جديد الموقع

مراحل أساسية في تاريخ الجزيرة السورية…
الجزء الأول
د. آزاد أحمد علي

مجلة الحوار- العدد /73/- السنة /26/- 2019م

في هذا الفصل من الكتاب[1] سنعمل على ترتيب وتلخيص بعض الأحداث التي مرت على منطقة الدراسة ومحيطها، وهي أحداث سياسية ومراحل تاريخية مهمة. خاصة تلك التي تتصف بالخصوصية المحلية التي لم يسبق نشرها على نطاق واسع، أو ظلت داخل الوسط الأكاديمي الضيق، فضلاً عن أن قسم من هذه الروايات قد تم غض الطرف عنها لأسباب سياسية وأيديولوجية صرفة. لكن ما هو مؤكد أن السجل التاريخي لهذه المنطقة، وأقصد بها منطقة السهول والهضاب المتاخمة للجبال على طول مسار ما يسمى بالهلال الخصيب، غني وموغل في القدم، لدرجة من الصعب تلخيص وسرد جميع أحداثها وأطوارها، حتى تلك غير المعروفة منها. لذلك اعتمدت منهج الرواية – اللقطة التاريخية الموثقة علمياً، لترميم المشهد التاريخي العام الذي تم تشويهه ونسفه، بل تسطيحه مدرسياً وشعبوياً لأسباب أيديولوجية وسياسية. إذ تم تعويم روايات نمطية مكررة وسطحية فقدت سندها العلمي منذ أمد بعيد. وهدفنا من هذه السرديات هو البدء بالتعريف بتاريخ المنطقة من زاوية جديدة، مغايرة وغير منحازة.

= المجتمع الحلفي مجتمع الجزيرة الأول

لقد سبق أن قامت مدارس التاريخ التقليدية بتقسيم العالم القديم إلى مناطق حضارية انبثقت منها أول المجتمعات المنظمة وأشكال الحكم والممالك الأولى، وجنحت بعض الدراسات، وبالغت في إبراز دور بعض المناطق تاريخياً، مما أدى إلى تشكل وترسخ صورة نمطية عن العالم القديم، يتسع مشهدها فقط لعالم مكون من تعاقب حضارات أصلية وكبرى في مناطق محددة من العالم، كحضارات وادي النيل القديمة (الفرعونية)، وكذلك حضارات بلاد الرافدين الجنوبية. فضلاً عن حضارات أخرى في أطراف العالم القديم، مثل حضارات الصين وأمريكا اللاتينية. إلا أن المكتشفات الأثرية في الأعوام الأخيرة قد غيرت هذه المفاهيم النمطية وزعزعت الصورة التقليدية والمنمطة للعالم القديم، المتمحورة حول فكرة وجود مراكز بعينها تنتمي إلى مناطق محظوظة تاريخياً. ويبدو أن الجزيرة السورية لم تكن من تلك المناطق المحظوظة في حقل الدراسات الاستشراقية على الأقل، فأهملت طويلاً، وعندما اكتشفت فيها مواقع حضارية أقدم مما هو مكتشف سابقاً في تلك المناطق التي نالت الاهتمام، لم تنعكس على مناهج كتابة التاريخ المدرسي. كما لم تنل هذه الرقعة من الشرق الأدنى حقها من الدراسات التاريخية بما ينسجم مع قدم مجتمعاتها المنظمة منذ العصور الحجرية.

لذلك تقع على عاتق الباحثين الجدد إعطاء الدور المركزي للجزيرة الفراتية في الدراسات التاريخية، وبما يتناسب مع زخم وأهمية المكتشفات الأثرية في العقود والسنوات الأخيرة. فقد تم الكشف عن المزيد من البنى المادية والمخلفات الأثرية (أساسات أبنية، أدوات حجرية وفخارية) لمجتمع منظم في مناطق الفرات والخابور الأعلى وبالقرب من سفوح جبل سنجار تعود إلى الألفين العاشر والتاسع قبل الميلاد، وتدل بشكل مؤكد على وجود حياة اجتماعية منظمة ومستقرة مرتبطة بخصوصية المكان؛ إن هذه المكتشفات تفرض بالضرورة إعادة النظر في التقسيم المدرسي النمطي لأهمية وتسلسل الحضارة البشرية في العالم القديم عموما وفي الشرق الأوسط خصوصاً. وما نقصده هنا بالحضارة والتحضر والتطور، هو التطور المجتمعي الشامل من كافة الجوانب، وفي سياقه الزمني، والأولي النسبي المبسط.

تبين المعطيات الأثرية والقراءة الموضوعية لمخلفات الإنسان في العصور الحجرية والمرحلة الحديثة منها (Neolithic) بأن الحياة الاجتماعية المنظمة كانت تتوزع على مناطق واسعة في المنطقة، وهي أقدم مما تعلمناه في المدارس والجامعات. فأول ما يمكن ملاحظته أن المجتمع المنظم لم يكن وقفاً على منطقة محددة وضيقة من العالم القديم, بل ربما ستؤكد هذه المعطيات التاريخية الجديدة على أن أهم مواطن تنامي المجتمعات البشرية المنظمة كانت خارج المناطق المتعارف عليها والمتفق على أسبقيتها التاريخية.

فوجود عمارة متطورة في محيط جبل سنجار في الألف الثامن ق م، وكذلك اكتشاف مستوطنات بشرية كبيرة نسبياً مع وجود مباني عامة في العديد من المواقع داخل الجزيرة السورية، تشير إلى أن المناطق السهلية الدافئة والسفوح الجبلية كانت أكثر ملائمة لتأسيس المجتمعات البشرية من المناطق المنخفضة الحارة ذات التربة السبخية، وكذلك من القمم الجبلية الوعرة والباردة.

بناء على ما تم اكتشافه في العديد من المواقع الأثرية وعلى ضوء الكم الجديد من المعطيات التاريخية واعتماداً الدراسات الأكاديمية، تظل  في اعتقادنا أهم مرحلة تاريخية تأسيسية في الجزيرة السورية لم تأخذ حقها من الدراسة هي عصر حلف، نسبة إلى تل (حلف) والذي كان يسمى في المرحلة الآرامية (جوزانا)، الذي اكتشفه فان اوبنهايم مطلع القرن العشرين[2].

