جديد الموقع

في عفرين: التُركي لم يرغب برؤية الكُردي… صامداً!
أحمد قطمة*

قبل شنها الغزو العسكري بقرابة العشرة أيام، أي منذ مطلع الثلث الثاني من يناير العام 2018، بدأ الغزو التركي بشن عمليات للقصف المدفعي التمهيدي على محيط عفرين، في مختلف نواحيها، وبشكل خاص القرى المتاخمة لإعزاز وريف جنديرس القريبين من الحدود التركية، كقرى حمام وحج إسكندر وغيرها، بينما لم يكن العفرينيون مُدركين بعد لما خطط لهم في سوتشي، وأنه قد جرى مقايضتهم فيها مع الغوطة، بتوقيع مختلف أطراف الصراع المتخاصمين، أكان فريق النظام المتمثل بالروس والإيرانيين، أو فريق ادعاء الثورة المتمثل بتركيا وجماعات الإخوان المسلمين.

القصف التركي المدفعي ذاك لم يكن عبثياً بالمطلق، فرغم إصرار أهالي عفرين على التشبث بأرضهم، وعدم مغادرتها، كونهم يدركون أن ترك قراهم خالية هو عملياً شرعنة للاحتلال التركي ليبدأ بالتصعيد أكثر بحق المقاتلين الكرد من أبنائهم، ممن كانوا يستميتون في الدفاع عن كرامة ذويهم، وطهر أرضهم المباركة، لكن ومع دخول الغزو التركي الإعلان الرسمي في العشرين من يناير العام 2018، للهجوم على كُردية عفرين وانتمائها، توجه الغزو إلى استراتيجية اتُبعت في كل قرى عفرين الـ 366، والتي قامت على تهجير السكان الكرد من الريف بشكل تدريجي نحو قلب مدينة عفرين، واعتمدت الخطة التركية على قصف القرى على مراحل، استهدفت كل مرحلة منها طرد السكان الكرد وتهجيرهم بشكل دوري، كانت بدايتها بتهجير القرى الحدودية، عبر قصف محيطها لعدة أيام كرسائل تحذير للسكان، ما كان يضطر أرباب العائلات الكردية إلى إرسالها نحو مناطق داخلية قد تكون أكثر أمناً، وبعد عدة أيام كان الغزو التركي يعمد إلى قصف طرف أي قرية يرغب بتحويلها إلى ساحة للحرب والغزو، ليهجر معها آخر من تبقى فيها، ويشرعن الغزو لذاته التصعيد بحق المقاتلين الذين يزودون عنها، بحجة أنها باتت مناطق عسكرية، خالية من المدنيين!

الخطة القائمة على القصف التدريجي سمحت للغزو التركي بتهجير جميع السكان الكرد من قرى عفرين، ورغم أن الحجة كانت محاربة «وحدات حماية الشعب»، لكن الشعب هو من كان مستهدفاً في واقع الأمر، حيث لم يرغب الأتراك الدخول إلى أي قرية كردية ومشاهدة الكرد فيها، حين باتت كل حركة ضمن القرى أهدافاً يسهُل ترصدها، فلم يعد ممكناً معها أن يتوجه المواطنون للاطمئنان على بيوتهم أو مواشيهم وأرزاقهم، كونهم يدركون أنهم وسياراتهم سيتحولون إلى أهدافٍ للقوات الغازية، وبالتسلسل، جرى بداية تهجير القرى الحدودية، ومن ثم عقب احتلالها، عمد الاحتلال إلى التركيز على التلال والجبال المرتفعة في عفرين، ليهجر في المرحلة التالية القرى التي تبعد عن الحدود مسافة 10 كم على سبيل المثال، ومن ثم تضييق الخناق أكثر فأكثر، وتهجير القرى التي تبعد 20 كم، وهكذا دواليك.

