جديد الموقع

قراءة في تقرير لجنة التحقيق الدولية المعنية بسوريا، المنشور بتاريخ ٢٨شباط ٢٠١٩
عماد الدين شيخ حسن*

نشرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنيّة بسوريا في نهاية شهر شباط الماضي تقريرها الدوري الذي ستتقدم به في تاريخ ١٢/٣/٢٠١٩ إلى مجلس حقوق الإنسان المنعقد في دورته الأربعين بجنيف.

وبحصولنا على نسخة من التقرير المشار اليه واطلاعنا عليه، لا نخفيكم ما انتابنا من امتعاض شديدٍ ودهشة جرّاء ما ورد في مضمونه، من خلال سرد اللجنة لبعض الأحداث والاستنتاجات التي تقول بأنها توصّلت إليها تبعا لتلك الوقائع والأحداث التي عاينتها، ولا يمكن القول عن تلك الاستنتاجات إلاّ أنها لا تمت إلى الاستقلالية والمهنية والمسؤولية بصلة.

  ويكفينا أن نسلّط الضوء على ما ورد في التقرير بشأن عفرين وواقعها كإحدى المناطق السورية الداخلة في نطاق عمل ومهام اللجنة الدولية، لتكون مرآةّ لصورة التقرير بالمجمل.

في هذا السياق ورد شأن عفرين في التقرير ضمن الفقرات التالية :

( في عموميات الموجز، الفقرة ٧، الفقرة ٣٤، الفقرة ٣٥، من الفقرة ٦٣ حتى الفقرة ٧١، الفقرة ٨٩).

حيث يبدأ التقرير تحت العنوان (موجز) بوصف عموم المشهد في مناطق سورية وأرجاءها، فنسب بشكل واضح سبب سقوط أعداد كبيرة من المدنيين إلى كل من القوات الموالية للحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية والائتلاف الدولي، في المقابل يكتفي التقرير بذكر أن أعمال الاعتقال والاحتجاز التعسفية منتشرة في كل أرجاء عفرين، دون أي إشارة لمن يرتكبها.

وللقارئ الكريم أن يلاحظ بدءاً من هنا وحتى آخر فقرات التقرير مدى تحاشي اللجنة ذكر أي كلمة قد يثار من خلالها أي شكّ أو شبهة حول تركيا ومسؤوليتها.

وله أن يلاحظ أيضاً الحرج الذي تواجهه اللجنة حتى في الوصف الذي ستطلقه على تركيا في أي, حديث حول ما بعد انتهاء العملية مباشرةً .

فمجرد انتهاء العمليات والاشتباكات والمقاومة يصبح وصف اللجنة للوجود التركي في عفرين مكلفاً للغاية، حيث حتى لو لم تنطق أو تذكر وصف الاحتلال صراحةً، فإن أي دلالة أو مؤشر لثبوت ذلك الوصف يُحمّل تركيا جملة كبيرة من المسؤوليات، ومسؤوليات جرائم يوم الجراد الأول تكفي.

 لذلك لاحظنا كيف أن اللجنة تحاشت ذلك أعلاه وستتحاشى ذلك في كل الفقرات اللاحقة، وذلك في محاباة واضحة منها لتركيا، لا بل سنجدها تستبسل في إبعاد الوصف عنها للأسف.

نأتي الآن إلى الفقرة السابعة من التقرير… حيث يشير إلى وقوع جرائم الاعتقال والاحتجاز التعسفي، والاعتقال لأجل الابتزاز والفدية، والسلب والنهب، والاستيلاء على الممتلكات، وتفخيخ السيارات.

ولكن ماذا بالنسبة لجهة المسؤولية عن تلك الجرائم؟

تشير الفقرة بوضوح إلى وجود مجموعة كبيرة من الجهات المسلحة الفاعلة في عفرين تتشارك السلطة فيها، أي بمعنى تمارس كل جهة سلطتها إلى جانب الأخرى على حد سواء، ودون أن تكون لأي منها ولاية على الأخرى أو ولاء لأخرى. وبالتالي ومع أن الفقرة لم تأتِ أصلاً على ذكر تركيا، فإن اللجنة حتى ولو كانت تعتبر تركيا ضمن جهة من تلك الجهات، فإنها تعتبرها على الأساس الذي لا ولاية لها على أحد وأنها مثلها مثل أي جهة أو طرف من تلك الاطراف، لا بل إن الفقرة لا تبعد وتنفي المسؤولية عن تركيا فحسب، بل وعن باقي الجهات المسلحة أيضاً، على اعتبار أنّ كثرتها وعدم معرفة الرقعة التي تحكمها كل جهة يجعل من المحال تحديد مسؤوليتها.

إذاً… هذا يقودنا إلى استنتاج أسوأ من ذلك وأخطر، مفاده إن ذكر الجرائم دون ذات أهمية وقيمة طالما لم يحدد التقرير المسؤول عن ارتكابها وقيّدتها ضمناً ضد مجهول.