 فقد برز شكل جنيني لمملكة – مجتمع منظم بصبغة أولية من أواخر الألف السابعة وحتى أواسط الألف السادس (6000-5400) ق.م في مناطق سهول الجزيرة العليا وأعالي أنهار (الفرات, دجلة, الخابور, البليخ)، فكانت البيئة الحضرية والنواة الاجتماعية لهذا التجمع البشري – الحضري على شكل تجمعات سكنية منظمة وكبيرة، مؤلفة من مساكن دائرية، وأخرى على شكل المفتاح، اجتمعت هذه المساكن، ترابطت واصطفت في استقامات حول الشوارع المرصوفة بالأحجار، لتشكل قرى، لذلك  يمكن اعتبارها من الناحية العمرانية الصرف بلدات كبيرة في حينها. لقد شكل اكتشاف المسقط الفقي للمساكن الدائرية  (Tholo) التي عرفت (بنموذج المفتاح) أحد مفاتيح معرفة وتتبع انتشار ثقافة حلف في تلك العصور، إضافةً إلى أن هذه التجمعات قد أنتجت الفخار الجيد المستخدم كأداة متعددة الأغراض، ودجنت الحيوان، وقامت بالزراعة وتخزين الفائض من المحاصيل. كل هذا التطور حدث في حدودٍ وجغرافيّةٍ واضحةِ المعالمِ والتخوم. وتمركز حول مركز حضري على شكل (عاصمة جنينية) قرب منابع الخابور في موقع (تل حلف) الحالي غرب مدينة رأس العين. وكانت منطقة نفوذ هذه المملكة كبيرة، أو بشكل أدق مجال تأثيرها الثقافي ــ المجتمعي واسع، الذي اصطلح علماء الآثار على تسميتها بحضارة تل حلف (نسبة إلى الاسم الحديث للمكان)، وربما كانت أوسع منطقة تاريخية بثقافة مشتركة تم تحديدها ومعرفة حدودها في عصور ما قبل التاريخ المدون، كما هو مبين في الخارطة رقم واحد المرفقة.

«خارطة رقم (1) جغرافية انتشار حضارة حلف»

إن ولادة أول قطب حضاري – اجتماعي منظم في أعالي الخابور تمتد حدوده إلى ما وراء نهر الزاب شرقاً وإلى ما بعد نهر الفرات غرباً مع منتج معماري وأواني فخارية غاية في الدقة، استخدمت فيها الألوان الأحمر المشمشي والأصفر الشاحب، وصلت بعضها إلى مشارف الخليج العربي، له أكثر من دلالة في عالم لم يكن قد اكتشفت فيه الكتابة وإنتاج الفخار بعد، ولم يعرف المبادلات التجارية إلا على نطاق ضيق.

إن الافتراض بأن هذا المجتمع المنظم بشكل ملموس، الذي اصطلح على تسميته بالمجتمع الحلفي، الذي دام من أواخر الألف السابعة حتى أواسط الألف السادسة ق.م، الذي تكون في أعالي الجزيرة الفراتية هو أساس لحضارات بلاد الرافدين الشمالية وسوريا اللاحقة هو افتراض ينطوي على الكثير من القوة ويستند إلى منطق علمي سليم. فقد أكد العالم الأثري (Ungand) أن مركز مجتمعات سورباتو التي نهضت لاحقاً كانت منطقة الخابور وربما تل حلف نفسها أو موقع قريب منها (واشوكاني) رأس العين في أواسط الألف الثالث ق.م[3].

لذلك نفترض أن  المراكز الحضارية انتقلت إلى جنوب بلاد الرافدين وشمالاً نحو الأناضول انطلاقاً من الحضارة الحلفية بعد انكماشها وتغلغلها إلى الجوار، وتهميشها من قبل القوى الناشئة في جنوب بلاد الرافدين كالسومرية والأكادية وشمالا كمواقع (جطل هويوك).

علماً أنه لا نميل إلى الاعتقاد بالفرضيات التي تفصل فصلاً تاماً بين مجمل الإرث التاريخي – الاجتماعي في المنطقة، إذ يمكن القول بأن هذه المجتمعات البدائية قد تطورت في خط متصاعد ومتفاعل لفترة طويلة إلى أن تبلورت في صيغ منظمة غير محددة الهوية الأثنية واللغوية. ويرجح افتراضنا الافتقار إلى المدونات. لكنها نقلت بالتأكيد منجزاتها وثقافتها المادية والمهنية من جيل إلى آخر ومن رقعة جغرافية إلى أخرى تجاورها، بحيث يمكن أن نعتبر أساس تاريخ مجتمعات سوريا والأناضول وشمالي بلاد الرافدين هو المجتمع (الحلفي) الذي لم يندثر, ولم يتبخر وإنما تحول وتمظهر في شكل آخر أكثر دقة في سماته الحضارية، اللغوية، الفنية والمعتَقَديّة، ولكن بعد صيرورة تاريخية طويلة نسبياً وفي حقب ومراحل وأماكن متباينة. فعلى الأرجح كانت المراكز الحضارية في العالم القديم تنتقل من منطقة إلى أخرى مجاورة بشكل دوري، وكانت تعيد إنتاج خصائص زمانية ومكانية مكتسبة. بحيث توارثت ثقافة (حلف) مناطق جغرافية قريبة كبلاد سوبارتو، كما ورثتها ممالك متأخرة نسبياً مثل الخورية – الميتانية ولاحقاً الممالك الآرامية، خاصة أن واحدة من أهم الممالك الآرامية (مملكة جوزانا) قد تأسست في مركز وعاصمة الحضارة الحلفية وعلى أنقاضها تماماً في تل حلف نفسه.

