جديد الموقع

القافلة… هناك عفرين… وهنا في القلب عفرين
د.بنكين حمزة

(شهادة متضامن ذهب مع قوافل المتضامنين من الجزيرة إلى عفرين)

مجلة الحوار- السنة 25- العدد 72 – 2018م

يسمع بقرار الإدارة في إقليم الجزيرة بتسيير قافلة مدنية لتعزيز ودعم صمود أهلنا هناك , وفي المساء يرجع إلى بيته ويبتسم في وجه زوجته قائلاً : سنسافر إلى مدينتنا الحبيبة , لن أجادلك بقرارك فأعرف حبنا لها وقد كان لقاؤنا الأول في أحضانها تجاوبه زوجته , لا أقصد أن نذهب كلانا إلى حبيبتنا يقاطع زوجته , أجننتَ يا رجل ؟ وأطفالنا ماذا أفعل بهم ؟ يجاوب ببساطة نتركهم عند أحد الجدّين , لا سأبقى مع الأولاد فإن متّ ـ لا سامح الله ـ سأكون لهم أبّاً وأماً , أنهيا الحديث وخلدا إلى النوم , إنّها صبيحة الحادي والعشرين من شباط فبراير عام 2017 م يودّع زوجته التي تبكي وتدعو لهم بالسلامة , كانت السماء متلبّدة بالغيوم والبرد ينتشر في أرجاء مدينته ديريك يتوجّه ليركب إحدى الحافلات ليسير في رحلةٍ نادرةٍ , فمن الطبيعي أن يرتحل سكان المناطق الساخنة إلى المناطق الأكثر أماناً , أمّا أن يحدث العكس فهو نادر الحدوث حقّاً , عشرات الحافلات تتوجّه من الجزيرة إلى قلعة الصمود والبطولة» كوباني» التي لازلنا نلثم جراحها من آثار الوحوش البشرية , حيث المبيت هناك وفي صبيحة اليوم الثاني تنضم قوافلٌ من أهلها مع قوافلنا لنكوّن قافلةً واحدةً تتوجه إلى حبيبتنا كورداغ/عفرين, وفي المساء وفي كرمٍ منقطع النظير وغير مستغرب عن ذويها العظام كانت كوباني وكأنّها بيتٌ واحدٌ يستقبل بضعة أشخاص كانت أبواب دورها مفتوحةً على مصراعيها لاستقبالنا و وفي صبيحة اليوم التالي كان الانطلاق من ساحة الشهيدة آرين ابنة جيايي كورمينج / جبل الكرد البارة نحومدينتها في صورةٍ تبعث الوفاء لروحها الخالدة وتعاهدها بالصمود العزيز على أرض الأجداد , تسير القافلة لتقف طويلاً على حاجز التايهة التي تسيطر عليها قوات النظام , ثمّ يُسمح لهم بالمرور , راوده شعورٌ غريبٌ وكأنّه يخرج من الجنّة إلى الجحيم حيث رائحة الموت وآثار الخراب والدمار فلا تخطأ العين برؤية حجم الدمار الذي نال وطنه في تلك المناطق كانت الدور الواقفة مع أسقفها لا تتجاوز أصابع اليدين في كلّ منطقة , رأى البؤس على وجوه الناس الذين خرجوا على الطرقات يهتفون باسم عفرين وشاهد المساجد التي تحوّلت إلى حسينيات وقد كُتبت عليها عباراتٌ  طائفية مقيتة  , في كلّ بقعةٍ تُرفع صورٌ وأعلامٌ تختلف عن بعضها , يرتفع علم جمهوية إيران الإسلامية مع صور أية الله العظمى , وفي البقعة التي يليها يرتفع علم حزب الله اللبناني مع صور الشيخ حسن نصرالله , وفي أخرى علم الدولة السورية مع صور الأسد الأب والابن والأخ , وكأنها على حدّ قول غوار الطوشي ـ حارة كل