والمؤلم أكثر في الفقرة هي السذاجة في تعبير اللجنة ومستوى استخفافها بالعقول من خلال اشارتها إلى الارتباك الذي يعيشه السكان بشأن تحديد الجهة المسؤولة عن معالجة المظالم. وكأنّ عفرين ملأى بالمحاكم ودور الإنصاف والسكان في حيرةٍ إزاء من تختص من تلك الدور بشكواهم، وأيضا كأنّ السكان يجهلون من يحكم عفرين ويجهلون من بيده الأمر والنهي فيها، ولا يعلمون بأن ما من مسلّح يتحرّك دون أمرٍ من تركيا.

لنأتي الآن إلى الفقرة (٣٤)… حيث تكتفي بذكر العدد التقريبي للفصائل المسلّحة في عفرين وبعض محيطها و التي هي قرابة الخمسون فصيلا، و يذكر أهمها.

في الفقرة (٣٥)… يركّز التقرير على الجانب الأمني في عفرين وانعدامه نتيجة اقتتال الفصائل فيما بينها على نقاط السيطرة ، كما يذكر أعمال التفخيخ و تفجير سوق الهال مثالا عنها .

ويبدو أن اللجنة تقصد باقتتال الفصائل على نقاط السيطرة، مسرحيات الاقتتال تلك التي ظهرت بين الفصائل منذ فترة (جيش الشرقية وبقية الفصائل) وبتعليمات تركية، بغية التحلل من التبعات والمسؤوليات القانونية، ويبدو أنها نجحت، فها هي اللجنة الدولية تساهم معها في ذلك.

نأتي إلى الفقرة (٦٣) من التقرير… حيث تتحدث بداية عن الغياب العام لسيادة القانون وتشير إلى عمليات الابتزاز، أما النقطة الأبرز والأغرب في الفقرة فهي أنها تنسب السيطرة الفعلية على المناطق الفرعية إلى الجماعات المسلحة وممارستها للنهب والاحتجاز والاختطاف، ثم تختتم الفقرة بعدم تمكنها من التأكد فيما إذا كانت تركيا قادرة على ضبط سلوك تلك الجماعات أم لا.

في الحقيقة… تعتبر هذه الفقرة هي الأوضح استبسالاً والأشدّ تأثيراً في مسار التقرير وتقييمه وأبعاده بخصوص عفرين، وهي الأكثر سواداً واجحافاً بحق عفرين وسكانها، لما ترتبه عباراتها من آثار وهدر للحقوق ومنجاةٍ للجناة، من خلال إلصاق السيطرة الفعلية بالجماعات المسلحة دون تركيا، خلاف الواقع والحقيقة، وايضا من خلال تعبيرها عن عدم قدرتها في التثبت مما إذا كانت تركيا قادرة على ضبط تلك الجماعات أم لا.

سنأتي إلى بيان الأبعاد الخطيرة لهذا الكلام قانوناً في ختام عرض الفقرات.

بالنسبة للفقرة (٦٤)… اقتصرت على تأكيد غياب الأمن نتيجة غياب سلطة القانون، وكذلك أكدت على حالات الاختطاف والاختطاف لقاء الفدية .

والفقرة (٦٥)… تتابع السياق ذاته وتبين أن استنجاد من تعرضوا للمظالم بمراكز الشرطة والسلطات التركية تكون دون جدوى.

أما الفقرة (٦٦)… فتشير إلى عمليات الاحتجاز التعسفي والتعذيب وإساءة المعاملة ومصادرة الممتلكات والمركبات والمواشي, وتنسب كل ذلك إلى الجماعات المسلحة.

ولكي يتثبت القارئ الكريم أكثر من أننا لا نتهم اللجنة بالتحيّز وعدم المهنية جزافاً، لاحظوا كيف أنها في هذه الفقرة أيضاً، لمجرّد أنها تأتي لذكر دور تركيا في  تلك الاحتجازات التعسفية، فإنها تمهد لذلك بأنها تطال المتهمين بانتمائهم لوحدات حماية الشعب وغيرها.

الفقرة (٦٧)… تشير إلى أعمال النهب والنهب الجماعي لحصاد الزيتون وفرض الضرائب والرشاوى ومضايقات النساء.

الفقرة (٦٨)… تعبر اللجنة من خلالها إلى وجود تباين في المعلومات الواردة حول وجود القوات التركية في عفرين بين النفي والتأكيد.

وهذا تأكيد آخر لإصرار اللجنة على إبعاد تركيا من المسؤولية.

الفقرة (٦٩)… تبرز بوضوح التناقض الكبير بينها وبين كل الفقرات الأخرى، وبالتالي التناقض في استنتاجات اللجنة. فتصوروا أن هذه الفقرة تتحدث عن ورود أنباء بأن السلطات التركية تراقب الهياكل التنفيذية والقضائية والإدارية وتنسق فيما بينها وتمولها، وتدعم المجالس المحلية وتصدر الهويات.