= سوبارتو بداية لتشكل خصوصية شمال بلاد ما بين النهرين

كلما تطرقنا لزمن بعيد وقديم كلما كان التصاق الجغرافيا بالتاريخ بالثقافة المادية وثيقاً، لذلك لا يمكن دراسة تاريخ الجزيرة السورية دون المرور بمرحلة سورباتو، بوصفها تسمية جغرافية لكامل شمال بلاد ما بين النهرين والجبال المتصلة بها من جهة، وعلى اعتبار أنها ثقافة متمايزة عن ثقافة ولغة سهول بلاد ما بين النهرين الجنوبية. فمرحلة (سوبارتو) في تاريخ الجزيرة السورية هي حلقة أساسية في سياق تطور وتفاعل ثقافات بلاد ما بين النهرين والجبال القريبة منها خاصة من جهة الشمال، فالثقافة السوبارية هي على الأرجح استمرارية لعملية التطور في السياق الحضاري العام، استمدت جذورها من البؤر الحضارية الأولى في العصور الحجرية، وخاصة ثقافة حلف التي انزاحت وتمددت شمالاً مع تحسن البيئة والمناخ، كازدياد درجات الحرارة وتراجع الثلوج في الجبال. ونظراً لقلة المصادر ولمعرفتنا الأولية بمرحلة سوبارتو نعتمد على دراسات أستاذ التاريخ في جامعة بغداد جمال رشيد: “مشاركة في الجهود المستمرة للوصول الى جوهر الأحداث التي لعبت أدوارها المعينة في تاريخ جزء مهم ومتميز من (مهبط البشرية) كما ساد الاعتقاد بين الناس. وتخلل المفاهيم الروحية العظيمة للمجتمع الإنساني، وتشمل المناطق الجبلية العالية التي ظهر اسمها في أقدم صيغة جغرافية سومرية عامة بشكل SU.BIR يرجع تاريخه إلى زمن لوكال – آني – موندو حاكم مدينة ادب في الربع الأول من الألف الثالث قبل الميلاد حيث دون بجانب ايلام، ماراهشي، كوتيوم، سوبيرو، آمورو، سوتيوم. كانت الصيغة الأكدية لهذا الاسم سوبارتو وكانت تناظر اسم ايلامتو، وشوهد أقدم صيغة لها في نص يرجع إلى زمن نارام سن كـ (شوبارتيم) وشملت المنطقة الواقعة بين شمال شرق ايلام ممتدة من خلال ماراهشي نحو الشمال والغرب لحد أمانوس (جبل الأرز) في بلاد أمورو. استعمل هذا الاصطلاح في العهد السومري والأكدي المبكر بمعناه الواسع وشمل جميع المناطق التي تقع شمال بلاد ما بين النهرين ومن ضمنها مواقع اللوبيين والكوتيين وغيرهم، ولم يقصد منه أي مدلول قومي محدد وبناء على ذلك أعاد السيد صالح الرويح (العبيد في العراق القديم، بغداد 1976، ص 45) آراء فينكلستاين بأن: مفهوم البابليين لسوبارتو يحوي دلالة جغرافية تعني الشمال أو الأرض المرتفعة. فأسماء عبيد هذه البلاد لا تعطي دلالة لقومية محددة. فبعض الأسماء كانت حورية أو لولية أو سامية وأن تفضيل البابليين لعبد سوباري يعني تفضيله لسكان منطقة جغرافية. لذا شكلت هذه البلاد عند ملوك سومر وأكد مفهوماً لواحدة من (جهات العالم الأربع).”[4]

 وبحسب  Gelb Ingace J. Dr. “فإن سوبارتو متأتية من جذر لغوي (سو) والذي أعطت مصطلحات سوتي وسوري لاحقاً، وهي كلمة قد تكون مصدرها منطقة وان. وما يميز السورباتيون أنهم ليسوا ساميون وهم كانوا يعيشون شمال نهر الفرات في حين المجموعات السامية كانت تعيش جنوب نهر الفرات”.[5] ويتابع Ingace نقاشه لآراء كل من سبقه من علماء الآثار واللغويين، كما اعتمد على وثائق مكتشفة في أغلب المواقع الأثرية وخاصة رأس شمرا (اوغاريت) وتل العمارنة وبوغاركوي، حتى تأكد من وجود لغة خاصة تم مراسلة فرعون مصر بها وهي لغة عائدة لشعوب هندو – أوربية وتتضمن مقطع (سو) الذي شكل أساس مصطلح (سوبارتو) وهو ينتمي إلى بلاد سوبارو ولكن مصطلح أو لاحقة (سو) استخدمت من قبل كل من الحوريين والأكاديين”[6]

= مرحلة الممالك السورية القديمة: الحورية -الميتانية والآرامية

لقد كانت أحد المراحل التاريخية المهمة التي ميزت الخصوصية والثقافة المحلية وترجمت التراكب والتفاعل في مجمل الإرث الحضاري المشرقي هي المرحلة الهورية ــ الميتانية والتي غطت مجمل مساحة شرق المتوسط الشمالية وخاصة شمال سوريا الحالية وحتى مناطق غرب جبال زاغروز، كما أنتجت مدن وممالك محلية في آلالاخ (تل العطشانة) في سهل العمق غرباً وحتى منطقة سنجار وكركوك شرقاً. هذه الإمبراطورية المصغرة كانت وريثة لمجمل المراحل التي سبقتها واتسمت بتلاقح محلي، ثقافي مادي مهني ولغوي هندو – ايراني واضح المعالم.[7]

بل من الملاحظ أن عدد من علماء الآثار قد أعطوا أهمية كبيرة للسوباريين ولحضارتهم وجعلوهم أحد أهم السكان وبالتالي المراحل التاريخية والحضارية في تاريخ شرق البحر المتوسط: تم ملاحظة وجود تجار وعبيد سوباريين في بابل بين أعوام 2000-2500 ق.م، كما يعتقد أن آشور عاصمة الامبراطورية الآشورية تم بنائها من قبل اوشبيا وكيكا الذين من أسميهما يظهر انتمائهم إلى السوباريين… في فترة العمارنة، لم يصادف انجاند أي صعوبة في اكتشاف وجود السورباريون بشكل عملي في جميع أنحاء الشرق الأدنى، في الأناضول، وبلاد ما بين النهرين، وسوريا، وفلسطين، ومصر”[8] وبما أن سوبارتو وفقاً للتقاليد الأكادية تشكل واحدة من الأرباع الأربعة التي انقسم إليها العالم كما كان معروفاً، فقد توصل أونغاند إلى استنتاج بعيد المدى مفاده أن سكان سوبارتو يشكلون السكان الأصليين في المنطقة بأكملها الممتدة من فلسطين إلى أرمينيا أو حتى القوقاز. وأنه حتى في بابل قد يكونوا سبقوا السومريون.”[9] كما أضاف أنجاند بأن الكتابة الهيروغريفية الحثية أصلها سوبارية.  وقد أنتجت مجتمعات سوبارتو الممالك الحورية الميتانية لاحقاً. التي توزعت من شرق البحر المتوسط وحتى حدود ايران الحالية، مع تمركز أساسي في الجزيرة السورية حيث مدنها وممالكها الرئيسية المتعددة: من الغرب نحو الشرق ( آلالاخ، تل الخويرة، واشوكاني، أوركيش العاصمة، تل عجاجة، تل براك – نيكار …ألخ).  تظهر في الخارطة رقم (2) حدود الامبراطورية الخورية – الميتانية الواسعة.

