جديد الموقع

حوار مع السيد عبد الفتاح علي، الصحفي في مركز القاهرة للدراسات الكردية
أجرى الحوار: سلمان بارودو

مجلة الحوار – السنة 25- العدد 72- 2018م

« منذ عام 2000 اعتبرت نفسي جنديًا في خدمة قضية الشعب الكوردي العادلة لأنه شعب عريق ومظلوم»

س1- قرّاء مجلة الحوار يريدون أن يعرفوا من هو السيد عبدالفتاح علي ومركز دراساتكم الكردية وطبيعة نشاط وإصدارات المركز؟

ج1ـ  أعمل بالصحافة منذ 24 عامًا، عضو نقابة الصحفيين المصرية، حائز جائزة النقابة عن مجموعة تقارير وتغطيات خارجية للحرب على داعش في كل من سوريا والعراق، وعن الدور الكردي في التصدي لخطر داعش الإرهابي. رئيس قسم الديسك المركزي بصحيفة «صوت الأمة» الصحيفة الأسبوعية الأولى في مصر. متخصص في الشئون الكردية.

الحقيقة أنني كنت أتابع الشئون الكردية في الصحافة ووكالات الأنباء الدولية والعربية، ولكن أول من فتح أمامي الباب للدخول إلى عالم القضية الكردية والشعب الكردي، كان هو الأستاذ حازم اليوسفي والذي أعتبره صاحب الفضل عليّ في هذا المجال، وكان ذلك عام 2000 وكان وقتها ممثلًا لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني في مصر، وهو الآن وكيل وزارة الخارجية العراقية. حيث أعطاني الصورة الحقيقية عن الشعب الكردي وقضيته العادلة وتاريخه وحضارته والظلم الذي عانى منه طوال قرون، وصحح الصورة المغلوطة والمشوهة التي كانت راسخة عن الأكراد بفعل الآلة الإعلامية الضخمة للأنظمة الحاكمة في العراق وسوريا وتركيا وإيران. ومنذ هذا الحين اعتبرت نفسي جنديًا في خدمة هذه القضية العادلة وهذا الشعب العريق المظلوم.

في عام 2013 أسست مركز القاهرة للدراسات الكردية، ليعد هو المركز الأول والوحيد في مصر والمنطقة الذي يتخصص فقط في الشئون الكردية.

انطلاقًا من أن القضية الكردية والشعب الكردي عانا عقوداً طويلة من التشويه المتعمد، وإنكار الحقوق وعدم الاعتراف بالتمايز الثقافي والحضاري واللغوي، ورغم التاريخ الطويل من الجوار الجغرافي والاشتراك الحضاري والديني والثقافي، لم يحصل الأكراد على ما يستحقون، ما يجعل من الضروري توضيح الحقائق والاعتراف بالحقوق، خاصة وأن منطقتنا تحتاج الآن إلى بناء واقع حضاري جديد، يتناسب مع قدراتها الحقيقية وقواها الكامنة، ما يفترض تكاتفاً وتضافراً للجهود في مختلف المجالات.

وإدراكاً مني بأهمية التكامل بين الشعبين الكردي والعربي بما يحفلان به من موارد ثرية وثقافة عريقة تحتاج إلى من يبادر، جاءت هذه المبادرة بتأسيس مركز القاهرة للدراسات الكردية.

والمركز مؤسسة بحثية مستقلة، بترخيص من الجهات الحكومية المعنية في مصر، في نشاط الأبحاث والدراسات والندوات والنشر والترجمة إلى اللغة الكردية.

ويعتمد المركز الاستقلالية وعدم التبعية لأية جهة أو مؤسسة حكومية أو غير حكومية، سواء في مصر أو في أي جزء من كردستان، باعتبارها أحد أهم أركان بناء المصداقية العلمية والعملية.

يهدف المركز إلى توطيد العلاقة ودعم التواصل الثقافي والبحثي بين مصر والجانب العربي من جهة والجانب الكردي من جهة أخرى. للإسهام في إقامة الجسور الأكاديمية والعلمية بين مؤسسات التعليم العالي في الجانبين الكردي والعربي. وإعداد كوادر متخصصة في شئون كردستان والكرد. وكذلك القيام بأنشطة التدريب للكوادر من الجانبين. تقديم المعلومات والأخبار الصحيحة والمحايدة عن كردستان والكرد إلى الهيئات والمؤسسات ووسائل الإعلام العربية وفي المنطقة.

نعمل على أن يصبح المركز مرجعاً للهيئات والمؤسسات والأشخاص المعنيين بالشئون الكردية، في المجالات البحثية والأكاديمية والثقافية والعلمية والاجتماعية والسياسية. وذلك من خلال عقد الندوات والمؤتمرات وحلقات النقاش. ونشر الدراسات والبحوث والترجمات والدوريات. وعقد دورات للراغبين في تعلم اللغتين الكردية والعربية، وتقديم العون للهيئات والمؤسسات المعنية بتدريس اللغتين في الجانبين. وأن نقدم للقارئ العربي ترجمة للأعمال الأدبية والثقافية والعلمية والسياسية، وكذلك الأبحاث والمقالات المعنية بشئون كردستان والكرد في مختلف أنحاء العالم.