وسجل خلال أيام الغزو تلك، رغم ما حملته من مآسي، مثالاً عظيماً عن تعاضد العفرينيين، حيث هجرت عائلات من القرى الحدودية نحو قرى مجاورة، وبعد أيام كانت تهجر تلك العائلات معاً نحو قرى أكثر بعداً عن الحدود، لتجتمع في بيتٍ واحد ثلاث عائلات، وربما أكثر من ثلاث قرى، ومن ثم يهجر الجميع نحو مركز مدينة عفرين، التي كانت قد بقيت ملاذاً أخيراً.

وبالتزامن مع قصف القرى وتهجير السكان الكُرد منها، عمد الغزو إلى القصف الدائم على مراكز النواحي جميعها، خاصة راجو وبلبل وجنديرس وشيه، حيث لم يرغب الاحتلال التركي بتوجه أهالي القرى نحو مراكز النواحي، كي لا يتم تصوير ذلك لاحقاً على أنه تهجير سكان كل ناحية على حدا، ما فهم منه سعيه توجيه جميع السكان إلى مدينة عفرين المركز مباشرة، خاصةً وأنه لم يستهدفها على مدار أيام الغزو باستثناء الأسبوع الأخير قبل الاحتلال، وكأنه كان يريد أن يقول للكُرد (توجهوا إلى مركز عفرين فهي وحدها «المنطقة الآمنة»)، وهو ما حصل فعلاً، حيث أضحت عفرين نقطة التجميع النهائية للمهجرين.

ومع إفراغ القرى الكردية من سكانها، زاد الغزو التركي ومسلحوه من المليشيات الإرهابية المعروفة بـ (الجيش الحر، الجيش الوطني، النصرة وبقايا داعش) من حجم العمليات العسكرية، التي ساهم الطيران الحربي في حسمها لصالح الغزاة، كونهم كانوا يدركون استحالة التقدم على الأرض الكردية وتدنيسها لولا فتح المجال الجوي السوري أمام الغزاة، وتصاعدت الأعمال الحربية، مما أفقد المقاتلين الكرد القدرة على ضبط الخسائر، في ظل انقطاع الامدادات العسكرية والاتصالات نتيجة أجهزة التشويش المستجلبة من الناتو!، ليساهم كل ذلك بعد قرابة أربعين يوم من المقاومة الفعلية، في بدء انهيار الجبهات، وهو أمر كان مرجحاً من قبل مراقبين، لاستحالة استمرار المقاومة بدون وقف القصف الجوي التركي.

وقد فهم من سعي الاحتلال تجميع الأهالي في عفرين سعيه تشكيل الضغط على «الإدارة الذاتية»، ما قد يسبب فشلها في إدارة الأزمة وربما خروج الأهالي عليها، لكن الإدارة الذاتية التي شكلها أبناء عفرين تمكنت من الصمود حتى من الناحية الإدارية، لأن أبناء عفرين كانوا مدركين أن الغزو يهدد وجودهم، وأن عفرين رغم أخطاء الإدارة الذاتية سياسياً، بيد أنها لا تبرر لغازي غزوه، وهي كانت مفضوحة بالنسبة للغالبية الساحقة من العفرينيين، بأنها استهداف لهوية المنطقة الكردية وخصوصيتها (جياييه كورمينج\كرداغ\جبل الكُرد\عفرين).

حقق الاحتلال التركي سيطرة عسكرية على جغرافية المنطقة وأهدافه في تهجير جزء كبير من كُرد عفرين، ويحاول منع المتواجدين منهم البقاء على الأرض التي ينتمون لها، فــ الكُرد ولعشقهم ترابهم، كانوا سيجبرون أنفسهم على تحمل مرارة الخضوع للاحتلال العسكري التركي، مُقابل بقائهم على تراب أجدادهم، بيد أن الاحتلال لم يكن في نيته السماح لهم بالبقاء، لأنه يريد أن يقوم بتوطين الغرباء في أرضهم، فالتركي بالمُختصر لا يرى الكُردي جيداً، إلا حين يموت، أو يترك أرضه، كونه لا يرغب أن يرى الكُردي صامداً!

* إعلامي كُردي

جريدة الوحـدة – العدد 305 – شباط 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).