شرق الفرات عبر صفقةٍ ما شبيهة بتلك التي سمحت له بالانقضاض على عفرين، فإن جملةً من المعطيات والتوازنات ليست في صالحه.

رغم الأجواء الحالكة، لا نفقد الأمل، فلابد أن تتبلور إرادة العقلاء والغيورين على بلدهم، ولا بد لشعبنا السوري الذي تحمل كل هذه المآسي والتضحيات أن يرفع الركام عن جسده، ليلملم جراحه ويباشر من جديد في صناعة غدٍ أفضل.

* جريدة الوحـدة – العدد 310 – تموز 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).