«خارطة رقم (2) تبين حدود المملكة الخورية – الميتانية»

= اختزال عدد من الممالك في كوردا

لقد تعاقبت حضارات وممالك عديدة على الجزيرة الفراتية، وما هو متفق عليه أن هذه الجغرافية تعد مهداً لشعوب وحضارات شمال بلاد الرافدين، بخصوصياتهم المحلية مع ترجيح الانتماء المكاني الجغرافي على الثقافات الوافدة إليها والتمييز بينهما، على الرغم من صعوبة هذا الفرز، فالتداخل، التعاقب، التأثير المتبادل هي من سمات مناطق شرق البحر المتوسط، نظراً لغناها المادي وعمقها الحضاري. لقد تعاقبت العديد من الممالك على الجزيرة وشمال بلاد الرافدين، قبل التاريخ المدون وبعده. كما ارتبطت هذه المنطقة المحاذية للجبال بأسماء شعوب وحكام متعددين، لكن ظروف الصراعات جعلت من القسم الشمالي الشرقي من الجزيرة الفراتية الأكثر غنى وتحصناً مركزاً لتبلور، تشكل ونمو ثقافة ذات خصائص وسمات مميزة، فعلماء الآثار يؤكدون على ارتباط الاسم الجغرافي لهذه الجغرافية بمجموعات بشرية ومجتمعات محلية هي على الأرجح التي مهدت وأسست لظهور الكورد كأثنية ومجتمع متمايز لاحقاً. إذ أن العلاقة بين الجغرافيا وهوية السكان جدلية موغلة في القدم، وليس بالضرورة أن تكون هنالك مجتمعات صافية عرقياً أو متجانسة قومياً، إلا في مراحل جنينية من تطور مجتمعات المنطقة. هذا ما لخصه البروفيسور بجامعة بغداد الدكتور جمال رشيد أحمد: “هكذا فالتسميات والاصطلاحات التي ألصقت بالشعوب في التاريخ لم تكن تعبر غالباً عن مفهوم واقعي بل أسطوري مثل آشور وخلدي، وكانت الكنية القومية تظهر بعد تكامل مقومات الوحدة بين مجموعات أثنية متجانسة، وفي خارج هذا المفهوم تعتبر الكنيسة اصطلاحاً غير قومياً نفهم منها الانتماء الديني أو الطبقي أو الجغرافي. فالاصطلاح الجغرافي كردا الوارد ذكره في سجل شوسين (2036-2028) ق.م رابع ملوك سلالة أور الثالثة جاء كاسم مقاطعة لم يعبر عن مفهوم أثني بتاتاً، ومع ذلك فقد ربطه درايفر بعدد من المصطلحات التأريخية مثل كراداكيس (أصحاب القوافل عند الإيرانيين) المصطلح الذي ذكره كذلك هيرودوت وكردوخيا التي سجلها كسينوفون في أناباسيسه وكوردوئيني المذكور في جغرافية سترابو. وبجانب نجاح درايفر في تحديد موقع كردا قرب مناطق السوئيين بجنوب بحيرة وان، فانه جعل من كنية قورتي الواردة في سجل من سجلات الملك الآشوري تيغلات بلاصر جذرا لكنية الكورد القومية، لكنه ربطها خطأ بمختلف الصيغ الواردة في الوثائق اليونانية والرومانية عابراً من خلالها نحو المصطلحات الأرمنية مثل كورتيخ من دون أن يميز المسميات الجغرافية عن القومية… وعلى هذا لأساس، فان الصيغة الطبوغرافية كوردا تعتبر باعتقادنا أقدم وأقرب الأشكال التأريخية إلى صيغة الكنية القومية للأمة الكوردية المعاصرة. ومع وجود اختلاف ظاهر بين كوردا (منطقة جغجغه) وكردا أو قردي (مقاطعة الجزيرة)، إلا أن أنهما يعتبران اصطلاحين قديمين جداً، جاء ذكرهما معاً في الألواح المسمارية تم التعرف بهما كتاب الإغريق والرومان في وقتٍ لاحق. أما في المدونات الآرامية فقد استعمل الاصطلاح الأول بمفهوم اثني والثاني بمفهوم طبوغرافي كان يتقدم عليه أحياناً كلمة بيث (بيت أو مستوطن) المشتقة من صيغة بيت Bit الآشورية وأستعمل بدلاً من كلمة mat السومرية، وبناء عليه فقد سجله الآراميون كبيث قردو، ولأسباب لغوية سجله البلدانيون المسلمون بصيغة (بقردي أو قردي). وعلى هذا الأساس ميز أبو الفرج الملطي المعروف بابن العبري (1226-1286) م الكنية القومية للكورد Qurd-an-aye  عن المنطقة الجغرافية (جزيرة بن عمر).”[10]

وقد أكد العديد من علماء التاريخ على وجود إقليم باسم كوردا قد يوحي بوجود أثنية أو مجموعة بشرية مميزة بهذا الاسم، فقد عثر ثيرو دانجن Thureau Dangin في نقشين آشوريين على إقليم اسمه كار دا كا.[11]

هذا وقد ورد اسم إقليم أو منطقة كوردا في وثائق كل من ماري وألواح شمشمارة: “كانت بعثة دانماركية قد بدأت تنقيباتها في شمشمارة سنة 1957، وأكملت بعثة آثارية عراقية ما توصلت إليه في السنوات التالية حتى 1959، فكان أخطر ما اكتشفته بناء مشيد من اللبن، ذي مرافق كثيرة، يظهر أنه كان قصراً ومعبداً في آن واحد، عثر فيه على مجموعة من ألواح الطين المكتوبة، تبلغ نحو 245 لوحاً، ترقى إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وهي تشير إلى أن شمشمارة كانت مركزاً آشورياً مهماً، ولا سيما في عصر الملك (شمشي أدد)، المعاصر لحمورابي ملك بابل، وأن لها علاقاتها التجارية الواسعة مع مدن عديدة. فجاء هذا الاكتشاف معضداً ومتوافقاً  لما كان قد عثر عليه في مدينة ماري الأمورية، على الفرات، قرب الحدود السورية، حيث وجدت وثائق تجارية لا تقل أهمية تتحدث عن علاقات تجارية كانت تصل بين هذه المدينة وبين مناطق في كوردستان وشمال غربي إيران، حيث كانت القوافل تمر بشمشمارة، حاملة معها معدن  القصدير، الذي يكثر الطلب عليه هناك. وكانت في شمشمارة مخازن ومستودعات لحفظ هذا المعدن، لغرض إعادة تصديره فيما يبدو، ولفرض الضرائب على القوافل التي تحمله أيضاً. المهم هنا، أن إحدى الوثائق أشارت إلى عدد من الإمارات المزدهرة في مناطق من كوردستان، منها ما كان قريباً من الزاب الأسفل، ومنها كان في جبل سنجار، مثل أرابخا (كركوك) وإيكالاتوم وكارنا (تل الرماح) وشباط أنليل (تل ليلان)، وشكر بازار الواقعة في حوض الخابور. 

