جديد الموقع

ثورات ربيع… أم تطرّف خريف؟

زاوية نقاط على حروف*

رأى الشعوب وشبابها في النسائم التي هبّت على شرقنا فرجاً وخلاصاً من الأمراض, من الاستبداد والقهر؛ لكنها ما لبثت أن تحولّت إلى عواصف حملت غباراً وتلوثاً نالت البشر والشجر والحجر, غمامةٌ سوداء اكتنفت دماراً وتشريداً ونزيف دمٍ غزير، تلك العواصف عرّت الكثيرين، من متملقين ومتسلقين، ضعاف النفوس وانتهازيين، متطرفين وعنصريين، (ساسة وشيوخ ومثقفين ووو…)، ادعوا زوراً حب الوطن والدفاع عن الشعب، منهم من كان في زمنٍ ما رمزاً للشباب.

رؤساء وحكومات ومؤسسات ادعت صداقة بلدنا وشعبنا، ولكنهم بحثوا عن مصالحهم أولاً، وسعوا إلى تصفية حساباتهم على أرضنا ثانياً، حتى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن اللذين يبقيان أمل الشعوب والمقهورين في الظفر بحريتهم وكرامتهم، باتا عاجزين عن إيجاد مخرج ما لحالتنا المستعصية، ليكتفي أمينها العام بالتعبير عن القلق والحزن؛ إذ ظهرت دولٌ كبرى بأقبح مظاهرها، وباتت بازارات الاتفاقات واضحة كوضوح الشمس وفي وضح النهار, ليبق شرقنا بقرة حلوباً أو سوقاً لتصريف أزمات ومنتجات تلك الدول.

حروبٌ مستعرة اُستخدم فيها شتى أنواع الأسلحة، المحرمة وغير المحرمة، مع عجزٍ في تحديد هوية الفاعل أحياناً، انفلات للعنف والعنف المضاد, مدنٌ دُمرت ولا تزال، وأخرى أُخليت من أبنائها ليوطَّن بدلاً عنهم أغراباً. أبسط حقوق الإنسان يُضرب بعرض ألف حائط، حقه بالبقاء في بيت دخل في بنيانه دم وعرق أجداده؛ مقايضات بين مدنٍ وحارات من مدينة بذاتها ـ وعلى عينك يا تاجر ـ وفي بعض مناطق البلد أسوارٌ وجدران عازلة تُبنى، ليصبح مقسماً بين الأقطاب، واحتلالات دولةٍ جارة له بزعم حماية أمنها القومي، دون مراعاة لسيادةٍ ولاهم يحزنون, واستسهال الهجرات واسترخاص البشر وشراء الذمم في صورة بشعة تُذكرنا بتجارة الرقيق، ليتحوّلوا إلى خدم أو آلات مطواعةٍ بيد مقدمي المال السياسي، الذين آثروا إلى الآن استدامة أزمتنا السورية المستفحلة، دون إرادة واضحة في تقصير أمدها أو في إيقاف نزيف دمنا القانىء.

لقد ولّدت حكومات دول عظمى الشعور بالقهر والحقد والخذلان لدى الشعوب المغبونة، نتيجة سعيها الدائم للاستغلال وبناء إمبراطوريات المال والرأسمال، وبالتالي في مجتمعات الفقر وانتشار العقائد المتطرفة والجهل والتخلف، وصراع الأضداد من ديانات وغيرها، ينتشر الإرهاب بكل أشكاله، فنرى مشاهد قتل المصليّن في المساجد، وهم يدعون إلى وحدانية الخالق والتطهر من الضغائن، وعمليات تفجير في كنائس تحوي منشدين لتراتيل السلام والدعوة إلى المحبة والتسامح, وبين جموع السواح في الفنادق والمواقع السياحية؛ والطامة الكبرى هي صياغة مبررات ومسوغات سفك الدماء القانئة لهذا الطرف أو ذاك.

بالرغم من قتامة المشهد لا بدّ لعاصفة خريف وشتاء العنف والتطرف من أن تهدأ، ليحلّ محلّها نسيم ربيعٍ حقيقي، يهبّ عبقاً ونقاء, ولابدّ للسماء أن تُقلع يوماً لينقشع الثقال من الغيوم، لتسطع شمسٌ تشعّ سلماً وحريةً ومساواة.

* جريدة الوحـدة – العدد 307 – نيسان 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).