مين إيدو إلو ـ وفي المساء وبعد عناءٍ وصلنا حاجز ترندة كان هدير الطائرات ودويّ المدافع تخترق آذانهم بابتسامته المعهودة يقول لركاب الحافلة : هذه الأصوات طبيعية فعفرين كلها منطقة حدودية وتحت  مرمى النيران التركية , اخترقت رائحة البارود أنفه يهمس في أذن صديقه قائلاً : إننا مستهدفون فالقذائف قريبة منا ولم ينتهي من حديثه حتى اشتعل جانب الطريق , ركنت الحوافل في جبل ليلون ( الأحلام ) فالتجأ الركاب جميعاً إلى جبلهم ليحميهم من القصف الغادر لتؤكّد من جديد لا أصدقاء لنا سوى الجبال , حتى سيارة الأسايش التي انطلقت من عفرين لتعطيهم تعليمات الأمان والحماية استهدفها الطيران التركي , إنها الطورانية والكمالية التي تكره وتحقد على الكورد , كان يعطي التعليمات بابتسامةٍ ليرفع معنويات رفاقه حيث استفاد من خدمة العلم وما إن هدأ القصف حتى توجهوا إلى قرية باسوطة حيث تمّ تأمين النساء اللاتي لم تفارقهنّ دموعهن , يقولُ لصديقيه : لو أنّنا عرفنا الطريق لذهبنا إلى عفرين مشياً فهي قريبة انتقل القصف إلى قرية باسوطة فيأمر صديقيه بالانبطاح ووضع اليدين فوق الرأس وحماية الرأس قدر الإمكان فتسقط الشظايا على مقربةٍ منهم , يناديهم رجلٌ ليصطحبهم إلى داره يدخلون في غرفةٍ فيها مدفأة حطب زيتوننا المبارك وماهي سوى لحظات حيث دبّ الدفء في الغرفة , يأتي صاحب الدار بإبريقٍ من الشاي فيرفض شربها فيضحك صديقه قائلاً له : كدّتَ تموت بقذيقة وتخشى الآن على صحتك , لقد أحزنهم نبأ استشهاد أحد رفاق القافلة حيث كان من مدينة دير الزور ليؤكد على وحدة الشعب والأرض السوريين , ويأتي بعدها بعدد من الأغطية وأمرنا بإطفاء الأنوار والخروج فرادى , فلبس بيجامته وفتح إحدى البطانيات لينام , لن تنام وكيف لك أن تنام بعد هذا القصف ؟ قالها صديقه , يجاوبه بابتسامةٍ لقد أنهكنا السفر وغداً صباحاً نكون في عفرين وهل سنصلها لننام هناك ؟ يغلق هاتفه ويخلد إلى النوم , يستيقظ على رائحة القهوة ونار الحطب , ويقول سنذهب بسياراتٍ ولن نكون على شكل قافلة , وما إن خرج من البيت حتى قُصفت القرية مرةً أخرى يضحك قائلاً لصديقه : هل سمعنا هؤلاء الأوغاد , وودّعوا صاحب الدار الذي لن ينسى ملامحه في حياته ودون أن يعرف اسمه , كانوا خمسة واستقلوا حافلة ميكرو عفرينية ووصلوا عفرين صباحاً حيث الجميل عدنان جندو يستقبلهم راقصاً على الأنغام العفرينية  وكانت الوجهة الأولى مكتب حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا ( يكيتي ) في مدينة عفرين حيث الرفاق في الاستقبال وتوجهوا إلى مشفى آفرين ليشاركوا تشييع شهدائهم الأبرار , وهناك رأى مشهداً لن يمحو من ذاكرته مادامت تدبّ فيه الحياة , امرأة في ربيع عمرها وقد احمرّت أحداقها وتنحب زوجها الشهيد سائرةً خلف جنازته رافعةً