ومما يلفت النظر حقاً أن هذه الوثائق تشير أيضاً، ولأول مرة، إلى إمارة تقع على نهر الخابور، سمتها (كوردا)، كانت تمر بها قوافل ماري التجارية، وهذه هي أول إشارة إلى إمارة بهذا الاسم في التاريخ، وعلى الرغم من قلة معلوماتنا عن هذه الإمارة، فإننا نستطيع أن نتصور أنها كانت على شيء من الازدهار الاقتصادي، قوامه الزراعة حيث تشتهر منطقتها بخصب الأراضي ووفرة المياه والتجارة… ويمكننا القول أيضاً أن إمارة كوردا كانت تؤلف، والإمارات الأخرى في كوردستان التي تشير إليها كل من ألواح شمشمارة وماري، نوعاً من التحالف الاقتصادي العسكري، إذ لم يكن ممكناً تسيير مثل تلك القوافل المحملة بالمواد الثمينة المجلوبة من المناطق البعيدة دون أن يكون ذلك تحت مظلة تحالفات تجارية تحميها قوى مسلحة منظمة، وبالطبع فإننا لا يمكن أن نتصور أن يكون ذلك إلاّ بوجود كيانات سياسية مستقرة لها من العلاقات المتينة فيما بينها ما من شأنه أن يوفر الأمان والاستقرار والازدهار لمثل تلك النشاطات الحضارية.”[12]، وثمة معلومات جديدة تنشر عن مملكة كوردا: “في عام 1997 نشر في باريس باحث الآثار الفرنسي جان ماري دوران ترجمة اللوحات الأثرية السومرية المتعلقة بمراسلات مملكة ماري. وفي هذه اللوحات التي هي قيد الترجمة إلى العربية, يوجد الكثير من الوثائق التي تتعلق بالممالك التي شهدتها كردستان في الألف الثانية قبل الميلاد. إلا أن الجديد في هذه الوثائق هو أننا نجد, ولأول مرة في التاريخ المكتوب, أكثر من عشرين لوحة أثرية تخص العلاقات السياسية بين إمارة ماري وإمارة كوردا. واسم هذه الإمارة الأخيرة لا يترك مجالاً للشك في أنها كانت كردية. إذ كانت إمارة كوردا من أقوى الإمارات التي قامت في الجزيرة, إلى الشمال من إمارة ماري وحتى شمال شرقي الفرات, إلى درجة أن أمير ماري كان يخشى مملكة كوردا, وكان يحتاط منه, رغم العلاقات الطيبة التي كانت تجمعهما. وعندما سألنا السيد جان ماري دوران عن مزيد من التفاصيل حول إمارة كوردا, اكتفى بالقول بأنها كانت تسيطر على جبل سنجار, وأن قادتها لم يكونوا محببين من قبل الإمارات المجاورة. لم نلاحظ في نصوص الوثائق المترجمة ما يدل على أن لقادة الإمارات المجاورة كره خاص تجاه قادة كوردا, سوى ما هو دارج من التنافس بين الإمارات المتجاورة. وقد تجنب السيد دوران الدخول في موضوع قد يسبب له إشكالات مع السلطات السورية. أو لربما يريد أن يحتفظ لنفسه ما لديه من معلومات عن إمارة كوردا ليضعها في بحث خاص في المستقبل[13].

  ربما تعتبر اللوحات المتعلقة بإمارة كوردا أقدم نص تاريخي يذكر الأكراد بشكل واضح[14].

= الجزيرة منطقة لتصادم وصراع الإمبراطوريات

مع هذا التوصيف وميل أغلب علماء الآثار لترجيح الصفة الثقافية الكردية الجنينية على هذه الرقعة الجغرافية إلا أنها ظلت، كما أغلب مناطق جنوب غرب آسيا وشرق المتوسط ساحة صراع لفترات تاريخية طويلة، ولم تنعم بالاستقرار حتى تتشكل تتثبت هويتها الثقافية الموحدة، التي تتطلب بالضرورة حكماً مستقراً لفترة طويلة. لقد عانت الجزيرة من عدم الاستقرار لوقوعها على حدود نفوذ عدة إمبراطوريات متعاقبة ومتنافسة، وكذلك نتيجة لتصاعد وتنامي قوى الحكم المحلي التي حاربت وقاومت نفوذ تلك الامبراطوريات. هذا وقد حدد الخطوط العامة لهذا الصراع الدكتور جمال رشيد بدقة: “بالرغم من إطلاع الهللينيين منذ عام 400 ق.م على أحوال البلاد الجبلية لكردوخيا، التي كانت تقع في جنوب نهر كينتريتس (بوتان)، لم يورد شيء من هذا القبيل عند الكتاب الذين رافقوا ألكسندر المقدوني نحو آسيا وعبروا معه فيشخابور وأربيل وكركوك عام 333 ق.م، وحتى أنهم لم يتطرقوا لسكان ميديا عندما عبروا جبال زاكروس وسهول ناساييا (كرمنشاه وما حولها) واستولوا على عاصمتها القديمة أكبتانا (همدان)، بينما وردت أخبار الكورد بعد هذه الفترة في العديد من السجلات اليونانية والرومانية وخاصةً عندما أصبح وطنهم بعد موت الكسندر عام  332 ق.م من حصة دولة سلوقس وسادت معالم الحضارة الهللينية (اليونانية). لذلك لا غرابة في أن أغلب المسكوكات من هذه الفترة المكتشفة في كوردستان تعود إلى الهلنيين… لقد جاء في سجلات الهلنيين خبر اشتراك قبائل الكورت تحت زعامة مولون الميدي عام 220 ق.م في حرب ضد أنطوخيوس الثالث، ثم انضم هؤلاء إلى قوات إنيوخ الثالث وحاربوا تحت لوائه الدولة الرومانية التي كانت تهدف آنئذ السيطرة على آسيا الغربية. ثم شارك عدد من اتحادات هذه القبائل في معركة مكنيزيا على نهر سبيليوس، وساعدوا عام 171 ق.م أومينيس الثاني ملك برغامون في حروبه مع كالينيكوس، وعندما استقلت الفرث عام 250 ق.م في بارثيا (تركمانستان الحالية) أصبح ملوكهم يشكلون خطرا على الامبراطورية السلوقيية، فاستطاع الملك ميثرادات الأول أن يغزو كوردستان ثم يدخل العراق في حدود عام 141 ق.م وعقبه بعد هذا الغزو أفراهاط الثاني حيث قضى كليا على قوات السلوقيين في إيران ثم استتب الحكم الفرثي في كل من العراق وايران في عهد أرطبان الثاني، ومع ذلك فقد تمتعت دويلات مثل كوردوئيني (كوردستان الشمالية) وحذيب (أربيل) وأرمينيه وأوسرويني (الجزيرة) وسوزوفيني (أورفا) وهاترا (الحضر) باستقلال محلي حيث غدت كل هذه الممالك نقطة التصادم فيما بين الفرث والرومان.”[15]