س2- هل لكم أن تضعنا في صورة واقع وتاريخ الكرد في مصر؟

ج2ـ في الحقيقة إن للكرد تاريخ بعيد يضرب في عمق التاريخ المصري القديم منذ الفراعنة، وذلك وفق دراسات وأبحاث علمية موثقة، ولعل أشهر هذا الوجود هو الملكة نفرتيتي. كما لعب الكرد دوراً بارزاً ومهماً للغاية في النهضة المصرية في مختلف العصور وفي كافة الميادين سواء السياسية أو الإدارية أو العلمية والدينية والثقافية والفنية والأدبية وغيرها. وهناك أسماء محفورة في الذاكرة المصرية لمصريين من أصول كردية لعل منها قاسم أمين محرر المرأة المصرية، وأحمد شوقي أمير الشعراء، والشيخ محمد عبده، وعباس محمود العقاد، والعائلة التيمورية والبدرخانية وأدهم وسيف وانلي الفنانين التشكيليين، والفنان محمود المليجي والفنانة سعاد حسني، والمقرئ عبد الباسط عبد الصمد.

س3- ما هي أهم النشاطات التي قمتم بها من أجل خدمة الكرد وقضيتهم العادلة؟

ج3ـ كما ذكرت من قبل، فإنني منذ ما يقرب من 18 عاماً أعتبر نفسي أحد الجنود المدافعين عن القضية الكردية وحقوق الشعب الكردي، وأحاول جاهداً أن أبذل ما بوسعي لخدمة هذه القضية العادلة والشعب الكردي المظلوم صاحب الحق، وأرى أن أي جهد قمت وسأقوم به في هذا المجال هو بالطبع أقل مما يجب ويستحق الشعب والقضية، لكن هو جهد المحب قدر الطاقة والإمكانيات. وكان إنشاء مركز القاهرة للدراسات الكردية أحد هذه المحاولات، فالمركز يلعب دوراً ملحوظاً في التعريف بالقضية وتصحيح الصورة المغلوطة عنها، ومواجهة حملات التشويه المتعمدة والضخمة، وكسب أنصار وداعمين جدد للقضية من بين المثقفين والباحثين والإعلاميين المصريين. كما أنني سخرت قلمي لخدمة هذه القضية العادلة وهذا الشعب العريق، وللدفاع عنهما.

س4- كيف ترى الإعلام الكردي وبأي اتجاه يسير؟

ج4ـ بكل صراحة الإعلام الكردي ما زال يخطو خطواته الأولى وفي بداية الطريق، وبالتالي فإنه ينقصه الكثير ليكون أكثر تأثيراً ووصولاً للرأي العام العربي والمصري والدولي، ومازال الإعلام الكردي يدور في فلك المحلية بشكل ملحوظ، وإن كان يفتقد المهنية والاحترافية فإننا نشيد بالجهود المخلصة للقائمين عليه والعاملين فيه، ولهذا فإنني أقترح على القائمين عليه المزيد من التدريب للكوادر الوطنية، والاستعانة بالكفاءات والخبرات غير الكردية، والحرص على تقديم خطاب إعلامي محترف ومتنوع وعصري للمتابع الخارجي. وفي المحصلة فإن التجربة مازالت في بدايتها ولكني ألاحظ عليها التطور المستمر.

س5- ما هو رأيكم حول ما يثار حول الصدام بين الحضارات والثقافات؟

ج5ـ شخصياً لا أؤمن كثيراً بمسألة الصدام بين الحضارات والثقافات، لأن الأصل في الحضارة هو الإيجابية والوجه الإنساني، وبالتالي فإن كل حضارة هي وجه مشرق للإنسانية ولكل جميل وعظيم وإنساني، وتأكيد على القيم الإنسانية الراقية، وهكذا الثقافات، وبالتالي فإن الأصل في الحضارات أنها تتكامل وتتلاقح لخير الإنسانية.

 س6- ما هي تصوراتكم لمستقبل سوريا وخاصة حل القضية الكردية فيها بعيداً عن الأمنيات؟

ج6ـ في الوقت الذي تقول فيه كل المؤشرات أن مستقبل سوريا غير واضح وغير مشرق أو متفائل، فإنني أرى أن الأمور مهما زاد تعقيدها هي في الطريق إلى الحل، وأن المستقبل مهما كانت العراقيل والحسابات والصفقات السياسية الدولية، فإنه في النهاية سيكون في صالح الشعب السوري.

