جديد الموقع

إنكسار داعش تحوُّل في المشهد السوري، يزيد قلق البعض ويربك الكثيرين
الافتتاحية*

مع تسارع العدّ العكسي لمصير (دولة الخلافة المزعومة) واستمرار استسلام الألوف من مسلحي تنظيمها مع عوائلهم من نساء وأطفال لقوات سوريا الديمقراطية وحلفائها، وما ينجم عنه من تبعات وأعباء، وما له من دروس وعبرّ، يستسهل البعض تناسي فظائع تنظيم الدولة (داعش)، ليس في كوباني وقضاء سنجار فحسب، بل وفي أجزاء واسعة من سوريا والعراق، ناهيك عن تفجيرات قام بها التنظيم في مصر وتركيا والأردن، وصولاً إلى مدن وساحات أوروبية قامت بها خلايا وذئاب منفردة، غالباً ما أعلن التنظيم مسؤوليته عنها، انطلاقاً من قاعدته في (فتوى الجهاد) الذي لا يزال يلقى رواجاً لدى بيئات وأوساط مجتمعية لا يجوز الاستهانة بها.

فالجانب العقائدي المتحجر المرتكز على قول (النص الديني) وتفسيرات كلٍ على هواه، يبقى يشكل الدافع المحرِّك لديمومة العمل والتوجه على هدى نهجٍ تكفيري سلفي يواصل الاعتماد على التوحش في التعامل مع البشر والشجر والحجر، بهدف نشر الرعب وتحويله إلى صدمة تهز الأبدان وتقزِّز الأنفس، وما مثال قطع رؤوس خمسين امرأة كردية إزدية قبل أيام ورميها على مرأى المشاهدين في أطراف قرية باغوز – شرق الفرات، ومن قبله التمثيل بجثمان الشهيدة بارين كوباني، وغيرها من مقاتلي ومقاتلات وحـدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ، إبان الغزو التركي لمنطقة عفرين في مستهل العام المنصرم، وقطع أشجارها المعمرّة وتدمير معالمها الأثرية، إلا بمثابة غيضٍ من فيض التوحش (الداعشي) الذي حكَمَ حتى الأمس القريب مدناً كبيرة كالموصل، ووصل إلى مشارف أربيل، وسيطر على الرقة (العاصمة المزعومة للخلافة) ودير الزور والبادية وأطراف حلب، وسعى جاهداً لإسقاط كوباني (عين العرب) بهدف بسط حكمه عليها تحت مسمى (عين الإسلام)، فكانت هزيمته قد بدأت بكسر شوكته هناك، حيث استبسل مقاتلو وحدات حماية الشعب والمرأة وقدموا أمثولة الكفاح العادل والتفاني دفاعاً عن النفس في ردع الإرهاب. وهنا تجدر الإشارة، أن في حينه تجلَّت ملامح القلق والامتعاض لدى الرئيس التركي عبر خطابه الشهير في مدينة عنتاب الذي توقَّع فيه سقوط كوباني بأيدي قطعان داعش.

لقد ثبت لمختلف القوى والفعاليات المناهضة للعنف والإرهاب مدى تورط سلطات تركيا واستمرارها في دعم ورعاية قوى التكفير والسلفية الجهادية، واستخدامها شعائر الدين وأئمة المساجد والجوامع لأغراض السياسة وزرع الكراهية بين أطياف شعوب المنطقة، والتوسع على حساب أراضي الغير وفق أجندات مستمدة من سمات وتركات زمن الخلافة العثمانية وخرائطها، ساعية بشتى السبل والأدوات ووسائل إعلام ومؤتمرات لإضعاف وضرب الحضور التاريخي للكُـرد في الشمال والشمال الشرقي من سوريا وخصوصاً النيل من دور وفاعلية المجالس والإدارات الذاتية القائمة وقوات سوريا الديمقراطية التي بات واضحاً لكل ذي بصيرة أن من الواجب والضرورة الإنسانية والوطنية التضامن معها وإسنادها دون تردد، فنجاحاتها في حماية السلم الأهلي على قاعدة نبذها للتمييز بسبب الدين والقومية، وإلحاقها الهزيمة تلو الأخرى بتنظيم الدولة (داعش) تعدُّ نجاحاً أكيداً لجميع مكونات الشعب السوري، وخطوةً هامة على طريق تذليل الصعوبات وإزالة العقبات من أمام مساعي وجهود إيجاد تسوية وحل سياسي سلمي للأزمة السورية التي طال أمدها على وقع استمرار تهديدات تركيا وأدوارها المريبة التي افتضح أمرها وأمر أعوانها لدى معظم السوريين كرداً وعرباً.

* جريدة الوحـدة – العدد 305 – شباط 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).