= الجزيرة تنقسم إلى ميزوبوتاميا و كوردئين وأوسروين

بحسب الوثائق والخرائط التي نسبت لليونان عرفت المنطقة الغربية من الجزيرة الفراتية في العهد اليوناني بأوسرويني (Oserhoeni)، كما عرف الجزء الشرقي منها بكوردئين (Korduene) المتأتية من الاصطلاح الجغرافي القديم (كوردا) السابق الذكر. لقد تحولت الجزيرة إلى منطقة صراع دامي بين الفرث والرومان. “فقد تجدد القتال مراراً بين الامبراطوريتين الفرثية والرومانية في البلاد الكوردية والأرمنية خلال القرن الأول الميلادي. وفي كل الأحوال ظلت مملكة أربيل محافظة على صداقتها مع الفرث، لذلك فقد سلم فيروز في بداية القرن الثاني الميلادي منطقة أوسريني (الجزء الغربي من الجزيرة) لأبكاروس السابع بن (إيزات) لقاء الضرائب التي تجمع فيها لصالح الفرث، وكان هذا الوقت الذي توجه الإمبراطور تراجان نحو شرق الأناضول، فدخل أديسا (أورفه)، ثم رجع إلى أنطاكية… ولما استولى تراجان على مدينة ملاطية جاءته وفود ممالك أرمينا وكبدوكيا وجيورجيا، ثم قضى شتاء عام 114 – 115م في أديسا (أورفه) وفجأة احتل نصيبين. وفي ربيع عام 115م وصل إلى نهر دجلة في كوردوئيني (كوردستان) واستعمل الطريق النهري لقيادة عساكره نحو مركز الامبراطورية الفرثية. وهكذا أصبحت مملكة حذيب في حالة مواجهة مع الرومان، ثم استطاع الإمبراطور تراجان من الوصول إلى سلوقية عاصمة الفرث عام 116م، ومنذ ذلك الحين اشتهر بلقب بارتيكوس أي فاتح بلاد الفرث، وفي النهاية رجع من العراق عبر الحضر نحو بلاده عام 117م. وفي نفس العام، أصبح هارديان إمبراطوراً في روما، وبعد القرار على تأمين السلم والاستقرار في شرق الامبراطورية، اتخذ عام 122م نهر الفرات حداً فاصلاً بين بلاده وامبراطورية الفرث. وهكذا أصبحت كوردستان قاطبة تحت الهيمنة الفرثية.”[16]  نبين في الخارطة رقم (3) المرفقة، التقسيمات الجغرافية لتلك المرحلة التي قد نتجت عن الصراع الروماني – الفارسي، هذه التقسيمات الإدارية لم تنتقل لمناهج دراسة التاريخ الرسمي لدول المنطقة.

هذا وقد أكدت خرائط متأخرة لجغرافيين غربيين على هذا التقسيم الجغرافي للجزيرة الفراتية اعتماداً على تصانيف مرحلة الإمبراطورية اليونانية السياسية وكذلك بناءً على رواياتها التاريخية ووثائقها، كما هو مبين في الخارطة رقم (4) التي طبعت في لندن عام 1821م.[17]

«الخارطة رقم (3) تظهر حدود مناطق كوردوئين و أوسرين وسوفوزين إبان العهد اليوناني –الروماني  في الجزيرة الفراتية»

«الخارطة رقم (4) مبين فيه حدود الجزيرة التي تتضمن اوسرين في غربها وكوردوئين في شرقها»

= مملكة حدياب اليهودية – الكوردية

بعد سقوط آشور كآخر مملكة قوية في بلاد الرافدين العليا أو “بعد انقراض الدولة الآشورية بسقوط نينوى عام 612 ق.م اقتسم الماديون والكلدانيون أراضيها”[18] وبعد سيادة الحكم الميدي – الأخميني لاحقاً حدث فراغ كبير في السلطة وتم السعي للتكيف مع المتغيرات عبر تكوين أشكال حكم محلية تملئ الفراغ في السلطة وتستوعب مختلف الفئات الاجتماعية. على ما يبدو خلفت مملكة حدياب حكم آشور بصيغة ما، فتفاعلات في ظل مملكة حدياب الثقافات المحلية والأديان. خاصة أن الامبراطورية الميدية – الفرثية (الأخمينية) ذات الطابع الثقافي واللغوي الكوردي – الفارسي المنبثق من أرضية ميدية في الفترة بين سنوات (550-330) ق، م،  وفرت بيئة لتبلور الخصائص الثقافية المحلية، وكذلك سمحت بحكم محلي واسع في ظل الإمبراطورية.

