جديد الموقع

نازحو عفرين في قرى ومخيمات الشهباء… حصار ومعاناة يومية
صالح عيسى*

ما بين نسيان الكردي سياسياً (الأحزاب) وتناسي المجتمع الدولي أخلاقياً وقانونياً والمتمثلة بـ (الأمم المتحدة)، بما فيه المنظمات والهيئات المعنية بحقوق الأمومة والطفولة (اليونيسيف) والمفوضية السامية لحقوق الإنسان (اللاجئين) والمنظمات ذوات الطابع الخاص في المجالات الإغاثية، يعيش مهجَّرو عفرين قسراً في مناطق النزوح- شمالي محافظة حلب.

لقد أداروا ظهورهم لمآسي النازحين في هذه المخيمات، كما كانوا سبباً لوجودهم فيها عندما التزموا الصمت أثناء الغزو التركي واحتلاله لمدينة السلام والتعايش السلمي (عفرين) .

 حيث القوانين الأساسية للبلدان (الدساتير) تعتبر الحكومات هي مسؤولة مسؤولية مباشرة عن حماية مواطنيها من نازحين أو غيرهم، حتى ولو كانت هي السبب في نزوحهم، وعندما لا تستطيع أو لم تفعل ذلك عمداً، فيصبح من واجب المجتمع الدولي حماية النازحين الذين يُعتبرون من الفئات الأشد ضعفاً في العالم، وهذا ما لا نجده في مخيمات العفرينيين ومناطق نزوحهم، أو لا يريد المعنيون أن يفعلوا ذلك، سواء أكانت دولاً أو منظمات تابعة للأمم المتحدة.

أولاً : إدارياً

الشهباء هي مناطق وبلدات ريف حلب الشمالي، وحالياً عبارة عن مقاطعة تابعة لإقليم عفرين، مركزها منطقة (تل رفعت)، وتتبعها ثلاث نواحي وهي كل من (أحرص، فافين، كفرنايا)، وتتبع هذه النواحي مجموعة من القرى والبلدات الواقعة ضمن جغرافية هذه المقاطعة، بموجب التقسيمات الإدارية الصادرة عن فيدرالية الشمال السوري (الإدارة الذاتية ) لعام 2017 .

ثانياً: تاريخ وسبب نشوء المخيمات

منذ أواخر شهر آذار 2018 عقب احتلال تركيا ومرتزقتها لمقاطعة عفرين الكردية، بادرت الإدارة الذاتية بصورة مستعجلة إلى إنشاء عدة مخيمات في مقاطعة الشهباء لإيواء النازحين الفارين من قصف القوات التركية والفصائل المسلحة التابعة لها.

ثالثاً: عدد المخيمات

العدد الإجمالي للمخيمات ضمن مقاطعة  الشهباء خمسة موزعة على الشكل التالي:

1) مخيم بالقرب من بلدة دير جمال، وهو قديم، وكان تحت إشراف الإدارة الذاتية، والآن يقطنها حوالي (120) عائلة، أي ما يزيد على (700) نسمة.

2) مخيم المقاومة (برخدان Berxwedan)، تم إنشائه في أواخر شهر أذار 2018، وكان المحطة الأولى لكارثة النزوح الجماعي (للعفرينين)، يقع بالقرب من (ناحية فافين)، وفيها اكثر من (850) خيمة، يقطنها أكثر من (4000 ) نسمة.

3) مخيم العصر (سردم Serdem) يقع بالقرب من قرية تل سوسين، فيها أكثر من (800) خيمة، يقطنها أكثر من(4000) نسمة .

4) مخيم العودة (Veger) يقع بالقرب من قرية الزيارة، فيها أكثر من (150) خيمة، يقطنها أكثر من (120) عائلة ، أي أكثر من (900) نسمة، إلا أن هذا المخيم يتوسع بشكل يومي، نظراً لتوافد النازحين الجدد من داخل عفرين، نتيجة الممارسات والضغوطات المستمرة والممنهجة من قبل قوات الاحتلال التركي  ومرتزقتها، بهدف إحداث تغيير ديمغرافي في المنطقة، وإسكان عوائل المرتزقة محل السكان الأصليين.

