جديد الموقع

2018 ثقيل الوطأة علينا
نعيم شباب*

لستُ مختصاً في السياسة ولكن ما يشفع لي مواكبتي للأحداث، سياسياً واجتماعياً وفنياً، عام ٢٠١٨م كان ثقيل الوطأة،  جليل الحوادث، مأساوي النتائج… ليس من عادة الشمس أن تغيب عن ربوعنا وتحرمنا النور، ولكنها فعلتها، فتحولت حياتنا إلى ظلام دامس.

أياً كانت الحياة التي كنا نعيشها، ورغم أنّها لم تكن مثالية، وكانت السلبيات فيها تخنق المرء أحياناً، إلا أنها كانت خطايانا… ولم تكن تهديداً لأمن أحد… لعلنا تأخرنا لندرك أن مصائر الشعوب سلعٌ تُباع وتُشترى في مزادات السياسة والمصالح… ومن غرائب السياسة أن من يَقتل يمكنه أن يفبرك ألف سبب لذلك، فالضحية هي السبب، وبأي طريقة!

الحرب علينا كانت محسومة النتائج سلفاً، والفرق بالعتاد والعدة كان واضحاً، وكانت مسألة وقت لا أكثر، والمفارقة أن البعض لم يفهم ذلك واعتقد أنه سيحقق المعجزة.

السياسة ميدان حربٍ لسنا فرسانها، وأما في الميدان فقد سُطرت ملاحم وبطولات نادرة، فقد كان أبناء الشمس على مستوى المسؤولية والفداء، وافتدوا أرضهم المباركة بطهر دمائهم… وعندما نذكر الدم، فليس لأحد وصاية عليه، ومن السطحية توصيفه حزبياً. ويبقى شهداؤنا مبعث العزة والفخر للجميع، وعلينا جميعاً الوفاء لهذه الدماء.

ما زلنا قاصري النظر، نختلف في فتات الأفكار، وفي التفاصيل، وربما البعد عن الديار يمنح المرء فرصة رؤية أوسع بعد تجربة قاسية وبُعدٍ قسريّ.

إرهاصاتُ وقوعِ الحربِ عايشها الناس قبل وقوعها، والمسألة كانت توقيت بدئها، ولم تكن مجرد مخاوف وتوقعات أو قراءة فنجان، بل كان كل السلوك التركيّ يؤكد وقوع الحرب، بإعلامه وتصريحات مسؤوليه وحراكه السياسيّ. ولكن السؤال هل كان المجتمع مستعداً لاحتمال حربٍ، تُستخدم فيها كل وسائل الدمار وأحدث آلات القتل؟ هل يمكن للبيوت أن تحمي الأهالي؟ وهل يمكن احتمال حرب طويلة الأمد مع الحصار وقطع الطرقات وانقطاع المواد التموينية؟… تلك كانت الأسئلة الصعبة.

ووقعت الواقعة وبدأ التركيّ حربه، يسوق أمامه جحافل المرتزقة، ممتلئين بحقد أعمى وهوس بالسرقة والاستيلاء على كل شيء… وفاقت الحربُ التوقعات بضراوتها، فهدمت البنيان ودمرت المرافق، ومع استمرارها اضطر الناس لترك بيوتهم والخروج إلى فضاءات النزوح القسريّ… وقد تركوا خلفهم كل شيء، الممتلكات والذكريات والجذور والحقول والبساتين، بل تركوا أرواحهم خلفهم، وخرجوا شبه أشباح… ولعل اللغة لا تسعفنا في وصف حجم الكارثة، ولا حتى حجم حقد العدو. ما يمكن قوله أن الحرب كانت أليمة ولئيمة وحاقدة ومجنونة، وصلت إلى الذروة في التوحش.

أفكار كثيرة استبدت بالناس الهائمة على وجوهها، فالفراق أليم، وشعور الفقد موجع جداً، والقضية ليست مجرد أملاك وأموال، بل هو الوطن، وكل ما يعنيه الاقتلاع من الجذور.

الحرب أطاحت بكل ما راكمه الناس وبنوه، حتى ذكريات الطفولة ومقابر العائلة تُركت… خرج من خرج، والباقون صاروا أقلية، مهددين بسيف الفاتحين الجدد.

ولم يمضِ زمان طويل حتى أصبحت عفرين غير التي نعرفها، فقد عمل الاحتلال جاهداً على محو خصوصية عفرين، وأسكن الغرباء في مرابع طفولتنا وبيوتنا. ففي عفرين اليوم الشوارع والجدران واليافطات، وعابرو الطرقات والسوق كلهم يخبروك بحجم التغيير الذي حصل… لقد أرادوا تغييراً سريعاً لصنع صورة عفرين المختلفة.

التغيير طال كل شيء حتى تلك العائلات التي صمدت طوال سنوات الأزمة ولم يهاجر أي من أفرادها، فقدت تماسكها مع الحرب، وتفرقت مرغمة، وكل فردٍ قصد جهة، ينشد الأمان ويبحث عن ملاذ للحياة.

كان مجتمع عفرين قد تجاوز كثيراً من تفاصيل الاختلاف الحزبيّ والأيديولوجيّ والتباين في وجهات النظر، حتى ضمن العائلة الواحدة، إلا أنّه تغير أيضاً، فالامتحان كان صعباً للغاية، وأظهر حقيقة الكثيرين من أبناء جلدتنا من الانتهازين وتجار الحروب الموالين للدولار فقط، فالحربُ رفعت الحرج عن الجميع.

مرّ عامٌ على بدء الحرب ومازال كثيرٌ من أهل عفرين في الشتات بعد يوم التغريبة…. تمنياتي أن نعود إلى وطننا وأحضن أبي وأمي وأقبّل أيديهم، فالشوقُ يأكلنا كل يوم.

* جريدة الوحـدة – العدد 305 – شباط 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).