فتلاقحت الطبقات الثقافة وتفاعل المجتمع المحلي، فأنتج إمارة مركبة بسكان من الكورد والآشوريين وقسم من اليهود القاطنيين في الجبال من أحفاد سبايا الآشوريين. نشأت في المحصلة مملكة محلية في سهول بلاد الرافدين العليا من منطقة جبال كوردستان شرقاً وحتى حدود الفرات غرباً، كانت عاصمتها أربيل، عرفت بمملكة حدياب، وتعرف في بعض المصادر العربية (بحدة) وذلك في الفترة الواقعة بين أعوام (36-115) م. وكانت ايديولوجية المملكة الناظمة لشكل الحكم وإدارة المجتمع يهودية، وإن لم يشكل اليهود غالبية سكان الإمارة بالضرورة. اذ تبين جل المصادر أن ملكها ايزاط – أو (إزات) بحسب تحويرات اللفظ – قد تَهود، وهو في الأصل من منطقة لورستان شرق العراق الحالي (المحمرة) بحسب العلامة أحمد سوسة: “إن بعض اليهود خرجوا إلى خارج فلسطين، بعضهم لغرض التجارة وهذا مألوف ولم يقتصر على قوم أو بلد معين، والتجارة مرتبطة مع كل بلاد العالم وفي جميع الأحوال والظروف، ونحن نعلم أن هؤلاء التجار كانوا كثيراً ما يقوموا مقام المبشرين باليهودية خارج فلسطين، ومن أمثلة ذلك تهويد ايزاط أمير حدياب على يد أحد التجار اليهود في بلدة كاراكس سياسينو (المحمرة) في منطقة الخليج العربي، كما أن أمه هيلنيا تهودت على يد تاجر يهودي آخر يدعى حنينا. ولما تسلم ايزاط عرش إمارة حدياب سنة (36) م أصبحت الإمارة تحت حكم عائلة مالكة يهودية موالية للفرثيين دام حكمها ثمانين سنة (36-115) م.”[19]

كما يرى باحث آخر أن حدياب ورثت آشور وهي تمثل بلاد الأكراد في تلك الفترة التاريخية: “نشأت مملكة حدياب ضمن الإطار الجغرافي الذي كانت تحكم فيه دولة آشور أو ضمن الإطار الحضاري الذي اشتمل على الشق الشمالي من حضارة وادي الرافدين وعلى الرغم من أن مملكة حدياب لم تقف عند حدود معينة إلا أنها إجمالاً لم تخرج عن المنطقة الممتدة من المنطقة الجبلية العراقية شرقاً إلى نهر الفرات غرباً وضمت في الغالب معظم المدن الآشورية القديمة فهي بمثابة دولة آشورية بوجه جديد، لكن حدودها السياسية لم تكن ثابتة عموماً بل كانت تخضع للتطورات والأحداث السياسية، فتارة تتقلص حدود الدولة حتى أسوار أربل وتارة أخرى تزداد لتشمل أجزاء من سوريا الشمالية وآسيا الصغرى، أما اسم المملكة حدياب فهناك رأي يرى انه اسم آرامي يقابله في المصادر الكلاسيكية اسم ادبابيتي وربما هذا الاسم مشتق من لفظة زاب، لأن الزاب بالآرامية يلفظ بهيئة دب فيكون معنى حدياب واديا بين إقليم الزابين وإقليم آشور وقد اسماه الجغرافيون العرب باسم )حدة( التي لعلها مجمعة مع اختزال عن حدياب فيما يرى رأي آخر أن اسم حدياب مأخوذ من لفظة اديابين التي كانت تطلق على المنطقة في فترة من الفترات، لكن هناك من يرى أن معنى حدياب بلاد الأكراد ويقابلها بالسريانية بيت قراتواي وتشمل المنطقة الممتدة من الزاب الكبير إلى الزاب الصغير وسلسلة جبال زاجروس الموازية لنهر دجلة، لكن مما يجدر ذكره أن اسم حدياب تلاشى بعد ذلك ولم يعد يطلق على هذه المنطقة، الأمر الذي يشير إلى أن هذا الاسم ذو دلالة سياسية وربما له علاقة بالسلالة الحاكمة أكثر من علاقته بالإطار الجغرافي أو الحضاري أو السكاني، أما عاصمة المملكة فقد اتفقت المصادر المختلفة على أنها مدينة أربل التي تعد من المدن القليلة التي يمتد عمرها إلى عدة آلاف سنة …إن نشوء مملكة حدياب جاء نتيجة للسياسة العامة للإمبراطورية الفرثية بين سنوات (140 قبل الميلاد إلى 226 م) التي تعطي للأقاليم حريات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية وتسمح لها بممارسة نوع من الاستقلال ضمن محيطها الجغرافي بما لا يتناقض مع السياسة العامة للإمبراطورية فهي بالتالي نتاج الطبيعة العامة للنظام السياسي الفرثي، لكن مملكة حدياب رغم انتمائها للإمبراطورية الفرثية مثلت بحق وريثاً أصيلاً لحضارات المنطقة. لا نعرف الكثير عن كيفية نشوء مملكة حدياب ولا عن الكثير من فترات تاريخها، وكل ما نعرفه أن فترة بروزها واكب استقرار الأمور لصالح الدولة الفرثية بعد انتصارهم الكاسح على السلوقيين (اليونان) خلال الفترة من (140 إلى 126) قبل الميلاد، لكن يبدو أن نفوذ ملوك حدياب لم يكن قوياً أو أنه لم يبلغ مرتبة الاستقرار إلا في بداية العهد المسيحي عندما حكم ثلاث ملوك يحملون اسم حدياب قام أولهم بمساعدة ملك الفرثيين أردوان (12 – 38 م) على استعادة عرشه بعد أن نازعه عليه بعض الأمراء المناوئين، الأمر الذي دعا الملك الفرثي إلى السماح له بلبس التاج ومنحه حكم أرمينيا ونصيبين إضافة إلى حدياب، أي أن نفوذ مملكة حدياب قد شمل مساحات واسعة من ثلاث دول معاصرة، العراق وسوريا وآسيا الصغرى.”[20]

هذا ومن المتوقع أن طبيعة مملكة حدياب وتنوعها الاثني وخصائص ثقافتها المركبة، إضافةً إلى ظروف الصراع الفرثي – الروماني جعلتها مملكة مرنة تتقبل الأديان والمعتقدات الجديدة لدرجة هنالك من يفترض أنها جذبت الدين المسيحي وأعادت نشره وكذلك ولدت فيها الديانة الايزيدية: “الصراع الفرثي الروماني جلب معه ديانة أخرى هي الديانة المسيحية ويبدو أن للعامل السياسي دور في تغلغل هذه الديانة في مملكة حدياب، إضافةً إلى القرب الجغرافي من سوريا موطن الديانة المسيحية، ويبدو أن بعض أمراء حدياب قد دانوا بالمسيحية وهو ما لم ينكره الفرثيون، لأن المسيحية ما زالت ديانة مضطهدة عند الرومان، وقد نظر الفرثيون إلى الطائفة المسيحية على أنها طائفة صديقة، بحكم العداء الذي يجمعهم ضد روما، ما يعني أن المسيحية قد حازت الأرجحية خلال تلك الفترة، مع أن اليهودية لم تتلاشى من الوسط الحديابي بدليل بقائها… استمر توسع الديانة المسيحية حتى عدت أبرز ديانة في شمال العراق خلال العهد الساساني، كذلك ظهر دين آخر في هذه المنطقة هو الدين الإيزيدي حمل عناصر من جملة الديانات التي تتواجد في منطقة حدياب، ربما يمثل محاولة لإنتاج دين يجمع جميع الخلفيات الدينية للدولة، ومن المحتمل أن هذا الدين قد ارتبط باسم الملك أيزاد ربما ايزاد اليهودي أو ملك آخر سبقه، إذ لا نمتلك تسلسلاً واضحاً لملوك حدياب، وفي عهد هذا الملك بلغت مملكة حدياب أقصى اتساعها، الأمر الذي دفع الناس إلى تقديسه وربما عدّ بسب ذلك من الأولياء.”[21]