ومن جانب آخر فإن ما قام به الكرد في شمال وشمال شرق سوريا أمر يستحق الإشادة، وتجربة فريدة جنبت شعوب المنطقة ويلات الحرب وخطر الإرهاب الداعشي، وحقنت دماءهم، وفي الوقت نفسه قامت ولا تزال بعملية بناء وتنمية في مختلف المجالات، ما جعلها أكثر رسوخًا على المستوى الشعبي بما يضيف لها قوة وتماسكاً في مواجهة أي مخططات لأطراف داخلية أو إقليمية أو دولية. وأتوقع أن تتعاظم مكاسب التجربة في الفترة المقبلة مع اتجاه الأمور في سوريا إلى نهاياتها.

س7- هل هنالك موقف مصري موحد اتجاه المسألة الكردية؟

ج7ـ على الصعيد السياسي قامت مصر ولا تزال بدعم حقوق الشعب الكردي، منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حرصاً منها على الاستقرار في المنطقة وعلى مبدأ التعايش السلمي بين شعوب ومكونات المنطقة، ويذكر لمصر أنها كانت ولا تزال صديقة للشعب الكردي، ولم ترتكب في حقه أي انتهاك أو جريمة. مصر الرسمية تتفهم جيداً الحقوق الكردية في العراق وسوريا وإيران وتركيا، وتعمل على تحقيقها بما لا يؤدي إلى أي اختلال في هذه الدول أو صدام بين شعوبها التي عاشت عقوداً في وئام وأخوة.

أما على الصعيد الشعبي فهناك تعاطف كبير بين المصريين تجاه الشعب الكردي، وهناك رغبة أصيلة عند المصريين في التواصل مع الشعب الكردي ونيله حقوقه، رغم ما ساد طوال العقود الماضية من تشويه لهذا الشعب.

س8- ما هي النصيحة التي تقدمها لمراكز الدراسات الكردية ومنظماتها الحقوقية في مختلف أماكن تواجدهم؟

ج8ـ بصراحة شديدة جداً أقول للشعب الكردي بمختلف فئاته وشرائحه أن يكون أكثر تمسكاً بالعيش والتآخي مع الشعب العربي في البداية ومع الشعوب التي عاش معها قروناً طويلة. وأنصح مراكز الدراسات والمنظمات الكردية بالعمل على دعم العلاقات ومد الجسور مع الشعب العربي ومع الآخر، حتى على الرغم من أن بعض هذا الآخر ربما يكون قد أساء للشعب الكردي، ولكن ما يميز الشعب الكردي هو تسامحه. وأرجو ألا تقع هذه المراكز والمنظمات أسيرة العامل القومي ـ وهو مهم لا جدال ـ وأن تنفتح أكثر على الخارج. خاصة أن الشعب الكردي دائماً صاحب رسالة بما يجعله ملتزماً بألا تكون هذه الرسالة خاضعة للعامل الجغرافي فلا تخرج بعيداً عن حدوده.

 س9- هل تعتقد بأن النخب الثقافية الكردية فعالة وقادرة على احداث تغيير؟

ج9ـ التغيير حدث في المناطق الكردية في سوريا وامتد إلى شمال وشمال شرق سوريا وانتشر في مناطق غير كردية، وبالتالي فإن المسئولية كبيرة على عاتق النخبة الثقافية والسياسية الكردية على تطوير هذا التغيير وحمايته ونشره، وأعتقد أن هذه النخب بمقدورها القيام بهذا الدور.

 س10- كيف ترى حركة الثقافة الكردية في سوريا ونظرتك لمستقبلها؟

ج10ـ الشعب الكردي لديه حركة ثقافية عريقة ورصيد حضاري وثقافي وفني لا يستهان به، لكنه عانى طوال العقود الماضية من التهميش والإقصاء وغيرها من الممارسات التي للأسف تركت أثاراً كبيرة سلبية فيه، وبالتالي فإن الحركة الكردية الثقافية المعاصرة عليها العمل بجد لتعويض ما فات ومواكبة الحياة التي نحياها بكل خصائصها. ومن خلال مشاركتي في معرض الكتاب الثاني في قامشلو أطلعت على بعض ملامح هذه الحركة الثقافية، وهي بما تبدو عليه الآن طبيعية ومتوقعة تعبر عن البدايات بكل ما فيها من بكارة وتواضع وبساطة وافتقاد لبعض الوجوه، لكنها تتميز بالإخلاص والدأب والمثابرة، وبالتالي فإنها مبشرة وقادرة على التطور بسرعة.

 س11- ما الكلمة التي توجهها لمجلة الحوار ولقرائها؟

ج11ـ أتوجه بالشكر لمجلة الحوار العريقة خاصة أنها أتمت عامها الخامس والعشرين، بما يعني أنها صاحبة تجربة رائدة ومميزة، وأشكر القائمين عليها لما يقدموه من رسالة ثقافية وفكرية مؤثرة رغم الظروف والإمكانيات، وأشكر قراء المجلة الأفاضل وأتمنى منهم أن يظلوا خلف مجلتهم الرائدة داعمين لها حتى تواصل أداء رسالتها.