رضيعها , كانت الشوارع نظيفة والأرصفة أجمل , لقد كانت المدينة بأبهى حالاتها فالكهرباء والمياه والخبز كانت بحالة جيدة , وما كان يشدّ الانتباه كانت هناك جرافة تعمل لتشييد بناء جديد , لقد كانت الخيارات جدّ محدودة فلم يكن هناك سوى خيار المقاومة ودفن الشهداء بموكبٍ لاقىءٍ , وتطبيب الجرحى والمحافظة على نظافة المدينة عسى ولعلّ أن يهزّ للعالم الحرّ جفنٌ أو طرف , ما نقوم به من دفاعٍ على أرضنا من ناموس الطبيعة فلم نعتد على أحد نحن قابعون تحت أشجار زيتوننا والأتراك يصرّون على إخراجنا من ديارنا قالها أحد محاميي عفرين الجميلة وقال آخر : نحن لا نريد ترديد مقولة الفلسطينيين ( حق العودة لا عودة عنه ) قدر الإمكان , وأكثر ما هزّ الوجدان كلام أمٍّ عفرينيةٍ جميلةٍ بصوتٍ ناعمٍ يبعث الثقة في النفس تقول له : لقد استشهد خالك وأخوتك قد أنجبوا طفلين أسميناهما باسم خالك , يبتسم لصديقه قائلاً : كنا قد أتينا لنرفع معنوياتهم نراهم قد رفعوا معنوياتنا يا صديقي هنا لا مكان لأنصاف الرجال والمواقف , وطلبت منه زوجته السؤال عن صديقتها في المرحلة الجامعية لقد اكتسب أختاً نقيةً دعته إلى بيت أهلها كان والدها خائفاً على ابنته ويبتسم قائلاً : برؤيتكم يتلاشى الخوف وتتعزز الثقة بالنفس ووالدتها كباقي أمهاتنا كانت آية من الرّقة والحنان تصرّ على نومه في منزلها , في إحدى الصباحات يصطحبه صديقه العفريني الجميل بجولةٍ في سوق المدينة يقول له : لقد طلب مني طفلي الصغير آيباداً وبعد شرائه يسأل عن البضائع المختلفة وأسعارها حيث لا احتكار ولا غلاء في الأسعار على العكس تماماً فالمواد التموينية كانت أرخص في أيام الحرب من قبلها وفي المساء يبتسم صديقه قائلاً له : إنّ طفلي قال لي بالحرف : إذا كان هذا الجهاز صناعة تركية فلن أحمله , لقد تحولت عفرين بشيبها وشبابها ونسائها وأطفالها إلى كتلةٍ واحدةٍ من المقاومة , وقد رفض أهلها الذهاب إلى المخيمات التي بنتها تركيا بالقرب من عفرين لإضعاف روح المقاومة فيها وبعد ستة أيام حان وقت عودتهم وفي الليل يودّع رفاقه بعيونٍ دامعةٍ وقلبٍ حزين , وفي صباح اليوم التالي يوصلهم مضيفهم الشهم إلى قافلتهم بسيارته الخاصة يعانقهم والدموع تغسلها دموع السماء , يتكابرون ويمسحون دموعهم مع المطر , يركب حافلته ويرفع يده لرفيقه ويبكي وتسير الحافلات بأمان حتى وصلوا جبل ليلون ( الأحلام ) ينظر خلفه فتلوح عفرين أمامه عن بكرة أبيها ويستمر بالبكاء ويحاول صديقه أن يهدّأه فيقول : أشعر بأنّ عفرين لن تكون بخير أترانا قد خننّاها يا صديقي ونحن ندير لها ظهورنا , أجل يا عفرين لا تثريب عليكِ , كوني بخير,

وستبقين لنا بمثابة العين من الرأس .

لك مني السلام يا مدينة الزيتون والسلام .

وهنا أنت في القلب لا تبرحينه ما حُييت .