فإن كانت الجماعات المسلحة تسيطر فعلياً على المناطق الفرعية (فقرة ٦٣) وإن كانت أيضا تتقاتل فيما بينها على مناطق السيطرة (فقرة ٣٥)، وإذا لم تكن أو لم تتأكد ولاية تركيا على تلك الفصائل (الفقرتين ٦٣، ٧١)، في ظل كل ذلك نتساءل ويتساءل المنطق، كيف تقوم تركيا بكل ذلك ومن أجل ماذا، أي كيف ولماذا تراقب وتنسق وتموّل وتدعم تلك الهياكل والمجالس.

وبالنسبة لإصدار الهويات أو بطاقات التعريف الموحدة في كامل الإقليم وبصرف النظر عن الغاية منها واستخداماتها، كيف توحدت تلك الفصائل والجماعات المتناحرة وعلى رأسهم تركيا في إصدار تلك الهويات وباللغتين العربية والتركية وبشعار وعلم ما تسمى بالثورة السورية ؟؟؟؟

الفقرة (٧٠)… تشير إلى ورود معلومات بأن القضاة والمحامين السوريون يجري تعيينهم من وزارة العدل التركية، أيضا تقوم تركيا بتدريب أفراد الشرطة السوريون في الإقليم .

وبالتالي تُثار ذات التساؤلات ونقاط الاستفهام التي وردت في الفقرة أعلاه .

أما الفقرة (٧١)… وإن كانت قد أتت على ذكر شيء تكاد تحسم صحته، وهو ارتكاب جرائم حرب في عفرين، إلا أن الفقرة تداركت منهجها وسارعت إلى ذكر بأنّ اللجنة لا زالت لا تدرك ما إذا كان الوجود التركي في عفرين هو احتلال أم لا، لأن الوارد في الفقرة هي بحذافيرها نفيٌ لمقومات الاحتلال وشروطه.

نأتي إلى الفقرة الأخيرة الخاصة بعفرين وهي (الفقرة ٨٩)… حيث أتت على ذكر النزوح من جراء الأعمال القتالية، وبعض ما وقع على النازحين لجهة نهب منازل البعض منهم ولجهة استيلاء المسلحين وأسرهم على بعضها.

ليكون بالتالي في ختام فقرات التقرير الخاصة بعفرين أيضاً مصيبةً أخرى وهي:

إن التقرير في مناسبة ذكر النازحين، لم يتطرق لأخطر الجرائم في عفرين على الإطلاق، وهي جرائم التهجير القسري الممنهجة بحق الكورد، والتي تسعى إليها تركيا بدعم من الجماعات المسلحة. بل صوّر التقرير من خلال ذكره لعودة عشرات الآلاف، وكأن العودة مباحة وطبيعية بخلاف الواقع .

القارئ الكريم :

أمرّ لا يمكن أن يقبله عقلٌ أو منطق، أن تخرج علينا اللجنة بالقول بأنها لم تتأكد من أن الوجود التركي في عفرين هو احتلال أم لا عبر القول بأنه (لا تزال اللجنة غير قادرة على أن تؤكد على وجه الدقة المدى الذي كانت في حدوده عفرين وضواحيها تحت سيطرة القوات التركية أو الجماعات المسلحة… ولا ما إذا كانت القوات التركية قادرة على ممارسة السلطة الفعلية والقيام بالمهام الحكومية في عفرين. وبسبب الغياب الصارخ لسيادة القانون، لا يزال من غير الواضح بالمثل ما إذا كانت القوات التركية قادرة على ممارسة السيطرة الشاملة على أي جماعات مسلحة موجودة في المنطقة).

فالاحتلال حسب المادة (٤٢) من اتفاقية لاهاي (( تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها )) .

من المخزي أن يخرج تقرير اللجنة خالياً من هاتين الحقيقتين الدامغتين وهما :

أولاً… أن تركيا قوة وسلطة احتلال في عفرين وبالتالي تترتب عليها كافة واجبات ومسؤوليات المحتل الواردة في الصكوك الدولية وأعرافها واجتهاداتها القضائية، كما تتحمل مسؤولية كافة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها بالذات أو ارتكبتها الجماعات المسلحة بصرف النظر إن كانت تابعة لها أم لا, لأنها هي المسؤولة عن الأمن و الاستقرار.

ثانياً… جرائم التهجير القسري التي تُرتكب في عفرين وبمختلف السبل والوسائل، والتي تستهدف الكورد، بغية محو خصوصية عفرين الكوردية.

حقيقةً… لا نرى في التقرير المذكور من إضافةٍ وقيمة لما ورد فيه، طالما لم يحدّد وينسب أدنى مسؤولية لتركيا فيما يحدث في عفرين .

* عن مركز ليكولين للدراسات والأبحاث القانونية – ألمانيا.

جريدة الوحـدة – العدد 306 – آذار 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).