5) مخيم عفرين (Efrîn) مخصص للإخوة (القرباط) الذين اتخذوا من عفرين مقراً لهم خلال فترة سلطة الإدارة الذاتية، حيث الأمان والاستقرار على مدار 4 سنوات بالرغم من الحصار المفروض على عفرين قبل الاحتلال التركي ، وجاء فرزهم إلى مخيم خاص بهم بناء على طلبهم، وفيه أكثر من (100) خيمة يقطنها أكثر من (600) نسمة.

رابعاً: إجمالي النازحين

لقد بلغ العدد الإجمالي للنازحين الوافدين إلى مقاطعة الشهباء منذ بدء الاحتلال التركي لمقاطعة عفرين أكثر  من (250) ألف نسمة حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان ولجنة الشؤون الاجتماعية المشرفة على المخيمات، إلا أن هذا العدد قد انخفض نتيجة مغادرة البعض من النازحين باتجاه كل من عفرين، حلب ، دمشق الجزيرة، كردستان العراق، أوربا؛ كل هذا خلال شهري آذار ونيسان 2018، حيث منعت الحكومة السورية دخول النازحين إلى مدينة حلب (علما أن أغلب أهالي عفرين يملكون عقارات من منازل ومحلات في حلب) وكذلك منعت القوات التركية والجماعات المسلحة عودة النازحين إلى داخل منطقة عفرين، تمهيداً لتنفيذ مشاريعها العدائية.

حالياً يعيش أكثر من (133) ألف نسمة نازح في مقاطعة الشهباء، ما بين المخيمات والقرى التابعة للمقاطعة، ومنهم ما يقارب (120) الف نسمة يقطنون في منازل كانت فارغة، فلم تكن مؤهلة للسكن، لأن تلك القرى والبلدات كانت ساحات للمعارك على مدار اكثر من (3) سنوات، ما بين النظام والمعارضة، وأثناء تأهيل تلك المنازل بما هو ممكن من قبل الأهالي (النازحين)، وقع الكثير من الانفجارات التي خلفت أكثر من (60) شهيد أغلبهم من الأطفال والنساء.

نسبة الأطفال بين هؤلاء النازحين تتجاوز (55% ) وكذلك نسبة النساء.

خامساً: الوضع الصحي

لا شك أن الوضع الصحي في غاية الصعوبة، في ظل أجواء الحرب السائدة والدائرة في المنطقة، إن المقاطعة تفتقر إلى كافة أنواع الخدمات نتيجة الحصار المفروض عليها من كافة الجهات، مع ذلك بادرت اللجنة المشرفة على المخيمات والإدارة الذاتية إلى إنشاء ما يشبه بعض النقاط الطبية لمعالجة حالات الطوارئ وقامت بتأهيل مقرّ إحدى النقاط الطبية وتحويلها إلى مشفى باسم مشفى (عفرين Efrîn)، الذي يقوم بكادره الطبي القليل، من أطباء وممرضين وفنيين، بتقديم كافة الخدمات الطبية (الفحص الطبي، التحاليل، التصوير الإشعاعي، تقديم الأدوية…) وإجراء العمليات الجراحية على مدار الساعة بدون توقف، ويُقدم الخدمات الطبية للنازحين مجاناً.

حيث أن المشفى والنقاط الطبية تتلقى بعض المساعدات الطبية من مديرية الصحة في حلب ولجنة الصليب الأحمر الدولي، وهي في حدها الأدنى، وتقتصر هذه المساعدات على تقديم بعض أنواع الأدوية والاستشارات الطبية ونقل بعض المرضى (الأمراض المزمنة) إلى الداخل السوري للعلاج، أما باقي أنواع الأدوية تتم شرائها من السوق عن طريق التجار.

سادساً: التعليم

بما أن التعليم هو واحد من الحقوق الأساسية لكافة البشر، كما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتبنتها المنظمات التابعة للأمم المتحدة، منها منظمة اليونيسيف المعنية بالطفولة وحقوقها.

