جديد الموقع

الحياةُ ككفاحٍ وأمل وشقاء… (إلى الروح النقية هناك… زكي أبو أفين)
بدرخان علي*

قبل عام وفي مثل هذا الأيام، قُدّر لنا أن نفقد إنساناً عزيزاً، محمد زكي أبو أفين (دلجار سيدا)، فَقداً مفاجئاً وبلا تمهيد. هو ذهب إلى مستقرّه الأبديّ، لكنه تركنا لألم مقيم لا يُبارح حتى اللحظة. ومنذ الخبر الصاعق أحاول أن أخفّف على نفسي وقعَ المصيبة، فيداهمني شريط الذكريات الطويل والخانق . 

كان بمثابة قدوة لنا، رغم أن صوته لم يكن خطابياً وجهورياً، ولم يكن يتصدّر المجالس؛ أُعجبتُ بنشاطه، وباهتمامه باللغة الأم والتراث.

زاد من تعميق العلاقة الوثيقة بيننا، اشتراكنا في الميول والاهتمامات والتوجهات، حدّ التطابق. فإذا حاولت نسيانه كأخ وصديق الطفولة وعلاقة مستمرة، كيف سأنساه وسط هذا الانشغال بالشأن العام؟ وكيف سأنساه وأنا أقرأ أو أكتب أو أفكر بأمر ما!. كنا نتبادل كل شيء، عمّا نقرأ ونكتب. بدءاً من الخربشات الأولى التي كان الراحل أوّل من قرأها، و دفعني وشجعني باتجاه الكتابة.

قبل رحيله بفترة قصيرة، قلتُ له يوماً ما سأكتب أنك أحد معلميّ الأوائل في السياسة وفي الثقافة الكردية؛ وكعادته ردّ عليّ بتواضعه المعهود، ومُمازحاً.

في آخر لقاء لنا، وبعد سهر طويل، قلتَ لي لا نشبع من بعض مهما تحدثنا، رحلت نهائياً ولم نشبع من بعض، إني أتهمك يا «زكي» : لقد أحببتنا أكثر مما ينبغي !… لقد انفجر قلبك الأبيض النقي ، دون وداع.

منذ رحيلك الصاعق أحاول أن أكتب كلاماً متوازناً عنك وعن نضالك، يغالبني الألم والحزن فلا أكتب سوى الصراخ والنحيب. وهذه الأسطر هي ما أستطيع أن أكتب عنك بأقصى «تجرّد» ممكن من عواطفي تجاهك. وها أنا بعد مرور سنة  كاملة على رحيلك الصاعق، بالكاد أستطيع تدوين شيء عنك، وفاءً لمحبتك العميقة والصادقة.  

من عائلة  مُكافِحة و» مكتومة القيد»، محرومة من كافة حقوق المواطنة وأبسطها، ولد «زكي» وكان عليه أن يعمل في سن مبكرة جداً ليساعد أسرته، وأن يترك مقاعد الدراسة في المرحلة الثانوية، بعدما رأى أخاه الأكبر يجتاز التعليم الثانوي (البكالوريا) لكن دون الحصول على الشهادة، لأن الحكومة السورية لا تمنحهم، كمكتومي القيد، أيّة وثيقة تثبت إتمام الدراسة الثانوية. وكان الصف الثالث الثانوي هو سقف ما يمكن أن يبلغه «مكتوم القيد» ودون أن يحصل على الشهادة بإتمام هذه المرحلة، بغض النظر عن الدرجات الحاصلة عليها. لكن رغم تركه التعليم الرسمي، لم يفارق الثقافة والتعلّم الذاتي. كان يقتطع ثمن الكتب من أجرعمله المُجهِد، ليؤسّس  مكتبة منوّعة  وغنية في بيته. أجاد اللغة الكردية قواعد وكتابة متقنة، تعلّم ذاتياً وبفضل الأجواء المشجعة من محيطه الحزبي على اعتبار تعلم اللغة الأم شرطاً، وميزة إضافية للمناضل السياسي.  وعلّم المئات من الشباب ألفباء اللغة الكردية وقواعدها، داخل حزبه وخارجه، أو ضمن منظمة «كومله» الشبابية التي كان من مؤسسيها، وكذلك في مؤسسة تعليم وحماية اللغة الكردية (fêrkirin û parastina zimanê kurdî Saziya)، بالإضافة لدوره الفاعل في نشاطات فرقة ميديا للفلكلور الكردي وانطلاقتها. وقد أنجز بعض الترجمات من العربية إلى الكردية، وكذلك بضعة حلقات  من مشروع توثيقي، كان في بدايته، عن قرى وبلدات المنطقة.  كل ذلك إلى جانب نشاطه الحزبي دون انقطاع، منذ التحاقه بالعمل الحزبي منذ صغر سنه، ومن غير أن يتعصّب لحزبه أو آرائه.

ورغم هذه الظروف الصعبة الشخصية والعامة التي تدفع الإنسان-أيّ إنسان- للتطرّف في المواقف السياسية أو اليومية، فالمرحوم لم يكن كذلك قط. حافظ على اعتدال كبير في الحياة والمواقف، بما فيه الموقف من نظام الحكم الإستبدادي في سوريا، رغم أن حكومة لا تعترف به وتحرمه من إكمال تعليمه، تستحق أن تُلعن كل ساعة. ورغم اعتزازه بكرديته وحبه البالغ للغته الأم، لم يتطرف في الموقف من «سوريّته»، التي لم تعترف به قط !.

بالنسبة لـ»زكي»، كانت الحياة كفاحاً مستمراً وأملاً دائماً، رغم الشقاء والمصاعب. وظل متفائلاً على الدوام، ولم يحلم بالهجرة إلى خارج الوطن. وكان سعيداً لأن أولاده يتعلّمون بلغتهم الأم في المدارس المنشأة حديثاً في مناطق الإدارة الذاتية . 

 رحيلك المبكر يا «زكي» خسارة لأطفالك الصغار وأسرتك وأهلك ورفاقك وأصدقائك، ولي فقداناً لجزء عزيز مني .

عزائي أيها الحبيب: هو أنك ذهبت إلى الراحة الأبدية، رغم أحلامنا المشتركة التي انتظرناها سويّة ومشاريعنا المؤجلة، ورغم الكثير الذي ينبغي أن نتحدث فيه الآن ومستقبلاً.

عزاؤنا أيضاً، هذا الوفاء الكبير المستمرّ من قبل رفاقك وأصدقائك وأهلك. فكما كنتَ صادقاً ووفياً معهم، هم كذلك أوفياء لذكراك الطيبة وكدّك الطويل ونكران الذات الذي كان لديك، ونقاوة قلبك الأبيض الناصع.

فلترقد روحك المُتعَبَة بسلام!

* جريدة الوحـدة – العدد 308 – أيار 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).