 في السياق نفسه أكد الدكتور عبدالوهاب الميسري على أن مملكة حدياب إمارة تابعة للفرثيين في العصر الهيليني وكانت تقع هذه الإمارة في منطقة حدودية بين تخوم الرومان والفرثيين وكانت عاصمتها أربيل. كان يحكم حدياب في الفترة بين سنتي ( 36 و60) الميلاديتين ايزاط وأمه هيلانة… فقد تهود ايزاط أمير حدياب وتهودت وامه وتحولت الإمارة إلى إمارة يهودية، أو على الأقل إمارة يحكمها أمير متهود. ولكن لا يعني بالضرورة تحول جماهير الإمارة إلى اليهودية، وإن كان هنالك رأي يذهب إلى أنه يوجد بالفعل أعداد كبيرة من اليهود في هذه المنطقة هم بقايا التهجير الآشوري. وظلت السلالة اليهودية حاكمة نحو ثمانين عاماً حتى غزاها الرومان في عهد الامبراطور تراجان سنة 115 ميلادية وقضوا عليها. ورغم أن اليهودية كانت في القرن الثاني قد ازدادت انتشاراً في حدياب، فإن المسيحية انتشرت بين صفوف اليهود هناك واعتنقها أعداد متزايدة منهم، كما حدث في مصر وغيرها من الأماكن في حوض البحر الأبيض المتوسط حتى الأغلبية العظمى إلى المسيحية”[22]

يبدو أن مملكة حدياب كانت ذات جذور ميديةأخمينية مع تأثر أو تبني جزئي لليهودية، إذ أن السماح بحرية ممارسة المعتقد اليهودي في ظل الحريات العامة التي كانت تسود نسبياً في الامبراطورية الفرثية المنبثقة عن الميدية، لم يكن المعتقد الوحيد وإن كان السائد، وما أسماء ملوك حدياب (ايزاد وايزاط) إلا هو على الأرجح اسم علم الكرديالإيراني (آزاد)، فضلا عن ذلك، فالطبيعة الجغرافية والاجتماعية للمملكة تشجع على الاعتقاد بأنها مهدت لسيادة الثقافة واللغة الكردية، بصرف النظر عن انتشار اليهودية، وما الآثار المادية لمواقع ممارسة الديانتين اليهودية والمسيحية في أغلب مناطق مملكة حدياب وخاصة بين نصيبين وجزيرة ابن عمر، وفي منطقة دراستنا (منطقة آليان) على وجه الخصوص إلا مؤشر على حرية الأديان وتفاعلها في المجتمع الكردي المتنوع المتباين والكبير. لقد كانت حدياب مملكة كوردية، لكن تم إدارة الحكم المحلي فيها بالخميرة والعقلية اليهودية، ظلت قائمة حتى بلعتها الإمبراطوريات الكبرى.

 يتبع… الجزء الثاني
————————–

[1]           فصل من كتاب (أكراد آليان) الذي سيطبع قريباً.

[2]           فان اوبنهايم 1) 1943 م (Tell Halaf I, 1943 (with Hubert Schmidt 

لمزيد من الإطلاع يراجع ما كتبه اوبنهايم  وغيره بخصوص الحضارة الحلفية.

[3]           Gelb Ingace J.. p25  .1944 . USA.Hurriyans and Subariyans،

[4]           د. جمال رشيد احمد ــ دراسات كردية في بلاد سوبارتوــ بغداد 1984، ص3

[5]           Gelb Ingace J.. p 17.1944 . USA .Hurriyans and Subariyans

[6]           Gelb Ingace J.. مرجع السابق. ص27

[7]             أنجاند، مرجع سابق، ص 19

[8]           انجاند، مرجع سابق، ص21

[9]           Gelb Ingace J.. p 21.1944 . USA .Hurriyans and Subariyans

[10]       د. جمال رشيد أحمد . ظهور الكورد في التاريخ. اربيل  – 2005،  ج1/ ص287-289

[11]       Revue d, aasryaiologie v99, III vI, 67

[12]         د. بروين بدري توفيق. موقع كلكاميش. Gilgamish  

[13]           جان ماري دوران – وثائق مراسلات قصر ماري- مطبعة سيرف باريس 1997 بالفرنسية المجلد الأول 645 صفحة و المجلد الثاني 688 صفحة. عن إمارة كوردا انظر من المجلد الأول الصفحات:   393 ,414 , 415  416 ,423,427 ,433 ,503 ,515 517 , 604 , 605 ,617.622 . .  

[14]         http://www.gilgamish.org/2006/11/24/342.html

تاريخ الزيارة 17/4/2019

[15]         د.جمال رشيد أحمد. مرجع سابق، ص396-398

[16]         جمال رشيد مرجع، سابق، ص 420-421

[17] على الرابط:

تاريخ الزيارة والاقتباس 15/4/2019

[18]         د.أحمد سوسة. أبحاث في اليهودية والصهيونية. اربد – الأردن 2003، ص116

[19]         د.أحمد سوسة. أبحاث في اليهودية والصهيونية. مرجع سابق، ص67

[20]         باسم محمد حبيب، حدياب التاريخ والحضارة موقعها، ملوكها، دياناتها. موقع ايلاف. على الرابط:

https://elaph.com/Web/opinion/2010/7/584122.html

تاريخ الزيارة، 31/3/2019

[21]         باسم محمد حبيب، حدياب التاريخ والحضارة موقعها، ملوكها، دياناتها- موقع ايلاف، مرجع سابق.

[22]         عبد الوهاب الميسري. موقع اتحاد النسابين العرب. على الرابط:

http://www.alnssabon.com/t40925.html

تاريخ الزيارة 31/3/2019