وبما أن وصول الأطفال إلى المدارس ليس كافياً، لجعلهم متعلمين، بل إن هذه العملية بحاجة إلى ظروف أخرى، كالمكان الآمن والبيئة الصحية وتوفير الأساليب الأخرى للتعليم من المرافق ومستلزماتها، كون هدف اليونيسيف (رعاية ضحايا الحروب وتوفير الرفاه للأطفال المنكوبين)، إلا أن  التعليم في مخيمات الشهباء تفتقر إلى أدنى مستويات ومتطلبات التعليم، حيث ندرة مستلزمات التعليم، أولها مقاعد الجلوس، فالمتابع للوضع التعليمي في تلك المخيمات يصاب بالدهشة عندما يجد أن التلاميذ يجلسون على الأرض ويحصلون على التعليم بطرق بدائية في أغلب المدارس المنتشرة في مقاطعة الشهباء.

إن المنظمات الدولية المعنية بالطفولة لم ترى ولم تسمع بأنه في مقاطعة الشهباء يوجد أكثر من (64) مدرسة تفتقر إلى كل شيء، بدءاً من القرطاسية وانتهاءً بالبيئة الآمنة الغير متوفرة حالياً، إلا أن الكادر التعليمي الموجود يبذل جهوداً كبيرة جداً لتخفيف المعاناة عن التلاميذ .

فالتعليم في الشهباء بحال يُرثى له، وإن استمر بهذه الطريقة، حيث نقص الكادر التعليمي ومستلزمات التعليم ومرافقها، وما هو منجز الآن يُسجل للجهة المشرفة والكادر التعليمي، علماً ان أغلبهم يعملون كمتطوعين.

سابعاً: البنية التحتية في المخيمات

عندما يزور أحدنا هذه المخيمات لا بد له أن يرى المستنقعات وبرك المياه الآسنة وجريانها ما بين الخيم، وهذا بدوره يجذب الحشرات والبعوض مما يزيد من معاناة الناس مع الأمراض التي تجلبها هذه الحشرات، ناهيك عن الظروف الجوية الصعبة، حيث البرودة والأمطار ونقص في المحروقات ومستلزمات التدفئة، مما يضاعف فرص انتشار الأمراض، ففي شتاء 2018 قامت اللجنة الاجتماعية المشرفة على المخيمات والإدارة الذاتية بمحاولة تحسين وضع المخيمات ضمن إمكانياتها المحدودة، حيث قامت (بصب البيتون المسلح على أرضية الخيم بارتفاع عن الأرض (30) سم، لكي لا تسرب مياه الأمطار إلى داخل الخيم، مع ذلك تعرضت بعض الخيم للأضرار نتيجة الظروف الجوية وما صاحبتها من عواصف مطرية ورياح شديدة .

أما بالنسبة للمياه الشرب والغسيل، فيتم تأمين قسم منها عن طريق منظمة اليونيسيف بواسطة الصهاريج من مدينة حلب، وقسم آخر  من الآبار الارتوازية في المنطقة بواسطة المضخات البدائية، وكذلك الكهرباء يتم تأمينه عن طريق المولدات، حيث أن تلك المولدات والمضخات تعمل على مادة المازوت وهي غير متوفرة بشكل دائم ومنتظم، مما يضيف عائقاً آخر على عاتق الناس، إذ أن مادة المازوت تأتي إلى هذه المقاطعة عن طريق التجار حيث الجشع والاستغلال.

في مجمل الأحوال إن البنية التحتية والخدمات في المخيمات ومناطق النزوح بأدنى مستوياتها، لمحدودية إمكانيات  الجهة المشرفة، وتناسي المجتمع الدولي ومنظماتها  للمسؤوليات والواجبات تجاه هول ومأساة (133) ألف نسمة من أهالي عفرين .

ما هو مطلوب من المنظمات الدولية المعنية بالطفولة والأمومة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمات حقوق الإنسان، القيام بواجباتهم الأخلاقية والإنسانية قبل الواجب القانوني في تقديم الدعم اللازم وتحسين أوضاع المخيمات والوقوف على أحوال الناس وسماع متطلباتهم، ليتمكنوا من العيش بما  يليق بالبشر وسمعة هذه المنظمات.

* جريدة الوحـدة – العدد 306 – آذار 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).