جديد الموقع

منبج، واقعٌ طموح… مخاطر وتهديدات
خورشيد برافي*


تُعدّ مدينة منبج من المدن المهمّة في الشمال السوري، وتعود أهميتها إلى عوامل عدّة منها: 1- موقعُها في وسط الشمال السوري يُتيح لها ربط الشمال الشرقي بالشمال الغربي كونها تقع في الجهة الغربية من نهر الفرات وتبعد مسافة خمسٍ وعشرين كيلو متراً من النهر. 2– تُطلّ على أهمّ الطرق في الشمال وهذا الموقع يجعلها معبراً تجاريّاً مهمّاً يسهّل النقل التجاري عن طريقها إلى الجهة الجنوبية من المساحة السورية بطرفيها الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية، 3- كذلك يمكن أن يمر النقل التجاري البرّي من خلالها آتياً من مختلف المناطة السورية إلى تركيا والعراق وبالعكس أيضاً، وذلك لقربها من مدينة حلب من جهة ومن الحدود السورية التركية من جهة أخرى، إذ بينها وبين الحدود مسافة لا تزيد عن ثلاثين كيلو متراً حيث يمكن نقل البضائع والمعدّات الصناعية بسهولة من المعابر التي تشرف عليها والطرق التي تمرّ من خلالها. 4– تموضع المدينة في منطقة ذات مناخ معتدل وتضاريس مستوية ومفتوحة على كافة الجهات عامل مساعد على التوسع العمراني بكلّ الاتجاهات وهذا الأمر يشجّع على استقطاب الاستثمارات والشركات المختلفة وبناء المخازن والمستودعات الكبيرة ويجعل المدينة مركزاً للاستيراد والتصدير.

لهذه الأهمية الاقتصادية التجارية ولأسباب أمنية سياسية يحاول كل طرف من أطراف النزاع الدائر في سوريا السيطرة على المدينة وجعلها ضمن مناطق نفوذه. فهي الآن من الناحية العسكرية تحت سيطرة مجلس منبج العسكري الذي يقوم بحماية المدينة وريفها من الناحية العسكرية ويحافظ على الأمن والاستقرار، وهذا المجلس جزء من قوات سوريا الديمقراطية (قصد)، كما أنّ للمدينة إدارة مدنية ديمقراطية تشرف على المؤسسات والأعمال وتقوم بتنظيم الأمور المتعلقة بمختلف القطاعات في المدينة وريفها من خلال مجلس تشريعي ومجلس تنفيذي، وقد تشكلت هذه الإدارة بعد تحرير المدينة وريفها من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في صيف عام 2016م، فمنذ ذلك الحين وإلى الآن والإدارة أمام امتحان صعب وتجربة مصيرية، فقد عملت على تنظيم الخدمات وتوزيع المهام وتشكيل المؤسسات والإدارات المختلفة وتأهيل الدوائر المتضرّرة وإعادة تفعيلها لتقوم بعملها، كالتربية والتعليم والصحة والمالية والمواصلات والتموين ومكاتب المنظمات الإنسانية العاملة في المدينة، وهكذا بفضل هذه المؤسسات وبجهود الأبناء من أهالي المنطقة تمّ الاهتمام بالمرافق العامة وتأمين مستلزمات الناس الضرورية مثل الخبز والماء والكهرباء والوقود، كذلك خدمات الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل للناس، مع العلم أنّه لا ينبغي التغاضي عن التقصير الذي يحصل في بعض الأماكن جرّاء مواجهة التحديات الموجودة المتمثّلة ببعض المخاطر الأمنية، وسوء الاهتمام بشوارع المدينة وشبكة الطرقات الواصلة إلى الأحياء والقرى، والفوضى الناجمة عن ازدياد الكثافة السكانية وزيادة عدد المركبات وكثرة أماكن تصليح السيارات ضمن شوارع المدينة دون التقيّد بأماكن مخصّصة لذلك، كما لا يتم أحياناً تشغيل العاملين بحسب الكفاءة والخبرة والاختصاص، ممّا يؤثر في آلية العمل بشكلٍ سلبيّ، فإذا كانت الظروف في البداية قد فرضت نفسها لمسايرة هذا الأمر بسبب ضيق الوقت وقلة الخبرات والكفاءات، فلابدّ من إعادة النظر إلى هذه الحالة الموجودة في بعض الدوائر، لتلافي الأخطاء وتدارك التقصير. عموماً يرى المتابع لوضع المدينة وريفها نوعاً من الاستقرار والراحة النفسية لدى المجتمع بكل أطيافه ومكوّناته، وقد أدّى ذلك إلى الانعكاس الإيجابي على الواقع الملموس من خلال مشاهدة الازدياد السكاني والتوسّع في الحركة العمرانية وكثرة الحرف والصناعات الصغيرة وانتعاش حركة السوق التجارية من خلال تواجد مستودعات المواد الاستهلاكية والمخازن الكبيرة لمختلف القطع والتجهيزات المتنوعة وبروز أسواق جديدة تحتوي على مجمل الاحتياجات وأغلب المستلزمات الحياتية، أضف إلى ذلك ملاحظة العدد الكبير من الموظفين والأيدي العاملة والإقبال على العمل من قبل أبناء المدينة وريفها، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ المدينة غنيّة بالموارد الغذائية المحلية التي تساعد على تأمين الاستهلاك اليومي وتوفير الاقتصاد المحلي، كالمحاصيل الزراعية والخضروات والأشجار المثمرة والثروة الحيوانية، حيث يغذّي الريف أسواق المدينة بالزيت والزيتون والتين والعنب والرمان واللوز والجوز إلى جانب اللحم والحليب واللبن والجبن والبيض والسمن والدبس والعسل وغير ذلك من الإنتاج المحلّي، وهذا يدلّ على حبّ السكان للعمل والإنتاج والمشاركة في النشاط التجاري والاقتصادي الذي يؤدي إلى التطوّر والتنمية ويعكس الروح الإيجابية الناتجة عن حب التعاون والانسجام المتبادل لدى أبناء المنطقة، كذلك المساعدة على دوام الأمن والاستقرار من خلال نبذ العنف ورفض التطرّف الديني وإزالة مخلّفات الحرب وآثارها السلبية التي عانى منها المجتمع فترة زمنية ليست قصيرة وراح ضحيتها الكثير من الأبرياء، من أطفال ونساء وشباب وشيوخ، وضحّى بسببها العشرات من الشهداء بأرواحهم في سبيل الحرية والكرامة.

إذاً أمام هذا الواقع لابد من التأكيد على أنّ المجتمع الذي يتمتّع بهذه الروح الإيجابية لا يريد تكرار المأساة مرّة أخرى ولا يرغب في عودة الحرب أبداً، كما يأمل أن تنتهي الحرب في كل المناطق في سوريا ويعمّ السلام على الشعب السوري من خلال لغة الحوار والجلوس حول طاولة المفاوضات. لكن يبدو أنّ بعض القوى الإقليمية والدولية لا يروق له هذا الأمر ولا يريد أن يعود الاستقرار إلى أي منطقةٍ من المناطق السورية، وأنّ إحلال السلام في سوريا ليس من مصلحته، فلا يتماشى هذا الوضع المستقر في منبج مع أهواء هذا البعض، وليس من مصلحته أن تُحلَّ المشكلة السورية بالطرق السلمية، فنجد هذه القوى تحاول خلق المشاكل على الدوام في مختلف المناطق السورية، ففي منبج على سبيل المثال نجد بين الفينة والأخرى التفجيرات الإرهابية التي تقوم بها خلايا تابعة للتنظيمات الإرهابية تهدف من ورائها إحداث الفوضى والاضطراب وزعزعة الأمن والاستقرار وإرباك الناس وضرب مصالحهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى التهديدات التركية وتصريحات المسؤولين في الحكومة التركية وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فلا تكفّ هذه التصريحات عن المطالبة بمنبج والادّعاء بأنّ الأمن سيعود إلى المدينة إذا ما سيطرت القوات التركية عليها وأنّ هذه القوات سوف تعيد المدينة إلى أبنائها، متحجّجة في ذلك بأنّ المدينة ليست في يد أصحابها بل في أيدي (الجماعات الإرهابية) بحسب تلك الادّعاءات، وذلك في محاولة من الحكومة التركية لخداع الرأي العام باستخدام الأوراق المختلفة لكسب معركة النفوذ لصالحها بحججٍ واهية وذرائع باطلة تخفي ورائها أطماع احتلالية ونوايا استعمارية وغايات أخرى تتعلّق بالانتخابات الداخلية وتصدير الأزمات إلى خارج حدود دولتها بإشغال الشعب والجيش عن المشاكل الداخلية المحتملة.

* جريدة الوحـدة – العدد 307 – نيسان 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).